شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
تونس تراجع اتفاقيّة التبادل الحرّ مع تركيا... ما الأسباب؟

تونس تراجع اتفاقيّة التبادل الحرّ مع تركيا... ما الأسباب؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

السبت 16 سبتمبر 202312:49 م

أعلنت تونس رسميّاً اعتزامها مراجعة شروط اتفاقيّة التبادل التجاري الحرّ مع تركيا، في خطوة تقول إنّها تهدف إلى "حماية إنتاجها الوطني"، والحفاظ على أرزاق آلاف من التونسيين تضرّروا بسببها.

وقالت تونس إنّ المراجعة ستساعد على "إعادة التوازن إلى ميزان التبادل التجاري بين البلدين"، لكنّها قد لا تكون كافيةً وحدها للحدّ من نزيف عجزه المتواصل منذ سنوات بحسب كثير من الخبراء.

وقالت وزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية، في بيان حصل رصيف22، على نسخة منه، إنّ "الحدّ من تفاقم عجز الميزان التجاري مع تركيا، سيكون من خلال توسيع القائمة السلبيّة للمنتجات غير المعنية بالمعايير التفاضلية، مع التركيز على المنتجات التي لها مثيل يتم تصنيعه محليّاً، وعلى القطاعات التي تمرّ بصعوبات، نتيجة تكثف الواردات ذات المنشأ التركي".

وأبلغت وزيرة التجارة التونسية كلثوم بن الرجب، سفير تركيا في تونس، قرار بلادها إعادة مراجعة الاتفاقيّة.

وكانت تونس وتركيا قد وقّعتا اتفاقيّة تجارة حرّة عام 2005، في إطار الجهود المبذولة لتعزيز العلاقات بين البلدين.

وعام 2018، رفعت تونس التعريفة الجمركيّة لعدد من المنتجات المستوردة من تركيا، لكنّ ذلك لم يسفر عن تقليصٍ ملموسٍ في حجم العجز التجاري المتفاقم.

عجز كبير

بحسب بيانات كشف عنها معهد الإحصاء الحكومي، فإنّ أنقرة تسهم بنحو 3.9 مليارات دينار (نحو 1.2 مليار دولار) من مجموع العجز في الميزان التجاري التونسي، الذي تعمّق إلى مستوى 25.2 مليار دينار (نحو 8.1 مليار دولار) في 2022، وهو ثالث أكبر عجز تجاري لتونس مع بلدان تربطها بها اتفاقيّات مماثلة بعد الصين والاتحاد الأوروبي.

وتؤكد إحصائيات رسميّة أن نسق العجز التجاري مع تركيا في تصاعد مستمر خلال السنوات الأخيرة، وكشف المرصد التونسي للاقتصاد عن ارتفاعه إلى نحو 919 مليون دولار في العام 2021، مقابل 836 مليون دولار في العام في 2019، في حين لم تكن تونس تسجلّ عجزاً في مبادلاتها مع أنقرة قبل 2011.

وتسعى تونس إلى الحدّ من عجز ميزانها التجاري عبر التقليص من وارداتها، لكن الجزء الكبير من فاتورة وارداتها يشمل الحبوب والطاقة.

أعلنت تونس رسميّاً اعتزامها مراجعة شروط اتفاقيّة التبادل التجاري الحرّ مع تركيا، في خطوة تقول إنّها تهدف إلى "حماية إنتاجها الوطني"

ولأوّل مرّة منذ فترة طويلة تراجع عجز الميزان التجاري لتونس (الفرق بين قيمة الصادرات والواردات)، بنسبة 26.3 في المئة، خلال النصف الأوّل من العام الجاري مقارنةً بالفترة نفسها من 2022، بحسب بيانات رسمية صادرة عن معهد الإحصاء الحكومي.

وفي عام 2022، قفز عجز الميزان التجاري لتونس بنسبة 40 في المئة مقارنةً مع 2021، وسط ارتفاع حادٍّ في قيمة فاتورة الواردات السلعيّة.

وتشهد تونس أزمةً اقتصاديّةً حادّةً منذ سنوات فاقمتها تداعيات تفشي جائحة كورونا وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة والموّاد الأساسيّة إثر الأزمة الروسيّة الأوكرانية، بينما لا تزال مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض بقيمة 1.9 مليارات، متعثّرةً.

غزو الأسواق

وتُغرق السلع التركية أسواق تونس، وتنافس سلعها المحليّة بما في ذلك تلك المصنفة على أنّها كماليات في مقابل محدودية صادراتها نحو هذا البلد، وهي بالأساس منتجات فلاحية وكميات من الفوسفات.

وازدادت تجارة "الشنطة" في حضور السلع التركية في أسواق تونس، وتُستورد غالبيتها عبر هذه المسالك غير المنظّمة بعيداً عن الرقابة الجمركية.

ويقول الخبير الاقتصادي خالد النوري، إنّ السلع التركية تدخل تونس بحرية تامّة دون رقابة جمركية، مؤكداً أنّ جزءاً كبيراً من هذه السلع موجّه للاستهلاك: "اليوم منتجات مثل الشوكولا والبسكويت قادمة من تركيا تُعرض في الفضاءات التجارية الكبرى وفي المحال الصغيرة على حدّ سواء، وتنافس السلع المحليّة".

لا تقف منافسة السلع التركية للسلع التونسية عند السوق المحلية، فقد تجاوزتها نحو السوق الليبية، ويقول النوري: "إنّ بعض المصانع التركية تصنع سلعاً تونسيةً وتقوم بتسويقها في ليبيا على أنّها سلع تونسية كما أن هناك سلعاً صينيةً تدخل تونس قادمةً من تركيا بعد إخضاعها لتغيير مصدرها".

تُغرق السلع التركية أسواق تونس، وتنافس سلعها المحليّة بما في ذلك تلك المصنفة على أنّها كماليات في مقابل محدودية صادراتها نحو هذا البلد، وهي بالأساس منتجات فلاحية وكميات من الفوسفات

ويرى الخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي، في تصريح لرصيف22، أنّ أنقرة كانت الطرف الوحيد المستفيد من اتفاقية التبادل التجاري الحرّ بين البلدين، ويعدّ أنّها كانت "اتفاقيةً غير متكافئة"، خصوصاً أنها ساهمت في تعزيز ثقافة الاستهلاك لدى التونسي، ويقول: "أبرز مشكلات تونس خلال السنوات الأخيرة، التوجه نحو الاستهلاك عوض خلق الاستثمار".

ويضيف أنّ هذا الوضع يفرض على تونس ضرورة التوجّه نحو مراجعة هذه الاتفاقية كما يسمح بذلك نصّها لإنقاذ المنتجات المحلية.

القطاعات المتضررة

أضرّت اتفاقية التبادل الحر مع تركيا بقطاعات عديدة في تونس، لكن أبرز القطاعات التي سجلت خسائر بسبب المنافسة غير المتوازنة هي قطاعات الجلود والأحذية والنسيج.

ويتم سنوياً استيراد ما قيمته 1.3 مليارات دينار (464 مليون دولار)، من النسيج من تركيا، ويبلغ العجز في هذا القطاع مليار دينار (357 مليون دولار).

وبحسب تصريحات مسؤولين تونسيين، تخسر تونس كلّ سنة 374 مؤسسةً متخصّصةً في صناعة النسيج نتيجة منافسة المؤسّسات العالمية، وتحديداً التركية والصينية وبدرجة أقلّ الأوروبية، لأسواقها المحلية.

وتكبّد القطاعان خسائر كبيرةً جرّاء تدفق السلع التركية، تلتهما قطاعات تجهيزات البناء والمواد الصحيّة وبعض الأصناف من الصناعات الغذائية مثل الحلوى والشوكولا، وموّاد التجميل وبعض المنتوجات الفلاحية.

وتم إغلاق 7 آلاف مصنع أحذية، بعد أن عجزت عن منافسة السلع القادمة من تركيا، والتي يقول النوري إنّها تتمتّع بقدرة تنافسية كبيرة وتستفيد من منحٍ وامتيازاتٍ تقدّمها لها السلطات التركية مقابل غياب الحوافز وارتفاع تكلفة الإنتاج وقيمة الضرائب التي تفرضها السلطات التونسية على مؤسساتها الصناعية.

وفي محافظة صفاقس جنوب تونس، انخفض عدد مصانع الأحذية من 10 آلاف مصنع إلى 2،500 مصنع حالياً، فيما أكثر من عشرة آلاف مصنع للملابس الجاهزة أعلنت إفلاسها، ويُقدّر عدد مصانع الملابس التي استطاعت الصمود في وجه غزو السلع التركية لأسواق تونس بنحو 5 آلاف مصنع فقط.

أسباب سياسية؟

تأتي مراجعة اتفاقيّة التبادل التجاري الحرّ مع تركيا استجابةً لمطالب متكررة أطلقها اقتصاديون ومنظّمات وطنيّة يرون أنّها أضرّت بالإنتاج التونسي الوطني واستنزفت احتياطي البلاد من العملة الصعبة.

لكن هذه الخطوة شكّلت لسنوات طويلة مطلباً متكرّراً ترفعه الأصوات السياسيّة المعارضة في وجه الحكومات المتعاقبة التي حكمت تونس بعد عام 2011، وتحديداً منذ وصول الإسلاميين إلى الحكم.

وبرغم إجماع الخبراء الاقتصاديين على أنّ مراجعة اتفاق التجارة الحرّ مع تركيا خطوة ضرورية ومهمة، إلا أنّ بعض المراقبين يشيرون إلى وجود دوافع سياسيّة وراء ذلك.

ويرى البعض أنّ مراجعة هذا الاتفاق في الوقت الحالي، "محاولة لطيّ السلطة الحاكمة لصفحة الإسلاميين في تونس وقطع جميع ارتباطاتهم الخارجية".

كثيراً ما كانت العلاقة بين تونس وأنقرة محلّ انتقاداتٍ وتجاذباتٍ سياسيّة خلال فترة حكم الإسلاميين، ولطالما طرح موضوع مراجعة اتفاقيّة التجارة الحرّة مع تركيا جدلاً واسعاً، ووُجّهت أصابع الاتّهام إلى حزب "حركة النهضة" بفتح السوق التونسية أمام الغزو التركي ما كبّد اقتصاد البلد خسائر كبيرةً.

تم إغلاق 7 آلاف مصنع أحذية، بعد أن عجزت عن منافسة السلع القادمة من تركيا، والتي يقول النوري إنّها تتمتّع بقدرة تنافسية كبيرة وتستفيد من منحٍ وامتيازاتٍ تقدّمها لها السلطات التركية

ويرى أصحاب هذا الرأي أنّ بلدهم صار مستباحاً من تركيا وسلعها في فترة حكم الإسلاميين بسبب التقارب بينهم وبين الرئيس رجب طيب أردوغان، مشددين على أنّ "مراجعة الاتفاقية ما كانت لتتمّ لولا تنحّيهم عن السلطة".

وفي السياق، يرى المحلل السياسي خليل الرقيق، أنّ حزب حركة النهضة، خصوصاً زعيمه راشد الغنوشي، كان يتعامل مع تركيا كتابع لها بعيداً عن منطق السيادة الوطنيّة، موضحاً في تصريح لرصيف22، أنّ الإسلاميين فتحوا أبواب تونس أمام سلع تركيا غير مبالين بحجم الخراب الذي قد يخلّفه هذا الغزو على الاقتصاد التونسي، قائلاً: "لقد حمى الإسلاميّون مصالح تركيا على حساب مصالح التونسيين وبسبب المنافسة غير العادلة مع بضائع تركيّة رخيصة، فَقَدَ عشرات الآلاف موارد رزقهم".

وذكّر المتحدث بأنّ اتفاقية التجارة الحرّة مع تركيا كانت تتمتع بتزكية الإسلاميين وحمايتهم، "بدليل أن المعارضة لم تنجح في طرح ملف مراجعة اتفاقية التجارة الحرّة مع تركيا في البرلمان إلا بعد خسارة حزب النهضة في الانتخابات عام 2014، وفوز حزب "نداء تونس" حينها بالأغلبيّة".

وفي عام 2020، سعى ائتلاف النوّاب الاسلاميين في خطوة لاقت معارضةً كبيرةً حينها، إلى تمرير مشروع قانون يتعلّق باتفاق على التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات بين تونس وتركيا تمّ إبرامها سنة 2017.

غير أنّ مراجعة اتفاقية التجارة الحرّة مع تركيا، وإن كانت خطوةً إيجابيّةً بإجماع كلّ خبراء الاقتصاد، لن تكون كافيةً لتعديل كفّة الميزان التجاري التونسي الذي تظلّ الصين أوّل أسباب عجزه، ما يدفع إلى التساؤل حول مدى اعتزام السلطات التونسيّة التفكير في مراجعة اتفاقياتها مع هذا البلد أيضاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard