شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
في كل فاجعة هناك

في كل فاجعة هناك "ابن آوى"... كيف استغل "المؤثرون" معاناة ضحايا زلزال الحوز؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحريات الشخصية

الأحد 17 سبتمبر 202302:31 م

صعبة هي ساعات الرحيل وقاسية هي لحظات وداع من قضوا نحبهم وهم أكثر من 2900 مواطن مغربي ليلة الجمعة 9 أيلول/سبتمبر الجاري. تعلق الأمر بزلزال لم يعش المغرب مثيلاً له في الشدّة خلال قرن من الزمن، ما جعل حوالي 50 ألف مبنى غير صالحة للسّكن، بين انهيارها الكلي أو الجزئي.

منذ الساعات الأولى انطلقت قوافل المساعدات المغربية من مختلف المدن في اتجاه المناطق المنكوبة، وعلى متنها مساعدات عينية. لكن مع توالي الأيام، اتضح أن بعض "المساعدات" خرجت عن نطاقها التضامني السليم، ووجّهت أصابع الاتهام هنا إلى ممارسات وسلوكيات قادها بعض صناع المحتوى ومشاهير الشبكات الاجتماعية.

اعتبر البعض هذه السلوكيات "تجارة في مآسي الناس" وآخرون اعتبروها "رقصا على آلام منكوبين ومواطنين عزل" قضوا في هذه الفاجعة. صور عديدة وفيديوهات تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي توثّق "تجاوزات" مؤثرين جعلوا من هشاشة المنكوبين "وسيلة للرفع من عدد المشاهدات"، دون احترام للمصاب الجلل، ولا قانون الصحافة، ولا ما يقتضيه حفظ الكرامة الإنسانية في الكوارث.

"أنا أصور إذن أنا متضامن"

وقف رصيف22 على مشاهد كثيرة ومحتويات رقمية بثها بعض من صناع المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اتخذت هذه المحتويات من توزيع المساعدات على المنكوبين موضوعاً للنشر قصد كسب نوع من التعاطف. صوّر أطفال وهم يتلقون هدايا وبعضاً من الحلويات والألبسة، بوجوه بارزة الملامح، بل تعدّى الأمر إلى تقبيل "مؤثرة" لشفاه صبيّة، وادعاء آخر أنه حدّث طفلة في موضوع الزواج، فضلاً عن مشاهد أخرى للسكان المتضررين اعتُبرت على أنها "لا تحترم حجم الكارثة" وأنها "إثارة رخيصة".

في هذا الصدد يقول عبد الحق صبري، الباحث المتخصص في الشبكات الاجتماعية، إن "عدداً من صناع المحتوى والمؤثرين حاولوا الركوب على الوضع عبر إقدامهم على تصوير أناس في وضعيات غير إنسانية، إذ أن الناجين في المناطق المنكوبة لا يزالون تحت الصدمة ولا يستوعبون هول هذه الفاجعة التي يعيشها المغرب لأول مرة بهذه القوة والعنف".

أضاف صبري في حديثه إلى رصيف22 أن "من بين الممارسات المرصودة في هذا الصدد تصوير الأطفال بملامح بارزة فضلاً عن تصوير عمليات منح الإعانات بطريقة مذلّة وحاطة بالكرامة الإنسانية ثم بثها على مواقع التواصل الاجتماعي".

صوّر أطفال وهم يتلقون هدايا وبعضاً من الحلويات والألبسة، بوجوه بارزة الملامح، بل تعدّى الأمر إلى تقبيل "مؤثرة" لشفاه صبيّة، وادعاء آخر أنه حدّث طفلة في موضوع الزواج

تأخر ردّ السلطة إلى أن قرّرت منع أي "أجنبي" عن المنطقة من الوصول إليها وتجميع المساعدات في مراكز منظمات رسميّة أو حاصلة على صفة "المنفعة العامّة"، وتحذير السلطات من استغلال الحادثة لنشر محتوى مسيئ إلى الناس، إلى جانب بيان للمجلس الوطني للصحافة يندّد فيه باستغلال صحة الصحافي، والتذكير بأنها مهنة ليست مفتوحة أمام الجميع.

أضاف صبري أن "هذه السلوكيات التي نحن بصدد الحديث عنها مرفوضة ووجب ألا نركز عليها بشكل كبير، في حين من الأجدر أن نتعامل معها كسلوكيات معزولة حتى لا يتم إسقاطها على كل المتضامنين"، مشيراً إلى أن "محاولة بعض المعنيين تبرير هذه الممارسات، باعتبارها دليلاً على وصول المساعدات، لا تعدو أن تكون إلا كلاماً فارغاً ومرفوضاً".

خلص المتحدث إلى أن "الإحسان العمومي في المغرب ينظّمه قانون خاص، إذ بإمكان الأفراد الراغبين في المساهمة في هذه الأزمة تحويل تبرعاتهم إلى الصندوق الوطني الذي أحدثته الدولة لهذا الغرض، أو إلى المنظمات والجمعيات التي تعمل في إطار قانوني، وذلك حتى لا نسقط في مثل هذه الحالات المعزولة التي يتم فيها استغلال هشاشة المتضررين".

ممارسات منافية للقيم

من جهته، يفيد مهدي عامري، الأستاذ الجامعي في المعهد العالي للإعلام والاتصال في الرباط، بأن "تجرؤ عدد من المؤثرين والناشطين على استغلال الصور الضعيفة للأطفال بالمناطق التي مسها الزلزال يدخل في إطار السلوكيات المحزنة والمرفوضة".

يضيف عامري في حديثه إلى رصيف22 أن "التصوير بدون ترخيص والسعي إلى التمثيل الدرامي لكسب المال والشهرة ممارسات لا يمكن تبريرها لأنها تهز أسس الأخلاق وتقوض صون كرامة الأفراد".

مع توالي الأيام، اتضح أن بعض "المساعدات" خرجت عن نطاقها التضامني السليم، ووجّهت أصابع الاتهام هنا إلى ممارسات وسلوكيات قادها بعض صناع المحتوى

وأوضح الخبير في التواصل الرقمي أنه "لا يجب أن يكون البحث عن الشهرة والربح على حساب الأخلاقيات وما يستوجبه صون الكرامة الإنسانية"، ذاكراً أن "هناك مجموعة من المبادئ الأساسية والقيم التي وجب الالتزام بها؛ على غرار الحصول على الموافقة من أجل التصوير واحترام خصوصية الأفراد".

يلفت المتحدث إلى أن رجال الإعلام بدورهم "مطالبون بالالتزام بأخلاقيات المهنة التي تعدّ العمود الذي ترتكز عليه ثقة الجمهور وأساس مهنة الصحافة، حيث تقع على عاتقهم مسؤولية حاسمة من أجل حماية نزاهة المهنة ومصداقيتها في الأوقات التي تنتقل فيها المعلومات بسرعة الضوء"، مشيراً إلى أن "أقلام وكاميرات الإعلاميين وجب أن تمتثل أولاً إلى مجموعة من القيم الأساسية التي بإمكانها ضمان الشرعية والمصداقية".

"زلزال أخلاقي"

كثيرة هي التعليقات والمنشورات التي حمل مضمونها انتقادات لممارسات بعض من صناع المحتوى بعد "فاجعة الحوز"، حيث عبر عدد من مستخدمي الشبكات الاجتماعية بالمغرب عن "استنكارهم وامتعاضهم" فيما يخص ما أقدم عليه بعض من المشاهير المعنيين بالأمر، معتبرين أن تصوير الناس في وضعيات ضعف وهشاشة "لا يليق لكونه يسيء لكرامتهم وإنسانيتهم ويسيء كذلك للهبّة الشعبية ومظاهر التضامن التي أبان عنها المغاربة قاطبة".

نجيب المختاري، مهندس وصانع محتوى علميّ مغربي، قال في حديثه إلى رصيف22 إن "مثل هذه الممارسات التي اطلعنا عليها كلنا، هي ممارسات تدخل في إطار ما هو غير أخلاقي وبإمكانها أن تؤثر سلباً على تبرعات الأشخاص الجادين، كما أن مظاهر التهافت للوصول إلى المناطق المنكوبة بإمكانه أن يتسبب في عرقلة عمليات الإغاثة هناك".

يلفت المختاري إلى أن "صناعة المحتوى على أنقاض المنازل المهدمة ومآسي السكان المنكوبين لا تستجيب للمنطق الإنساني الذي يدعو إلى احترام خصوصيات وكرامة الأفراد. وقد سجلنا في هذا الإطار عدداً من الممارسات التي صوّرت فيها فتيات لا تتجاوز أعمارهنّ تسع أو عشر سنوات، خصوصاً إذا استحضرنا أن هؤلاء الأطفال أولا هم قصّر قانونياً، وثانياً هم لا يزالون تحت صدمة الفاجعة".

في تعليقه على تبريرات بعض صناع المحتوى، يعتبر المتحدث بأن "القول على أن بث الصور ومقاطع الفيديو هو دليل على وصول التبرعات؛ فيه نوع من الصواب، لكنْ يجب ألا يكون ذلك على حساب كرامة المتضامَنِ معهم، إذ يمكن اللجوء إلى إخفاء ملامح ووجوه الناس وتجنب تصوير الجرحى وكذا الأطفال القاصرين".

ويخلص المهندس وصانع المحتوى العلمي إلى أن "التنافس على فعل الخير أمر جيد مبدئياً، إلا أن غير اللائق هو مظاهر التنافس بين صناع المحتوى بشكل اتخذ من الفاجعة ومن التضامن موضوعاً للنشر. ومن اللّازم أن تكون هذه الحملات منظمة وعقلانية وحبّذا لو تم التنسيق مع السلطات أو الاكتفاء بتحويل التبرعات المادية إلى الصندوق الذي تم إحداثه لهذا الغرض من قبل السلطات".

استنكار مقابل دعوات لعدم التعميم

أعقبت هذه الفيديوهات والصور التي بثها صناع المحتوى على الشبكات الاجتماعية موجة من الاستنكار والرفض الرقمي، حيث دعا نشطاء إلى إيقاف ما سموه بـ"المتاجرة بمآسي الناس"، فضلاً عن دعوتهم السلطات وجمعيات حماية الطفولة إلى التدخل بشكل عاجل. وأمام هذا الاستنكار الشعبي، خرج بعض صناع المحتوى للتوضيح، رافضين منطق التعميم.

أحمد الصابيري، صانع محتوى من مدينة مراكش، قال في مقطع فيديو له إنه "لا يجب أن نعمم هذه الانتقادات على الكل، فالواقع أن الهدف يختلف، فهناك من لديهم أهداف نبيلة، فنحن من جهتنا نحاول إيصال المساعدات العينيّة التي نتوصل بها إلى تلك المناطق المتضررة من الزلزال".

دعا نشطاء إلى إيقاف ما سموه بـ"المتاجرة بمآسي الناس"، فضلاً عن دعوتهم السلطات وجمعيات حماية الطفولة إلى التدخل بشكل عاجل. وأمام هذا الاستنكار الشعبي، خرج بعض صناع المحتوى للتوضيح

يضيف الصابيري الذي يتوفر على أكثر من 690 ألف متابع على انستغرام " في بعض الأحيان نقوم بتصوير الناس بملامحهم الكاملة، وهذا ليس استغلالاً، ولكن يبقى بمثابة دليل على وصول التبرعات العينية إلى مستحقيها، إذ نكون في غالب الأحيان مطالبين بإيصال هذه الصور إلى المتبرعين الذين نشكل حلقة وصل بينهم وبين المتضررين"، مشيراً إلى "أننا كعاملين في هذا المجال نقوم فقط بمحاولة الربط بين المتبرع والمتضرر، في الوقت الذي كثر فيه النصب في الأنترنت".

وأوضح المتحدث عينه أنه "يجب كذلك أن نشير إلى أن البعض يحاول استغلال الوضع بحثاً عن الشهرة والانتشار من خلال استغلال براءة الأطفال والتهويل من الوضع، وهؤلاء حالات خاصة، لذلك لا يجب أن نضع جميع صناع المحتوى في نفس السلة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard