شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"اليد الخضراء"… حين يتحول قطاف الزعتر والعكّوب إلى فعل مقاومة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والحقيقة

الجمعة 20 أكتوبر 202312:38 م

في الشام لا نشرب الشاي بالميرمية، ولا نصنع فطائر الزعتر الأخضر، ولا نعرف كيف ننظف العكّوب أو نطبخه، ولكن هذه العادات التي تشكل جزءاً من الثقافة الفلسطينية لم تعد غريبةً عنا منذ أن تعرفنا إليها في بيوت أصدقائنا الفلسطينيين حتى أصبحت بيوتنا واحدةً ومطابخنا كذلك، حيث تتقاطع الكثير من الشخصيات التي كانت جزءاً محورياً من حياتنا الخاصة مع شخصيات الفيلم التسجيلي الروائي "اليد الخضراء" (2022)، للمخرجة الفلسطينية جمانة مناع، الذي عُرض مؤخراً على منصة "قافلة بين سينمائيات"، وحاز على جائزة النقاد للأفلام العربية من مهرجان كان السينمائي ضمن فعاليات الدورة 76.

بعد لقطة بانورامية مصوّرة بواسطة الدرون تكشف تضاريس جبليةً مكسوةً بالأخضر، ننتقل إلى لقطة أضيق نشاهد فيها شخصاً يختبئ بين الأحراش، ويراقب جنديَين من الدورية الإسرائيلية، وما أن يبتعدا حتى يقترب من سيارتهما حاملاً سكيناً ويقوم بتنفيس دواليبها الأربعة. لحظة تخطف الأنفاس، وكأننا على وشك أن نكون شهوداً على عملية فدائية. إنها بالفعل عملية فدائية لكن غريبة بعض الشيء ومختلفة عما نعرفه نحن الذين لا نعلم إلا القليل عما يجري في الداخل الفلسطيني.

تظهر فلسطين في الفيلم جنّةً خضراء، لا مساحات صحراويةً ولا كتل من الأبنية العشوائية الأسمنتية الرمادية تفصل بينها الحارات الضيقة كتلك التي اعتدنا رؤيتها في المخيمات. صورة فلسطين هنا مختلفة تماماً.

تظهر فلسطين في الفيلم جنّةً خضراء، لا مساحات صحراويةً ولا كتل من الأبنية العشوائية الأسمنتية الرمادية تفصل بينها الحارات الضيقة كتلك التي اعتدنا رؤيتها في المخيمات. صورة فلسطين هنا مختلفة تماماً

لكن الشخصيات تتحرك في هذا الفضاء الأخضر الرحب بحذر بالغ خشية رصدها من دورية سلطة حماية الطبيعة الإسرائيلية، فقط لتقطف بعض الأعشاب الصالحة للطهي كالزعتر والعكوب والميرمية والحمّيض. لم أصدّق فرضية الفيلم بدايةً، لكن المادة الأرشيفية المستخدمة التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي أكدت بالفعل حقيقة ما يجري حيث تحاور المذيعة عدداً من التجار الإسرائيليين ممن يعملون في بيع الزعتر وتصديره عادّين هذه النبتة رمزاً صهيونياً وفخراً وطنياً ومن رموز دولة إسرائيل.

ومع البحث عن حقيقة ما يجري، يتبين وجود قوانين أصدرتها إسرائيل عام 1977، تمنع قطاف الزعتر والعكّوب وبعض النباتات الأخرى بحجة حماية الطبيعة ومنع النبات من الانقراض، ولكنها قوانين لا تسري إلا على الفلسطينيين في محاولة لمحو هويتهم. فـ"بين العامين 2004 و2016، بتّت المحاكم في 61 قضيّةً تتداول العكّوب والزعتر، منها 40 قضيّةً تتداول قطف الزعتر أو حيازته، و21 قضيّةً تتداول قطف العكّوب أو حيازته". هذا القانون "لا يرتكز على أسس علمية مثبتة ومتينة هدفها حماية البيئة والنبات، بل هو وسيلة قانونية تُستخدم بنحو واسع لمخالفة الإنسان الفلسطيني وتجريم علاقته بالطبيعة والأرض"؛ كما يذكر المحامي ربيع أغبارية.

وهكذا نرافق الشخصيات، ومجملها من الجيل الأكبر، في عملياتها الفدائية الصغيرة للقطاف. وهي شخصيات متصلة بروابط عائلية مع المخرجة، فنشاهد عزيزة وزوجها عادل منّاع، والدَي جمانة، يتغلغلان في حرش يصعب الوصول إليه ليعودا بسلّتين محمّلتين بنباتات مختلفة.

جمانة مناع

النسوة العجائز، وهن ينظّفن العكوب ويتحدثن عن صعوبة الحصول عليه، نشاهدهنّ لاحقاً في المطبخ نفسه في مشهد غداء عائلي في بيت أخت عزيزة.

زيدان، أحد الأقارب، يسكن وحيداً مع كلابه في ما تبقى من بيت العائلة. تتحرك الكاميرا لترصده وهو يصعد تلةً متسلحاً بسكين وكيس نايلون. علاقته بكلابه تبدو وطيدةً كعلاقته بالأرض التي يحفظ تضاريسها. فحين تُوقفه الدورية الإسرائيلية، وتجبره على التخلص من غلّته من العكّوب، وتحرر له مخالفةً قدرها 720 شيكلاً، أي ما يعادل 180 دولاراً تقريباً، يتمكن زيدان من العودة ليلاً إلى المكان نفسه ليلمّ ما قطفه نهاراً. كيف لا وقد أوصته شقيقة عزيزة أن يحضر القليل من العكّوب.

تتعامل الشخصيات مع العكّوب، وكأنه مادة مهرّبة خطيرة، وعلى الجميع التزوّد بقليل مما تمنحه الطبيعة قبل أن ينتهي موسم الربيع.

المحاكمات مكتوبة خصيصاً للفيلم، وتحمل طابعاً مرحاً بعض الشيء، لكنها تكشف عن حقيقة الكارثة وطبيعة الضغط الممارس على الفلسطينيين لإجبارهم على التخلي عن أبسط عادات حياتهم اليومية وعلاقتهم بالأرض ومكونات ثقافتهم الغذائية. التهمة هي دائماً: لقد وجدناك تحمل سكيناً ويداك ملوثتان باللون الأخضر، فتردّ الشخصيات على المحقق بطريقة منطقية تحمل بعض الطرافة. يصرّ أحدهم على أن كمية العكوب الكبيرة التي صودرت منه لم يكن الهدف منها تجارياً، فعائلته كبيرة ومكونة من سبعة أفراد، ولذلك فهو يطعمهم العكّوب كل يوم.

لقطة من فيلم "اليد الخضراء"

شخصية أخرى تعترض أمام المحقق قائلةً: لطالما كنتم تراقبونني منذ البداية، فلم انتظرتم إلى آخر النهار لتلقوا القبض عليّ؟ لم جعلتموني أتعب كل هذا التعب في أثناء القطاف ولم لم تعتقلوني منذ البداية؟ آخر يقول إنه يعرف أن قطاف الزعتر والعكوب ممنوع على الفلسطينيين، ويضيف بسخرية أنه مسموح للإسرائيليين.

الرد الحاسم يأتي من آخر شخصية في المحاكمة، حيث يقول إن أجداده كانوا يقطفون الزعتر والعكوب، وإنه لا يعترف بالقوانين العنصرية ولا يبالي بقانون المنع، فالأرض أرضه وأرض أجداده وليست أرض المحتل وكذلك النباتات التي تنبت فيها، ويعترف بأنه تم القبض عليه مرات عدة في أعوام سابقة، ولكنه سيواصل ما يفعل مع أبنائه وأحفاده حتى لو في العام 2050.

الفيلم بمجمله حسّي جداً، نستطيع أن نشمّ روائح الأرض والمطر ورائحة كلاب زيدان فيه، ونحسّ ببرودة مياه بحيرة طبريا التي تسبح فيها عزيزة وعادل

لا أحد من الفلسطينيين يقطف النبتة مع جذرها، على عكس مزاعم سلطة الطبيعة. إنهم يتركون الجذر كي تعود النبتة للنمو في العام التالي، تماماً كجذورهم الباقية في الأرض.

لعبة مطاردة مستمرة بين القاطفين وسلطة حماية الطبيعة في حقل واسع، وما أن يلمحوا الدورية حتى يختفوا بين الأعشاب الطويلة، وكأنهم لم يكونوا هنا. إحدى هذه المطاردات موثقة بكاميرا موبايل حيث يحرر الحراس مخالفةً للقاطفين، ويتصورون السيلفي مع الأدلة الجنائية وهي الأكياس الخاصة بجمع النباتات.

لقطة من فيلم "اليد الخضراء"

في المقابل، ينشئ الطرف الإسرائيلي مزارع كاملةً لزراعة العكوب على مساحات واسعة من الأراضي لبيعه إلى الفلسطينيين في تجارة مربحة، فهم يستطيعون دفع التأمين الباهظ على الأراضي والمحاصيل على خلاف الفلسطينيين الذين لم يستطيعوا زراعته والاستثمار في تجارته.

تندفع الذكريات إلى السطح في المشهد الأخير المأخوذ بلقطة مصوّرة من الدرون تماماً كبداية الفيلم؛ زيدان مع كلابه في باحة الدار تهبط إليه أخت عزيزة برفقة صديقتها لتأخذا العكوب منه. بالكاد نراهم من هذا الارتفاع الشاهق ولا نسمع سوى صوتيهما تتذكران الشجرة التي علّقتا عليها حبلاً لتصنعا أرجوحةً حين كانتا مجرد طفلتين، والدار لم تتحول بعد إلى خراب.

الفيلم بمجمله حسّي جداً، نستطيع أن نشمّ روائح الأرض والمطر ورائحة كلاب زيدان فيه، ونحسّ ببرودة مياه بحيرة طبريا التي تسبح فيها عزيزة وعادل. مناظر طبيعية تسلب الأنفاس في منطقة جبال القدس والجليل وهضبة الجولان. قريبة ولكننا لا نستطيع الوصول إليها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard