شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
تقصف الطائرات غزة... فتسقطنا ضحايا في جميع أنحاء العالم

تقصف الطائرات غزة... فتسقطنا ضحايا في جميع أنحاء العالم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الأربعاء 11 أكتوبر 202301:31 م
Read in English:

Planes bomb Gaza.. and we fall victims around the world



لا يختلف الأمر كثيراً، بل ربما لا يختلف أصلاً. الأخبار، أصوات القصف، بكاء الأطفال، الشوارع المدمّرة، هزهزات البيت، نداءات الخوف، كلها نفسها. الفرق الوحيد أنّ يدي غير قادرة على لمس وجه أمي وأبي وأخوتي، رغم أن قدميي لم تتوقفا لحظة واحدة منذ بدء القصف عن المشي إليهم. هذا ما كان يحدث معي دائماً مع كلّ عدوانٍ على غزة منذ خرجت منها، وهذا ما يحدث أيضاً منذ السابع من أكتوبر وحتى لحظة الكتابة، وكأن الحرب تأخذني من يدي، تعبر بي الحدود والمعابر، المطارات والسُفن، الدول والاحتلال، وتُلقي بي في صالون بيتنا في غزة، دون حولٍ لي ولا قوة.

الحياة التي وقفت

أكثر من 1165 كيلو متر تفصل بين غزة وإسطنبول، لم تكن كافية حتى تردّ غبار الحرب عني. فمنذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها طائرات الاحتلال بقصف قطاع غزة، وحياتي مشلولة تماماً، وكأنني ما زلتُ هناك، أجلس مع أهلي في صالة البيت، بينما أصوات القصف ترجرج المنزل يمنةً ويُسرى. يدي غير قادرة على ترك الهاتف، وعيني تُحارب النوم بكلّ شراسة فتنتصر، ولكن شاشة التلفاز تهزمها، فلا تتوقف عن التسمّر أمامها حتى ساعات الصباح الأولى. تتحوّل الأيام في رأسي إلى أرقام، وأستمرّ في العد، وصلتُ حتى الآن إلى رقم "4" وما زلتُ غير قادرٍ على التوقف، ليس لأنني لا أريد، ولكن لأنني لا أستطيع.

هذا ما يحدث معي دائماً مع كلّ عدوانٍ على غزة منذ خرجت منها، وهذا ما يحدث أيضاً منذ السابع من أكتوبر وحتى لحظة الكتابة، وكأن الحرب تأخذني من يدي، تعبر بي الحدود والمعابر، المطارات والسُفن، الدول والاحتلال، وتُلقي بي في صالون بيتنا في غزة، دون حولٍ لي ولا قوة

أخرجُ في الصباح إلى العمل كروبوت آلي يتحرّك ببرمجيات محدّدة، يعرف الطريق جيداً ولا يعرف الطريقة. يتحدّث إلي الأصدقاء، يسألونني عن الأهل والأصحاب هناك، وجملة واحدة تتكرّر دون إدراك: "الحمد لله بخير"، رغم أنني أعرف أنهم ليسوا كذلك، ولكن ماذا أقول؟ كيف أصف لشخص ما -أي شخص- أن أهلي ليسوا بخير رغم أنهم بخير؟

يُطلب مني مهام جديدة في العمل، أنفّذها واضعاً الشرق في الغرب، والغرب في الجنوب، ولأن في الجنوب أهلي، تسقط في كتاباتي مفردات "حرب، قصف، استشهاد" دون دراية. يمضي الوقت، أسلّم يوماً إلى آخر، وأظلّ أتساءل: من أين أتى كل هذا الخوف؟ ولا أعرف غير أنني لو كنتُ هناك لما كنتُ خائفاً بهذا القدر.

لو كنت هناك

أتصلُ على أهلي عشرات المرات في اليوم، تقول أمي في كلّ مرة: "إحنا بخير، تقلقش علينا، والله الأمور رايقة عنا". تعيد جملتها مرّة واثنتين وعشر كل يوم دون ملل. تحثّني على أن أذهب إلى العمل، أن أستكمل لوحة حياتي رغم أنني لا أمتلك ألوان. تعرف أمي أن لا ألوان معي ولكنها تُحاول تجاوز ذلك. وأنا، أقف متسمّراً في الشارع، على شباك غرفتي، أمام مكتبي، متمنياً لو أنني هناك، أجلسُ مع أمي على سفرة واحدة ينقصها الكثير، وأحدثها عن احتماليات انتهاء الحرب، ولكن ذلك لا يحدث.

لو كنتُ هناك، لما اختلف الأمر كثيراً. ذاته الشعور بالعجز، وذاتها الرغبة الملحّة في عدم القيام بأي شيء، وذاتها الأرقام ترتفع دون توقف على شاشة التلفاز، وهي هي الأصوات تتصاعد باستمرار داخل رأسي. تقصف الطائرات حي الرمال في غزة، شارع جلال وشارع المحطة في خانيونس، حي الشابورة في رفح، ولا أتوقف عن كوني هناك، فأذهب لأرى الأماكن وهي تودعني للمرة الأخيرة، وأودّع معها ليالي طويلة قضيتها مع الأصدقاء هناك، شربنا فيها القهوة وشتمنا الساسة، وألقينا على بعضنا مقاطع من قصيدة "مديح الظل العالي" لمحمود درويش.

كمْ كُنْتَ وحدك يا ابن أُمِّي، يا ابنَ أكثر من أبٍ، كم كُنْتَ وحدكْ
كم كنت وحدك يا ابن أمي

لم أكن وحدي من قبل مثلما أنا وحدي منذ السابع من أكتوبر، وكأن كلّ الأماكن والأصدقاء والذكريات خرجوا من الباب دون عودة، وكأن الأشياء فقدت قيمتها، فأصبح حضورها لا يفرق عن غيابها شيئاً. أحاول أن أتجنّب ذلك يومياً، فلا يتوقف هاتفي عن الإرسال إلى الأصدقاء والصديقات في البلاد، أكتب لهم كلاماً معتاداً كان يُوجّه لي قديماً، من قبيل: "طمني عليك"، "كيف الأهل"، "الضربة قريبة منكم؟"، وجملٌ أخرى كثيرة، أختمها كلها بجملة: "دير بالك على حالك"، ولا أعرف كيف سيدير باله من يجلس أسفل طائرة حربية تعتبره "بنك أهداف".

لا أجد كلمات مُناسبة أردّ بها عندما يخبرني أحدهم أنه خائف أو أن القصف قريب، ولا أدري كيف أواسي من فقد منهم أخاً أو أماً أو بيتاً. أنا الذي كتبتُ أربعة كُتب وعشرات المقالات، أجدُ نفسي عاجزاً عن قول كلمة واحدة تشدّ أزرهم وتجعلهم أقوى، فماذا تنفع الكلمات عند سقوط الصواريخ؟ وهل تواسي من فقد أيّ شيء مهما كان صغيراً؟ لا تردّ الكلمات غائباً فلا تعيد أماً ولا أباً ولا أخاً ولا ابناً ولا تبني بيتاً.

استرداد الأحلام

أعرف الحرب جيداً، عشتها مرات عديدة حتى بتُّ قادراً على التميز بين أنواع القصف ومدى بُعده، وأصبحتُ مدركاً تماماً للأحلام التي تُغيّر الطائرات ملامحها وتحملها بعيداً، والأحاديث التي تضيفها الحرب في الجلسات العائلية والمكالمات الهاتفية مع الأصدقاء البعيدين. اعتدتُ دائماً أن أكون الطرف الأول، ذلك الذي يعايش هذه التغيرات لذلك لم ألحظها أبداً، ولكنني الآن ألحظها وأدركها تماماً، أراها في خوف الأهل والأصدقاء، في تغيّر نبرات صوتهم، في أحاديثهم وأحلامهم الجديدة التي لم يفكروا فيها أبداً إلا بعدما جاءت الحرب.

لا تسترد أحلام ما قبل الحرب في الحرب أو بعدها، تتحول إلى أحلام أخرى بتفاصيل مُختلفة تماماً، تبدو غريبة وموحشة وتحتاج إلى فهم آخر. كما تتبدّل الأحلام أكثر من مرة خلال الحرب. ألحظ ذلك يومياً في حديث الأصدقاء المتواجدين في غزة، مع كلّ هزة وخوف، وكل بيت جديد ينزحون إليه. يحاولون تجنّب ذلك، فيقفزون عن أحلامهم محاولين السؤال عن أحلامي، ولا يلحظون أن أحلامي أيضاً مثل أحلامهم... تغيّرت مرة واحدة وإلى الأبد.

لا أجد كلمات مُناسبة أردّ بها عندما يخبرني أحدهم أنه خائف أو أن القصف قريب، ولا أدري كيف أواسي من فقد منهم أخاً أو أماً أو بيتاً. أنا الذي كتبتُ أربعة كتب وعشرات المقالات، أجد نفسي عاجزاً عن قول كلمة واحدة تشدّ أزرهم وتجعلهم أقوى، فماذا تنفع الكلمات عند سقوط الصواريخ؟

عبء السؤال

لم أدرك من قبل أن قول "مرحبا، كيفك"، يُمكن أن يصبح عبئاً على قائله. كنتُ دائماً أرى أن العبء يقع على الذي يستقبِل وليس على المُرسل، ولكن هذه الحرب نفضت مفاهيمي. ولم أعد أدري، أيّ خجلٍ هذا الذي يعتريني وأنا أسأل أشخاصاً يجلسون أسفل الصواريخ وإلى جانبها ومعها: كيف حالكم؟ لا أدري، كيف ومتى تسلل إليّ هذا الخجل وكأن البُعد عن البلاد أصبح عبئاً لا يُمكن احتماله، وخجلاً لا يُمكن مداراته، كأن النجاة التي سعيت إليها يوماً ما وظننت أنني حصلت عليها، ليست نجاة بالضبط، بل شيء آخر لا يُمكن توصيفه إلا بجملة: نجاة ليست نجاة.

غزة معي

لم يختلف الأمر كثيراً، بل ربما لم يختلف أصلاً. فما زلتُ بعد سنتين من مغادرة قطاع غزة، أسمع صوت الصواريخ تسقط بجواري، وأشعر باهتزاز المنزل مع كلّ قصف، وأجلس في الغرفة غير قادر على فعل أيّ شيء غير مُتابعة الأخبار، وأوصي أخوتي بعدم الخروج من باب المنزل وعدم الجلوس في البلكون، وأضع هاتفي على الشاحن مستغلاً الوجود المؤقت للكهرباء. لم يختلف الأمر أبداً، خرجتُ من غزة ولكنها لم تخرج مني... ولن تخرج.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهة. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard