شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
ازدواجية المعايير تطال الرياضيين المتعاطفين مع غزة... لماذا تنحاز أندية أوروبا إلى إسرائيل؟

ازدواجية المعايير تطال الرياضيين المتعاطفين مع غزة... لماذا تنحاز أندية أوروبا إلى إسرائيل؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

أعلن نادي ماينز الألماني، عن إيقاف مهاجمه الهولندي من أصول مغربية، أنور الغازي، عن اللّعب والتدريبات، بسبب منشور على تطبيق إنستغرام، أكّد من خلاله ذو الـ28 سنةً، وقوفه إلى جانب غزة التي تتعرض لعدوان إسرائيلي، حيث قال الغازي: "إنها ليست حرباً، عندما يقوم طرف بقطع المياه والغذاء والكهرباء عن طرف آخر، فهذه ليست حرباً. عندما يملك طرف أسلحةً نوويةً، فهذه ليست حرباً"، مضيفاً: "من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرةً".

وبالرغم من أن اللاعب عاد وحذف المنشور بطلب من إدارة النادي، إلا أن الأخيرة أصرّت على اتّخاذ عقوبة مسلكية بحقّه، حيث قالت في بيان: "من الواضح أن النادي ينأى بنفسه عن محتوى المنشور لأنه لا يعكس قيمنا".

تنضم قضية أنور الغازي اليوم إلى سلسلة طويلة من الشواهد التي تثبت انحياز الأندية والاتحادات الرياضية في أوروبا إلى الرواية الإسرائيلية، من خلال سياسات وإجراءات تعكس ازدواجيةً في المعايير، وهي سياسات لم تبدأ مع "طوفان الأقصى" بطبيعة الحال، إلا أنها تظهّرت هذه المرة بشكل فاضح، حيث تماهت إدارات الأندية الأوروبية في بلدان عدة، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، مع الحكومات في تلك البلاد، والتي أعلنت منذ اللحظة الأولى وقوفها إلى جانب إسرائيل بشكل قاطع وغير مشروط.

غير بعيد عن مدينة ماينز، كانت إدارة بايرن ميونيخ تقول إنها ستنتظر عودة اللاعب المغربي نصير مزراوي، من التوقف الدولي، لاتخاذ الإجراء القانوني بحقّه، بعدما تمنى اللاعب عبر إنستغرام النصر للفلسطينيين في الحرب الدائرة حالياً، حيث نشر فيديو يُظهر العلم الفلسطيني مرفرفاً، مع عبارة: "اللهم انصر إخواننا المضطهدين في فلسطين حتى ينتصروا، رحم الله الشهداء". وعنوَن مزراوي المنشور بعبارة "آمين". وقد أشارت صحيفة بيلد واسعة الانتشار، إلى أن مزراوي غاب عن التدريبات الجماعية للفريق، في انتظار الإجراء الذي ستتّخذه بحقه الإدارة.

بايرن ميونيخ ينظر بعين واحدة

وكانت إدارة بايرن ميونيخ قد سارعت إلى التضامن مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد عملية "طوفان الأقصى"، من خلال بيان نشره النادي البافاري على موقع إكس هذا نصّه: "لا يوجد أي مبرر لعمليات القتل والعنف الوحشي ضد السكان المدنيين. نحن قلقون بشأن أصدقائنا في إسرائيل، ونأمل في التعايش السلمي بين جميع شعوب الشرق الأوسط". وقد قامت إدارة الحساب بإغلاق خاصية التعليق على التغريدة.

ويشار إلى أن النادي البافاري صاحب الشعبية الجارفة في العالمين العربي والإسلامي، لم يتفوّه بأي كلمة لاحقاً، برغم المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة على امتداد الأسبوعين الماضيين، ومن بينها استهداف مستشفى المعمداني وسط القطاع، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 500 شخص.

مبدأ "فصل السياسة عن الرياضة"، ليس سوى أداة يستخدمها صنّاع الرياضة في الغرب بالطريقة التي تناسبهم، فتارةً تنشر إدارات الأندية بيانات منحازةً إلى أحد أطراف صراعٍ ما، وتارة أخرى توقف لاعبين لأن مواقفهم فقط مختلفة

من الواضح أن مبدأ "فصل السياسة عن الرياضة"، ليس سوى أداة يستخدمها صنّاع الرياضة في الغرب بالطريقة التي تناسبهم، فتارةً تنشر إدارات الأندية بيانات منحازةً إلى أحد أطراف صراعٍ ما، كما حصل في الحرب الأوكرانية-الروسية، وما يحصل اليوم في الهجوم على غزة، وتسمح للّاعبين بالتعبير عن انحيازهم إلى هذه القضية، كحالة تيبو كورتوا، حارس ريال مدريد، وألكسندر زينشنكو، مدافع أرسنال، اللّذين عبّرا بشكل واضح عن انحيازهما إلى إسرائيل، ووقوفهما إلى جانبها، من دون أن يتعرضا لأي مساءلة، وطوراً يتمّ إيقاف لاعبين وتهديدهم بالطرد، ومنعهم من المشاركة في التدريبات الجماعية، بحجة أنهم خالفوا سياسة النادي وقيمه المتمثّلة في الوقوف على الحياد في النزاعات السياسية.

لا توجد مواد واضحة في قوانين ومدوّنات الاتحادات الرياضية الدولية، تحدّد أو تعرّف بشكل واضح تداخل السياسة مع الرياضة، بل هي عناوين فضفاضة عامة تؤكد على ضرورة جعل الملاعب الرياضية مضامير للتلاقي والتقارب بين الشعوب، ونبذ الخلافات العرقية والدينية، وتحييد الرياضة عن الانقسامات السياسية، وتالياً فإن هذه الاتحادات تترك لنفسها فقط حرية تحديد المسموح به والممنوع عنه.

على سبيل المثال، قامت الاتحادات الرياضية بمنع اللاعبين والأندية الروسية من المشاركة في المسابقات الرياضية، بسبب الحرب على أوكرانيا، فاستُبعد مثلاً المنتخب الروسي من تصفيات مونديال قطر 2022، لكرة القدم، ومُنع اللاعبون الروس من المشاركة في الأولمبياد الشتوي 2022، فيما يُمنع اللاعبون الروس اليوم من المشاركة تحت اسم بلدهم في دورات الغراند شليم لكرة المضرب.

الفقرة الرابعة من لوائح الفيفا تمنع اللاعبين من إظهار أي شعار سياسي على قمصانهم الداخلية والخارجية، أو رفع لافتات سياسية، وقد قام الفيفا أكثر من مرة بمعاقبة أندية ولاعبين بسبب هذا الأمر، كما حصل في العام 2014، عندما غُرّم الاتحاد الأرجنتيني بمبلغ 30 ألف فرنك سويسري، بسبب وقوف اللاعبين أمام لافتة كُتب عليها "جزيرة فوكلاند أرجنتينية"، قبل انطلاق إحدى مباريات منتخب كرة القدم، ومع ذلك فإن الفيفا لم يُعارض رفع الشعارات المنددة بالغزو الروسي لأوكرانيا في الملاعب العالمية، كما سُمح للّاعبين الأوكرانيين بانتقاد روسيا خلال المؤتمرات الصحافية الخاصة بالمباريات، مع أن هذا يتناقض بشكل واضح مع مبدأ عدم إقحام السياسة في الرياضة.

وفي مثال فاضح آخر على ازدواجية المعايير المتبعة من الفيفا، نذكر الحادثة الشهيرة في العام 2008، عندما أظهر محمد أبو تريكة، نجم المنتخب المصري يومها، قميصه الداخلي وتظهر عليه عبارة "متعاطف مع غزة"، في وقت كانت فيه المدينة تتعرض لعدوان إسرائيلي، وقد وجّه الاتحاد الإفريقي إنذاراً للّاعب، حذّره فيه من تكرار هكذا تصرف، وكانت للـ"كاف"، نية لإيقاف أبو تريكة، واستبعاده من بطولة إفريقيا، لولا الضغط الذي مارسته الاتحادات العربية الإفريقية يومها، والتي رأت أن تصرف أبو تريكة لا يسبب أي ضرر لأحد وهو موقف إنساني.

"ضحايانا من سكان غزة هم ضحايا عمليات القصف الظالمة التي لا تميّز النساء والأطفال"، هذه الجملة المتعاطفة، كافية كي يتم رجم صاحبها معنوياً، وهذا ما حدث مع كريم بنزيما

في المقابل، قام لاعب منتخب غانا جون بانتسيل، برفع علم الكيان الإسرائيلي خلال مونديال 2006، في ألمانيا، في إحدى المباريات، من دون أن يتعرض لأي إنذار من الفيفا، بالرغم من الدلالة السياسية الواضحة التي يحملها هذا العلم.

توقيف يوسف عطال

لا تتوانى جماهير بعض الأندية الأوروبية عن تبنّي سياسة النادي المنحازة ضد الفلسطينيين، فتخلق حالة ضغط ضد اللاعبين بسبب مواقفهم، كما حصل مع لاعب آخر في الدوري الألماني، هو التونسي عيسى العيدوني، الذي تعرّض لحملة واسعة عبر وسائل التواصل من جماهير نادي يونيون برلين، طالب بعضهم فيها بإجباره على الاعتذار، فيما طالب البعض الآخر بطرده من النادي، مع الإشارة إلى أن يونيون برلين كان قد أعلن عن تضامنه مع إسرائيل بعد عملية "طوفان الأقصى".

ولم يختلف الحال في فرنسا، حيث أوقف نادي نيس، الناشط في دوري الدرجة الأولى، لاعبه الجزائري يوسف عطال، حتى إشعار آخر، بتهمة "الدفاع عن الإرهاب ومعاداة السامية"، بسبب منشور له داعم للقضية الفلسطينية. وبالرغم من أن عطّال، عاد وحذف المنشور، إلا أن النادي أصرّ على معاقبته، فيما يُتوقّع أن تصدر عقوبات إضافية بحقه من الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، الذي أشار رئيسه فيليب ديالو، إلى أن تصريحات عطال تتعارض مع الأخلاقيات والقيم التي تدافع عنها الرياضة على حد تعبيره.

كما أطلق الجمهور الفرنسي حملةً واسعةً على وسائل التواصل الاجتماعي ضد النجم الفرنسي ذي الأصول الجزائرية كريم بنزيما، بسبب مواقفه الداعمة للفلسطينيين، وصلت إلى حد المطالبة بسحب الكرة الذهبية منه، في وقت هاجم فيه وزير الداخلية الفرنسي اليميني جيرالد دارمانين، كريم بنزيما بقوة، واتّهمه بأنه على صلة مع مجموعات الإخوان المسلمين، لأنه لم يتعاطف مع الإسرائيليين بعد عملية "طوفان الأقصى"، وهي ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها بنزيما لحملات من اليمين الفرنسي. وكان بنزيما قد غرّد على موقع إكس قائلاً: "ضحايانا من سكان غزة هم ضحايا عمليات القصف الظالمة التي لا تميّز النساء والأطفال".

بالإضافة إلى كريم بنزيما، تضامن عدد كبير من نجوم الرياضة حول العالم مع غزة، ومن بينهم البطل النيوزلندي سوني ويليامز، أحد أبرز نجوم الروغبي، والملاكم حبيب نورماغيدوف البطل السابق في الـUFC، فيما كان الموقف الأبرز في هذا المجال لنجم مانشستر يونايتد السابق إيريك كانتونا، الذي قال عبر حسابه على إنستغرام، إن عبارة "فلسطين حرّة"، تعني التوقف عن حبس 2،3 ملايين فلسطيني في أكبر سجن مفتوح في العالم، نصفهم من الأطفال، وهي تعني إنهاء الفصل العنصري الذي فرضته الحكومة الإسرائيلية".

وكان لافتاً قيام جماهير بعض الفرق الأوروبية برفع الأعلام الفلسطينية والشعارات الداعمة لغزة في مباريات نهاية الأسبوع، وأبرزها أتى من جماهير أندية ريال سوسييداد وإسبانيول في إسبانيا وليفربول في إنكلترا.

إدارة أرسنال تكيل بمكيالين

في بريطانيا، تبرّأت إدارة نادي سيلتيك من رابطة "اللواء الأخضر" المنضوية إلى جماهير النادي، بسبب قيامها بتوجيه التحية إلى غزة و"المقاومة الفلسطينية"، بعد ساعات من عملية "طوفان الأقصى"، وبدء الهجوم الإسرائيلي على القطاع، بحجة التزام سياسة الحياد، مع العلم أن الرابطة المعروفة بانحيازها إلى قضايا المستضعفين، تعاطفت مع العديد من الحركات في السابق مثل حملة "Black Lives Matter"، من دون أن يقوم النادي بالتبرّؤ منها.

بإمكان اللاعب الأوكراني زينشنكو أن يتضامن مع إسرائيل، أما إذا تجرّأ اللاعب المصري محمد النني من أن يتعاطف مع  ضحايا العدوان على غزة، فسيتحمل تبعات موقفه الإنساني هذا

كذلك لم تكن لإدارة أرسنال الإنكليزي أي مشكلة مع قيام لاعب الفريق زينشنكو، بإعلان تضامنه مع إسرائيل، ولم تُصدر بياناً يطالب اللاعبين بالحياد، إلا بعد قيام محمد النني، بإعلان التضامن مع غزة. النجم المصري أظهر مرةً أخرى ثباتاً في موقفه وأصرّ عليه برغم كل الحملات ضده، مع العلم بأنه تعرّض أيضاً لحملة واسعة عندما تضامن مع حي الشيخ جراح، ربيع العام 2022، وشكلت اللوبيات الصهيونية حملةً على وسائل التواصل تطالب الإدارة بفسخ عقده.

الانحياز الرياضي إلى الرواية الإسرائيلية في الأحداث الأخيرة، لم يقتصر على كرة القدم، وتعداها إلى رياضات أخرى فردية وجماعية. وأبرز محطات الانحياز هذا، قيام الاتحاد الدولي للألعاب المائية، بحذف صورة السبّاح المصري عبد الرحمن سامح (الهريدي)، من قائمة صور الأبطال المتوّجين في بطولة العالم للسباحة المقامة في اليونان على مواقع الاتحاد، بسبب إعلانه تعاطفه مع غزة وأهلها، ورفضه الاحتفال بذهبية سباق الـ50 متراً فراشةً.

الحملة ضد سامح، لم تتوقّف عند هذا الحدّ، إذ تقدّم الاتحاد الإسرائيلي للسباحة بشكوى ضد السبّاح المصري بسبب تضامنه مع غزة، وواجه أيضاً حملةً واسعةً على وسائل التواصل، تعرّض خلالها للشتائم والإهانات، كما تمّ تهديده بالقتل أكثر من مرة بحسب ما صرّح به سامح.

ومن بين مواقف الأبطال العرب، برز موقف نجمة التنس العالمية أنس جابر، وصيفة بطولة ويمبلدون الأخيرة، والمعروفة في بلادها بلقب "وزيرة السعادة"، إذ كتبت على حسابها على إنستغرام: "أوقفوا العنف… الحرية لفلسطين…". هذه الجملة البسيطة أشعلت حملة كراهية واسعةً ضد اللاعبة على مواقع التواصل، وطلب الاتحاد الإسرائيلي للتنس من الاتحاد الدولي للّعبة، معاقبة جابر بتهمة التحريض والوقوف إلى جانب منظمة إرهابية وفاشية!


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard