شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
كل ما تريد أن تعرفه عن مظاهرات درنة الغاضبة في أعقاب الفيضان

كل ما تريد أن تعرفه عن مظاهرات درنة الغاضبة في أعقاب الفيضان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

"اللي سارق واللي خان، يتشنق في الميدان"،

"يا عميد البلدية... درنة ما درت شوية"؛

بهذين الهتافين وغيرهما، ارتفعت أصوات من بقي على قيد الحياة من أهالي مدينة درنة، من أعلى أسوار مسجد الصحابة الذي تظاهروا أمامه طوال يوم أمس، مطالبين بمحاسبة كل من كانت له يد في ما أصابهم ليلة العاشر من أيلول/ سبتمبر الجاري، حين دمّر إعصار دانيال مدن شرق ليبيا، وكان لدرنة النصيب الأكبر من ذلك الدمار.

هل المسؤولون بفسادهم وإهمالهم هم قتلة أهالي درنة الحقيقيون؟

السد القاتل

حين تتضارب تصريحات المسؤولين وقت الكوارث، وتتباين تحذيراتهم إبان الفاجعة، يتيه الشعب ولا يعرف أي المسارات يسلك، ولا كيف يحتاط لحماية نفسه وأهله وماله.

وهذا هو ما حدث على وجه التحديد في مدينة درنة الليبية، في العاشر من أيلول/ سبتمبر الجاري، حين استعد سكانها لقضاء يوم اعتيادي يرتفع فيه منسوب المياه جرّاء هطول الأمطار الناجمة عن المنخفض الجوّي الذي انطلق من غرب السواحل الليبية. لم يدرك أهالي المدينة أنهم مقبولون على كارثة، نتيجةً لتطمينات زائفة صدرت لهم من مسؤولي المدينة، جعلتهم غير مدركين حقيقة ما سيواجهون في تلك الليلة وما هي أفضل التدابير التي يجب اتخاذها لمواجهة حالة الطقس الاستثنائية.

لكن المياه التي ارتفع منسوبها في درنة، لم تكن المسؤول الأول عن وفاة أكثر من 11 ألفاً من سكان المدينة وفقدان أكثر من 10 آلاف آخرين غير معروف مصيرهم حتى الآن.

السبب الحقيقي لتلك الفاجعة، كان انهيار سد وادي درنة نتيجة ضعف أساساته التي أمام المياه المنهمرة، ما تسبّب في طوفان أطاح بالمدينة وأهلها.

هل استعدّت بلدية درنة للكارثة؟

عقب الانفجار وانهيار المدينة التي انقطع أهلها عن العالم لأكثر من 48 ساعةً، بقي الناجون يحكون حقيقة ما حدث، وكيف كان المجلس البلدي فاعلاً باللا مسؤولية على حد قولهم؟

"لم يستجب أحد منهم لتحذيراتنا"؛ هكذا يستهل رئيس مجلس إدارة مؤسسة رؤية لأبحاث الفلك والطقس، عطية الحصادي، حديثه إلى رصيف22، ويقول: "تم بناء مدينة درنة على أطراف وادٍ يرتفع فيه منسوب المياه ويطال المدينة، الأمر الذي جعلنا نطالب بشدّة بضرورة إخلاء المنازل المتاخمة للوادي حفاظاً على حياة السكان وتجنّباً لأي أضرار متوقع حدوثها في المباني في تلك المنطقة جراء ارتفاع منسوب المياه، ولكنّ للأسف لم نجد دعماً لمطالبنا من قبل المجلس البلدي المسؤول عن سلامة المواطنين".

يستطرد الحصادي، قائلاً: "حتى عندما صدرت التحذيرات عبر سيارات جالت شوارع المدينة مطالبةً الناس بمغادرة منازلهم، لم تكن هناك خطّة إخلاء واضحة أو حلول بديلة. كانت العشوائية سيدة الموقف، وهذه كانت النتيجة".

ويضيف: "خلال الليلة التي حدثت فيها الكارثة توجّه إليّ العديد من الأصدقاء بالسؤال عما إذا كان السد سينهار وكانت إجابتي واضحةً بأنه في حالة انهياره ستُمحى درنة من على وجه البصيرة. حقيقةً لم يكن لدي أو لدى أحد في المدينة توقّع بانهيار السد، ولكننّا لطالما حذّرنا من الإهمال الذي تمارسه الجهات المختصة، وعلى رأسها البلديّة تجاه السد وترميمه".

يختتم الرجل المفجوع جراء فقدانه أفراداً من عائلته حديثه معنا قائلاً: "آخر عملية ترميم تم تنفيذها للسد كانت خلال عام 2008، ومنذ ذلك الوقت لم نرَ أي صيانة أو تطوير أو عمل على السد لأكثر من عشر سنوات وصولاً إلى الآن، برغم الميزانيات الضخمة التي تُرصد لهذا البند. إنّه الفساد، الفساد الذي قتل درنة وأهلها".

لماذا أحرق المتظاهرون منزل عميد بلدية درنة؟ وكيف نجا منهم؟

مسؤولية تملّص منها الجميع

الدماء السائلة والنفوس المفقودة، امتزجت بالغضب الشعبي الناجم عن شعور أهالي درنة بالخيبة جراء الفساد، فانطلقت المظاهرات العارمة للمطالبة بمحاسبة عميد بلدية درنة عبد المنعم الغيثي، الذي حمّله المتظاهرون المسؤولية الكبرى عما حدث لمدينتهم. بينما ارتفعت أصوات أخرى مطالبة بإقالة مجلس النواب بأعضائه كافة، وتحميلهم مسؤولية الإهمال أيضاً، ليرد عليهم عضو مجلس النواب سعيد المغيّب مصرّحاً: "مجلس النواب لم يقصّر وقدّم ما عليه، ويجب ألا نلوم الحكومة ولا البرلمان على ما حدث".

في جولة لرصيف22 على بعض المتظاهرين للوقوف على طبيعة المشهد والمطالب، يصف أحمد سعدون أحد شباب درنة مظاهرات اليوم قائلاً: "بدأنا بالتجمع بعد صلاة العصر في مسجد الصحابة بعد أن نسّقنا في ما بيننا لهذه الثورة بعدما طال الموت أحباءنا وأهالينا. بدأت الناس بالانضمام، وبدأت الأصوات تعلو وكان المطلب الأول والأساسي محاسبة عميد البلدية الذي نصّبه عقيلة صالح عميداً بالقوة، وهو ليس من أهل درنة، ولم يبالِ يوماً بدرنة وأهلها. مع استمرار الهتافات انقسمت الجموع والكل أصبح يطالب بمطالب مختلفة من إقالة البرلمان وطرد الحكومة إلى طرد حفتر، فتدخّلت قوى الأمن لفض المظاهرة، ولكن أصوات الهتاف وحرقة القلوب كانت أقوى وأشد".

يلتقط محمد (أحد الشباب المتظاهرين وطلب عدم ذكر اسمه)، طرف الحديث ويضيف: "حاولت قوات حفتر قمعنا لكنها عجزت، ثم اتجهنا إلى منزل عميد البلدية الذي فرّ هارباً من سيل الغضب الشعبي، فأحرقنا منزله معبّرين عن رفضنا لوجوده بيننا في مدينتنا التي بكيناها وبكتنا. خلال عملية الهجوم على منزله قابلتنا قوات حفتر بالقمع، ثم أصبحت تنفذ عمليات القبض العشوائية والبعض من رفاقي تم القبض عليهم. اليوم الصمت يسود المدينة، لقد بدأوا بتكميم الأفواه مثلما اعتادوا".

أما خولة عبد السلام، الناجية من الفيضانات والتي وثّقت كل ما مرّ بها وبأهلها خلال تلك الليلة، فتقول لرصيف22: "لقد عانت درنة خلال سنوات ما بعد الثورة من الإهمال الذي مارسته الحكومات المتتالية. تُركنا لمصيرنا خلال حرب الكرامة التي قادها حفتر ضد المدينة وأهلها، واليوم نُترك لمصيرنا في مواجهة قوى الطبيعة لتخطف حياة من تريد، وسط تهافت مجلس النواب لرصد ميزانية تبلغ ملياري دينار ليبي لإعادة الإعمار. أي إعمار ذاك الذي يتحدثون عنه، وأي حياة وقد فقدنا أعزّ وأغلى ما نملك؟".

حقن مخدّرة أم عقوبة ناجزة؟

قبيل أن تطلق المظاهرة العنان لأصواتها، باشر النائب العام إجراءاته بفتح تحقيق حول ما حدث ليلة العاشر من أيلول/ سبتمبر في خطوة ربما تخفف وطأة ما حدث.

ولكنّ يبقى السؤال: هل سيحاسَب من كانت له يد في هذا المصاب؟ أم أن بلداً لا يمكن الجزم بحقيقة من يحكمه تصعب فيه محاسبة المقصّر، حتى لو أودى التقصير هذا بحياة الآلاف؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard