شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
خلف

خلف "نعناع الجنينة"… عوالم فنّ الكف الصعيدي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الاثنين 13 نوفمبر 202310:56 ص

في عام 2000، أصدر الفنان المصري محمد منير، ألبومه "في عشق البنات"، ضمّ 10 أغنيات، كانت من بينها 3 أغنيات تُقدَّم للمرة الثانية بعدما غنّاها مطربون آخرون، هي: "أنا بعشق البحر" لنجاة الصغيرة، و"يا طير يا طاير" وهي أغنية تراثية، والأغنية الأشهر والأكثر ارتباطاً بمخيلاتنا: "في عشق البنات"، والتي حفظها البعض بكلمات مغايرة تماماً لحقيقتها، فالموسيقى والحماسة النابعتان من صوت "الكفوف" الممزوج بصوت الدف خلقتا لها مكانةً خاصةً.

لم يكن أي منا يهتم بما إذا كان ما يقوله منير "نعناع الجنينة المسك في حيطانه"، أو "نعناع الجنينة المسقي في حيضانه". المهم أن هناك نعناعاً وجنينةً، ولم يلتفت أي من محبّي منير في العاصمة البعيدة عن أسوان الواقعة في جنوب مصر، أو غيرها من المحافظات، إلى كون أغنيته الجديدة قطعةً فنيةً مُستخلصةً من فنّ الكف، كتبها الشاعر عبده أبو حديدة، المولود في قرية شاترمة، وهي إحدى قُرى عرب العُقيلات في النوبة. استطاع منير بذكاء شديد أن يفرض لوناً غنائياً خاصاً بالقبائل العربية في الصعيد على مسامع الشباب في جلّ مناطق مصر.

تاريخ المبارزات الكلامية في الشعر العربي

تحوّل الشعر العربي في بعض الأحيان إلى ساحة للمبارزة الكلامية، ولمع بعض محترفي هذا اللون حتى عصرنا الحديث، وارتبطت أسماء الخصوم، فلم تعد تُذكر إلا مقترنةً ببعضها، فلا نعرف جريراً دون الفرزدق، وكانت لنقائضهما في العصر الأموي شهرة واسعة، فشغلت الناس وملأت أوقات فراغهم وحفظوها ورددوها.

انتشر فن الكف في الجنوب المصري، خاصةً في محافظتَي أسوان وقنا، ويرجح أن أسوان هي المنشأ الرئيس لهذا الفن في مصر

لم تكن النقائض وليدة العصر الأموي، إذ كانت ولادتها ما قبل الإسلام للتفاخر بالأنساب والتقليل من شأن الخصم. تقول آية خلف، الباحثة في الأدب العربي في كلية الآداب في جامعة الإسكندرية، إن المبارزات الكلامية تظهر في التراث العربي القديم في شكل النقائض الشعرية، وهو مصطلح أدبي وجد طريقه في العصر الأموي، وتحديداً على يد ثلاثة من الشعراء المعروفين، هم جرير والفرزدق والأخطل.

وأضافت خلف في حديثها إلى رصيف22، أن هذا اللون من الشعر كان يعتمد على نقض كلّ من الطرفين لشعر الآخر، ليُظهر عكس ما يقوله الخصم أو يدحض قوله، فكانت أشبه بالمناظرة الشعرية التي تتضمن الجدال وتقديم الحجج، موضحةً أن النقائض تُعدّ تطوراً للهجاء القبلي أيام الجاهلية، فهي تنشر مثالب الخصم وعائلته وقد يمتد الأمر إلى قبيلته، وهو ما حفظ لنا تاريخ شعرائها وصفاتهم، فيما وجدت البيئةَ الخصبة في العصر الأموي لتشابهه مع العصر الجاهلي في التفاخر بالأنساب وتطور فن الحوار، والسعي إلى التسلية لملء أوقات الفراغ ورغبة الشاعر في إظهار مهاراته في الشعر والسخرية من خصمه.

الكفّ في مصر

في عصر انتشار الإسلام، وصل عمرو بن العاص إلى مصر في عام 641 م/20 هـ, على رأس جيش مؤلَّف من قبائل عدة من بينها قبائل انتهت إلى الاستقرار في جنوب مصر، ولأن الشعر هو فن العرب الأول ويكاد يكون الوحيد وقتها، أتت هذه القبائل بفنون الشعر العربي لتصبغها بصبغة مصرية صعيدية ليولد عنها فنون النميم والواو والكف.

الشاعر فيصل الموصلي الباحث في التراث الثقافي غير المادي والمتخصص في تاريخ فن النميم، يعيد في حديثه لرصيف22 أصول فنّ الكف إلى الجزيرة العربية، ويفصل في تحديد الفوارق بين ثلاث قبائل صعيدية اشتهرت بهذا الفن "لكل قبيلة من القبائل الثلاثة طريقةً في تقديم فنّ الكف، فالعقيلات والعبابدة تعتمدان على الطنبور، بينما الجعافرة* (العرب) لا تستخدمها.

انتشر فن الكف في الجنوب المصري، خاصةً في محافظتَي أسوان وقنا، وتُعدّ أسوان هي المنشأ الرئيس لهذا الفن في مصر، حسب الموصلي، الذي يضيف أن الكف يعتمد على الكلمة في المقام الأول، وكانت الطبلة هي الآلة الوحيدة المُلازمة لفنان الكف، ثم انضم العود إليها، وبحسب الموصلي فإن الشكل المعروف لبدء الحفل يكون بالتفاف مجموعة من الشباب يُطلَق عليهم "الكفّافة"، ويكون عددهم من 7 إلى 10 أشخاص في نصف دائرة، ويلقون على المغنّي ما يُسمّى بـ"الخانة"، وتعني رأس الموضوع المراد الحديث عنه.

الثقافة الواسعة، سرعة البديهة والحفظ والحصيلة اللغوية الكبيرة، سمات أساسية في فنان الكف، ليتمكن من ارتجال الأبيات الشعرية بناءً على الخانة التي يحددها الكفافة والقالب الموسيقي المفروض منهم. يضرب الباحث فيصل الموصلي، مثالاً على ما يدور في الكف، فيقول إن الكفاف يبدأ بخانة مثل: "أبو زيد لما غرَّبْ مين أراه؟"، وهنا يوجه الكفّاف سؤالاً إلى المطرب عن وجهة أبي زيد الهلالي ناحية الغرب، ولا بد أن تكون للمطرب دراية بما يقصده الكفّاف ليردّ عليه من خلال أبياته.

ويذكر الموصلي مثالاً آخر لقطبَي فن الكف في أسوان، هما الفنان الراحل رشاد عبد العال، والفنان محمد أبو درويش، بدأها الكفّافة بخانة تقول: "أنا سِبْتَكْ وعارِف ما ليك بَديل"، ليتبارى كلّ منهما في القول على هذه الخانة، فقال رشاد عبد العال:

"غصب عني فرقتي تمت

كنتش ناوي أسيبك حتى أموت

لكن مقادير الحياة حتمت

أنا سِبْتَكْ وعارِف ما ليك بَديل".

وجاء الرد من الفنان أبو درويش:

"إنت الزول الكنت أحبُّه وأريدُه

يا بستان بتحييني ورودُه

مين جالُه قضاؤه ورَدُّه

أنا سِبْتَكْ وعارِف ما ليك بَديل".


المبارزات الكلامية في الكف

ظهرت المبارزات الكلامية حديثاً في أشكال متعددة، ففي فن الكف جاءت على شكل هجاء تارةً وبمحاصرة الخصم في موضوع لا يعرف عنه الكثير تارةً أخرى. في لقاء تلفزيوني، شرح الفنان الأسواني أحمد أبو قادووس، أن الكفّاف إذا اختصم فنانَ ارتجالٍ، يضع له خانةً في موضوع لا يجيد الفنان معرفتها، ما يُظهره في صورة الضعيف، واصفاً ذلك بالعادة السيئة.

يشغل الافتخار بالنسب والقرية أو القبيلة جزءاً من المبارزات الكلامية في الكف.

بين الغزل والحماسة أو الهجاء وغيرها من أغراض الشعر العربي، تتألف أبيات الخانات، ويوضح فيصل الموصلي أنه برغم قيام الكف على المبارزات الكلامية في كثير من الأحيان، إلا أنه في الأساس فنّ للصفات الإنسانية الراقية كالصدق والكرم والشهامة وغيرها، واستطاع الكفّ أن يُذيب الخصومة في بعض الأحيان. مثالاً على ذلك، كانت هناك خصومة بين شقيقين نزلت خانة في العُرس كانت سبباً في صلحهما، كذلك في قضايا الثأر التي تعرّض لها الكف، مضيفاً أنه فن يعتمد على الكلمة أكثر من الرقص الاستعراضي.

يروي أحمد صلاح (45 سنةً)، وهو أحد أبناء قرية "فارس البلد"، كوم أمبو في أسوان، قصته مع فن الكف. يقول إنه مُحبّ للفن منذ 31 عاماً، ويُفرّق بين الكفّاف الذي يضع الخانة وفنان الارتجال أي مُطرب الكف الذي يرتجل بناءً على الخانة، ويوضح لرصيف22، شكل المبارزات الكلامية فيه بأن يصنع الكفّافة ما يُشبه التحدي بين اثنين من الفنانين لمعرفة أيهما قادر على الارتجال في موضوع ما أكثر من غريمه.

يشرح الفنان الأسواني أحمد أبو قادووس، أن الكفّاف إذا اختصم فنان ارتجال يضع له خانةً في موضوع لا يجيد الفنان معرفتها، ما يُظهره في صورة الضعيف، واصفاً ذلك بالعادة السيئة

يشغل الافتخار بالنسب والقرية أو القبيلة جزءاً من المبارزات الكلامية في الكف. يقول صلاح لرصيف22 إن أغنيةً مثل "نعناع الجنينة"، لها تيمة معروفة يرتجل عليها كل فنان حسب الموضوع، مضيفاً أنه إذا ارتجل عليها فخراً بقريته يقول: "يا خولي الجنينة كن للجنينة حارس... واحترس السبوع ليكون السبع كارس... لو عاوز رجال عدي البحور لفارس... تشوف بعينك إحنا الرجال عندينا نعناع الجنينة".

وأضاف أنه في حالة تواجد اثنين من فناني الارتجال، أحدهما أقلّ شأناً من الآخر، يضع الكفّاف خانةَ تحدٍّ مثل "عيل بتجالس الكبار ليه؟"، ضارباً مثالاً على ذلك بقوله إن الفارسي -ابن قرية فارس- إذا ارتجل على هذا يقول: "أنا فارسي ومشهور بفارسنتي... وبعرف كيف اصطاد فارسنتي... كلك على بعضك فورسنتي... عيل بتجالس الكبار ليه؟"، ويقصد بها أنه أصغر منه في القيمة.

الارتجال والمفاجأة

ورث ياسر رشاد عبد العال الموهبةَ عن والده الراحل فنان الكف الأشهر رشاد عبد العال، فبدأ بممارسة فن الكف قبل 30 عاماً، وشجعه الأب على ذلك لما رآه فيه من موهبة. يتفق ياسر في حديثه إلى رصيف22، مع فيصل الموصلي في توصيف فن الكف بكونه فنّاً أسوانياً نابعاً من القبائل العربية الموجودة في الجنوب، لم يعد يقتصر على أسوان فقط، فانتقل إلى قنا والبحر الأحمر، وغيرهما.

يُحدد الكفّافة إيقاعاً محدداً للمطرب بين مقسوم أو ملفوف مُعتمدين على كفوفهم. يقول عبد العال لرصيف22، إن مُطرب الكف يكون في حالة تحدٍّ طوال الوقت، فهو لا يُجهّز أغنياته أو يعرف ما سيقوله في الحفل، موضحاً أنه كلما كان أكثر ثقافةً ودرايةً بما حوله تمكّن من ارتجال الأشعار أياً كانت الخانة المفروضة عليه من قبل الكفّافة.

كان الشعر المثلوث قديماً "المكون من 3 شطرات"، هو عماد فن الكف، وفي السبعينيات دخل الرباعي والخماسي وحتى الثُماني الذي يتميز بعدم اعتماده على لحن محدد، فيتمكن الكفّافة من نظم الخانة على لحن أغنية شهيرة، حسب عبد العال، فلم يعد يقتصر الأمر على قالب موسيقي ثابت كما كان سابقاً، موضحاً أن الكف ما زال العملة الرابحة في ليالي "الحنّة" (الليلة السابقة للعُرس)، في أسوان وغيرها من المناطق.

-------------------------------

(*) توجد قبيلتان تحملان اسم الجعافرة في صعيد مصر، واحدة منهما تنتمي إلى جعفر الطائر أو الطيار (جعفر بن أبي طالب)، وهي من بطون العرب في صعيد مصر، والثانية وهي المنتشرة في أسوان هم الجعافرة الأشراف وينتهون في نسبهم إلى الإمام جعفر الصادق 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard