شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"مهندس البهجة"... التاريخ السّريّ لمصر كما رواه "الأستاذ"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 15 سبتمبر 202301:22 م


ماذا لو أخذنا الكوميديا على محمل الجد؟ أو انطلقنا من الهزل والتهريج والفكاهة لمحاولة تشريح المجتمع أو استنباط ما يضمره ولا يفصح عنه؟

ربما تبدو كرغبة في الربط بين خطين وهميين، لكنها في النهاية قد تصل بنا إلى نتيجة مذهلة، فالكوميديا يمكنها أن تكون جادة بشكل مؤلم، حتى وإن بدا عليها أحياناً التكريس للتغيب والهلس. 

من هذه النقطة أو قريباً منها، انطلق الدكتور وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك بكندا، في دراسته المطولة حول الفنان الكوميدي الراحل فؤاد المهندس ( 1927 – 2006 ) المنشورة في كتابه الذي راج تحت اسم "مهندس البهجة"، ليرصد المشوار الفني الطويل والمتنوع للممثل الكوميدي والمخرج المسرحي الراحل. ولكن ليس من وجهة نظر فنية أو جمالية فقط، وإنما باعتبار ما قدمه المهندس مؤشراً على الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدتها مصر في حقبة "الازدهار الناصري" من نهايات الخمسينيات وحتى ما يسبق هزيمة 1967، بل وما تلاها حتى بداية عصر السادات. 

ينظر الخشاب لكوميديا المهندس في السينما والمسرح باعتبارها نوعاً من الإنتاج الثقافي الدال على تلك المرحلة، يكرس لقيم بعينها ويحمل رسائل مبطنة تعبر عن لا وعي المجتمع، ولا يخلو من وظيفة ودور حيوي تريده السلطة سواء بوعي أو دون وعي من الفنان نفسه.

من هنا ينطلق الكاتب في رصد ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية وتحولات كبرى شهدها المجتمع المصري مع ثورة يوليو، وصعود الطبقة الوسطى وما صاحبها من وعود بالمتعة والرفاهية التي تمثلت في مظاهر عديدة، في الوقت الذي كان يعاني فيه المجتمع من قمع الحريات، وانعكاس ذلك الحال في كوميديا فؤاد المهندس

ينطلق كتاب "مهندس البهجة: فؤاد المهندس ولاوعي السينما" الذي كتبه وليد الخشاب ونشرته دار المرايا بالقاهرة خلال معرض الكتاب الماضي من عدة فرضيات أوضحها الكاتب في مقدمته، منها "النقلة الحداثية التي شكلتها كوميديا فؤاد المهندس" من خلال الاقتباس والتعريب واستلهام النماذج الغربية بدءا من شارلي شابلن الذي تأثر به كثيراً في حركاته الجسدية في بداياته، مروراً بنماذج أخرى فرنسية وأمريكية. والمفارقة الغريبة أن المهندس كان يلجأ للثقافة والفن الإنجليزيين رغم أنه كان قريب العهد من تحرر مصر من الاستعمار البريطاني، ما كان يستدعي قطيعة مع ثقافة المحتل السابق. 

يرى الخشاب في تحليله أن المهندس يعبر عن المشروع الكوميدي الوطني النهضوي المواكب لثورة يوليو 1952 إذ بدأ نجمه يبزغ معها، حتى أصبح رمزاً للكوميديا على مستوى قومي عروبي وليس فقط على مستوى القومية المصرية، مثلما كان عبد الناصر رمزاً للنهضة العربية على المستوى السياسي، وكانت أم كلثوم تمثل نفس الرمز على مستوى الغناء، ومحمد عبد الوهاب على مستوى الموسيقى.

الكوميديا يمكنها أن تكون جادة بشكل مؤلم، حتى وإن بدا عليها أحياناً التكريس للتغييب والهلس

ويتتبع الكاتب تاريخ المهندس بدءاً من علاقته بنجيب الريحاني حيث طلب منه المهندس الذي كان قائد فريق التمثيل في كلية التجارة بجامعة القاهرة أن يخرج لهم عرضاً مسرحياً، وبالفعل تبناه الريحاني بطريقة غير مباشرة، ولكنه – بحسب كلام المهندس في أحد حواراته –.

إلا أنه لم يكن تبنياً بالمعنى الفني الشامل، ربما بحكم سن الريحاني الذي غالباً ما كان ينسى اسم فؤاد ويشير إليه بكلمة "التلميذ". قبل أن تمر السنون ويصبح اللقب المعروف للتلميذ القديم هو "الأستاذ".

فؤاد المهندس

وسائط متعددة لصناعة النجم

من العوامل المهمة التي يشير إليها الكتاب وتجعل من المهندس نموذجاً مميزاً هو تعدد الوسائط الثقافية التي عمل بها من مسرح إلى إذاعة - وتحديداً برنامج ساعة لقلبك في الإذاعة ثم برنامج كلمتين وبس-، ثم انطلاقة التلفزيون في الستينيات وتألقه في فرقة المسرح الكوميدي للتلفزيون المصري، ومن قبل نجومية المسرح كان نجمه لامعاً في السينما.

يشير الخشاب إلى أن أول ثلاثة أفلام شارك فيها المهندس كانت عام 1952، وهو العام الذي قامت فيه ثورة 23 يوليو، والأفلام الثلاثة من إخراج حسن الإمام وهي "غضب الوالدين" و"زمن العجايب" و"كأس العذاب". 

كانت أدواره صغيرة لكنها لفتت الأنظار إليه كصاحب إمكانات كوميدية أهلته لأن يصبح ضمن برنامج الاسكتشات الفكاهي "ساعة لقلبك" الذي قدم على غرار برامج السكتشات الكوميدية في التلفزيون الأمريكي وقتها، ولكن عبر الراديو. 

مع نجاح ساعة لقلبك والثنائي الذي شكله من خلال البرنامج مع الراحلة خيرية أحمد، ليقدما سكتش يقوم فيه المهندس بدور "محمود" الموظف الذي يعاني من ثرثرة زوجته وفراغها العقلي والروحي، وقدم الثنائي هذا السكتش نفسه في السينما عدة مرات، ويلفت المؤلف هنا إلى غياب اسم الزوجة فهي فقط (زوجة محمود) و(الست مراتي). 


أفلام التهريج مخزن البوح والإسقاط 

دعوني أقتبس جزءاً من مقدمة المؤلف عن القيمة الحقيقية لكوميديا فؤاد المهندس: "قد يتبادر إلى الذهن أن أفلام المهندس تهريج لا قيمة فكرية له، والرد على هذا بالعبارة التي صغتها ولا أملّ من تكرارها: الكوميديا مسألة جادة، نكسب كثيراً في فهم الثقافات العربية وإنتاجها الثقافي إن أخذنا الكوميديا مأخذ الجد، لا سيما ما بدا لنا  (تافهاً). فالكوميديا – تحديداً لأن المجتمع عادة ما لا يأخذها مأخذ الجد – تشكل مخزناً للبوح والإسقاط والتلميح وللتعبير عن المكبوت والمسكوت عنه".

من هنا ينطلق الكاتب في رصد ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية وتحولات كبرى شهدها المجتمع المصري مع ثورة يوليو، وصعود الطبقة الوسطى وما صاحبها من وعود بالمتعة والرفاهية التي تمثلت في مظاهر عديدة، في الوقت الذي كان يعاني فيه المجتمع من قمع الحريات، وانعكاس ذلك الحال في كوميديا فؤاد المهندس. 

تجسيد الطبقة الوسطى 

جسد فؤاد المهندس في مسرحياته وأفلامه وحتى اسكتشاته الفكاهية أقصى تجليات الطبقة الوسطى، فهو المدرس والمهندس والمحامي والموظف البسيط الذي يصعد في السلم الاجتماعي، وبهذه الأدوار يقدم نوعاً من الكوميديا الحداثية التي جذبت الكثير من الطبقات النازحة من القرى والأقاليم إلى المدن والعاصمة مع توسع الجهاز الإداري في الدولة ونشوء طبقات من الموظفين والعمال والمهن المختلفة التي تتطلبها المرحلة الجديدة؟ 

تجسدت في أعمال المهندس العديد من التيارات الكوميدية مثل الفارس – Farse أي الهزل والتهريج والكوميديا الحركية وكوميديا الموقف، بالإضافة إلى كوميديا الفودفيل الفرنسية، وهو نوع من الفن كان يقوم على التحرر الذي يصل لمستوى المجون والابتذال أو الإسفاف أحياناً، من خلال إطلاق الحريات بشكل كامل خاصة الحرية في العلاقات العاطفية والجنسية.

فؤاد المهندس وشويكار

وكان المهندس يعتمد على الاسكتش الغنائي في عروضه، وهو ما حرص عليه سواء في مسرحياته أو أفلامه، ساعده في ذلك اعتماد أعماله المسرحية بالذات على الاقتباس من أعمال مسرحية عالمية شهيرة منها سيدتي الجميلة المقتبسة عن مسرحية بالاسم نفسه قدمتها برودواي، حتى أن الأغاني تكاد تكون مترجمة عن الأصل الإنجليزي، وكان هذا الاتجاه اتجاهاً عالمياً في الستينيات والسبعينيات - لم يقدمه المهندس وحده في مصر وشاركه آخرون منهم سمير غانم وغيره- ما يؤكد أنه نقل الحداثة الكوميدية بمفهومها العالمي إلى المنتج الفني المصري. 

وبهذه الاتجاهات كان المهندس بطريقة ما يمثل لا وعي المجتمع من خلال السينما، عبر تقديم جرعات فكاهية تعبر بطريقة غير مباشرة عن المشاعر والأحلام والأفكار والرغبات المكبوتة لدى الجمهور في المرحلة الناصرية.

وبالدرجة نفسها عبر عن فكرة الفصام أو القرين عبر العديد من أفلامه مثل أخطر رجل في العالم، وهي الثنائية التي كانت كامنة في ضمير المجتمع حتى في طبقاته العليا ممثلة في السلطة ولكن بطريقة خفية، حيث كان هناك ما يشبه الشراكة في الحكم بين جمال عبد الناصر وصديقه المشير عبد الحكيم عامر. والتحليل لا يزال للدكتور وليد الخشاب.


بعد نكسة 1967 كانت أفلام فؤاد المهندس بمثابة الدواء والعلاج للترفيه والترويح عن الشعب المكلوم من الهزيمة فقد عرضت له 7 أفلام في عام 1968 التالي مباشرة على الهزيمة، منها "شنبو في المصيدة" و"مطاردة غرامية" و"أرض النفاق"، وهي أفلام ظلت راسخة في الضمير الجمعي ضمن كلاسيكيات الكوميديا.

ويشير الكاتب إلى أن المهندس كان يقدم الترويح عن الشعب المكلوم بعد الهزيمة، في مقابل تلميذه عادل إمام الذي قدم في التسعينيات ما يمكن اعتباره التنفيس عن الشعب المكتوم.

وكانت ثنائية فؤاد المهندس/ شويكار التي تزوجها لاحقاً تمثل نمطاً ثرياً في الحياة الفنية والاجتماعية والحياة العامة، حيث كانا نجمين على الشاشة وعلى صفحات الجرائد، وتمثل شويكار النموذج التحرري الثوري الذي وافق مزاج المرحلة الناصرية، فكانت علاقتهما عاصفة، على عكس ثنائية فؤاد المهندس – خيرية أحمد في ساعة لقلبك التي كانت تعبر عن الاتجاه المحافظ ولم تكن جاذبة بالقدر الملائم للمجتمع الجديد الذي ينمو في إطار حركة التحرر الوطني. 

ويعتبر الكاتب فترة نجومية المهندس في السينما منذ 1964 إلى 1976 أي منذ فيلم "اعترافات زوج" حتى "فيفا زلاطا": "قمة تجسيد لا وعي المرحلة الناصرية"، ويفسر الخشاب هذه العبارة، بأن أعمال المهندس وخاصة السينمائية منها حوت إشارات - غير مقصودة غالباً- لأمور وكلام مكبوت ومحبوس في لاوعي الناس والمجتمع ككل، بل والدولة في المرحلة الناصرية وامتداداتها. 

يضرب المثل على ذلك بأفلام ظاهرها "التهريج" شكلت علامات في كلاسيكيات الكوميديا العربية مثل "أخطر رجل في العالم - 1967" و"شنبو في المصيدة – 1968" و"العتبة جزاز – 1969" و"سفاح النساء – 1970" و"إنت اللي قتلت بابايا – 1970" ويلفت إلى حوار لفؤاد المهندس تحدث فيه عن النجاح الساحق لفيلم أخطر رجل في العالم، حيث كان يعرض في التوقيت نفسه الذي عرض فيه فيلم معبودة الجماهير لشادية وعبد الحليم حافظ، وكان المهندس يلعب دوراً ثانياً في الفيلم الأخير مع عبد الحليم حافظ، إلا أن معبودة الجماهير لم يصمد أمام الجحافل التي توافدت على فيلم "أخطر رجل في العالم".

بوستر فيلم أخطر رجل في العالم

مساحة للترويح عن النفس 

عن فكرة الكتاب وتبلورها يقول الدكتور وليد الخشاب لرصيف22: "مشروع الكتاب بدأ منذ حوالي 11 سنة، إذ بدأت البحث عن فؤاد المهندس بشكل جاد، فقد شعرت بعد ثورة 25 يناير أنني أحتاج لشيء من الترويح عن النفس، رجعت إلى فؤاد المهندس لأنه كان الكوميديان المفضل لي في الطفولة، فقد حضرت بعض عروضه الأولى في طفولتي في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وظل هو النجم المفضل لي".

وحول سر اختياره للمهندس تحديداً يقول الخشاب، مدير جماعة الدراسات العربية الكندية: "حين بدأت العمل على تحليل ما قدمه المهندس، شعرت أن أحد أسباب تفضيلي له يعود للحرفية العالية التي يتمتع بها، وغالباً أيضاً التماهي مع الطبقة الاجتماعية، فأنا من أبناء الطبقة الوسطى وكذلك فؤاد المهندس، كان ابن الأستاذ الجامعي، وشقيق المذيعة الكبيرة، فصعد مع أبناء هذه الطبقة حتى أصبح في الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، لكن هناك أيضاً الحرفية العالية. دائماً أشبهه بالبهلوان الارستقراطي، اعتبره راقص باليه. مع العلم أن البهلوان في الفارسي معناه الأكروباتي الماهر، وفؤاد المهندس كان يقوم بأداء حركي مميز للغاية […] هو أقرب لفكرة الممثل الذي يضحكك بأدائه الحركي المعقد، وليس لأنه يتعرض للابتذال أو إهانة نفسه". 

ربما بحكم سن الريحاني؛ غالباً ما كان ينسى اسم فؤاد المهندس ويشير إليه بكلمة "التلميذ"، قبل أن تمر السنون ويصبح اللقب المعروف للتلميذ القديم هو "الأستاذ"

مشروع "كوميديان عروبي" متكامل 

يعتبر الخشاب أن المهندس "صاحب مشروع متكامل من الناحية الفنية"، ويشرح: "هذا كان واضحاً في ذهني طوال الوقت، لكن حين بدأت أنشر مجموعة مقالات في جريدة القاهرة منذ عام 2014 بناء على دعوة الأستاذ سيد محمود رئيس تحرير القاهرة وقتها، ركزت على الازدواج بمعنى أن يقوم بتجسيد دورين في الفيلم نفسه أو المسرحية نفسها، رأيت أن هذا مرتبط بالمجتمع الذي يعيش تناقضات كثيرة في فترة التحرر الوطني وما بعدها، ومازالت موجودة حتى اليوم، مثل هاجسين متقابلين حول السعي للتحديث والتمسك بالتقاليد والأصالة، كما كان موجودا شخصين على رأس النظام (ناصر وعامر). 

ويتابع الخشاب أن فكرة أن السينما مجال يتجسد فيه اللاوعي هي فكرة قديمة يعود فيها للفيلسوف الألماني فالتر بنيامين وما كتبه في الثلاثينيات من القرن الماضي. فكما أن هناك لا وعي يتجسد في الفوتوغرافيا، يمكن أن يتجلى اللاوعي في السينما. "حين نتكلم عن فكرة الازدواجية، لا أظن أن فؤاد المهندس أو كتاب أفلامه كانوا يفكرون بطريقة أنه توجد رغبات مكبوتة في المجتمع ويجب أن نظهرها باستخدام شخصيتين، لكن هذا كان يحدث دون أن يشعروا".

وعن التوظيف السياسي للكوميديا كوسيلة للإلهاء في حالة المهندس يقول الخشاب: "لا أعرف إن كان فؤاد المهندس كان يقوم بدوره السياسي في الإلهاء بشكل واعي أم لا؟ هل هناك من يوجهه أم لا؟ كانت الأفلام التي يقوم بها تروح عن الناس، بعد الهزيمة كان هناك نوع من التعزية في هذه الأفلام مثل أغاني عبد الحليم التي كتبها الأبنودي". 

لكن في حالة عادل إمام - والحديث لا يزال للخشاب- فإن أفلامه تشعر الناس بأن هناك مساحة من الحرية وأن الفنانين يواجهون النظام ما يجعلهم يتعلقون بالفنانين أكثر، لكن عادل إمام لم يواجه هزيمة كبيرة أو ظرفاً تاريخياً يشبه 67 مثلما حدث مع المهندس. 

ثقافة الترفيه والثقافة الثقيلة 

وعن الدور الذي لعبه مسرح التلفزيون ووزارة الإعلام في صعود نجم المهندس يقول الخشاب: "في الثقافة المصرية بشكل عام لا يوجد صوت واحد أو خط واحد، توجد تيارات مختلفة، في حالة النظام الناصري 

كان هناك خط يتجه للترفيه بعيداً عن السياسة بشكل مباشر، كانت تمثله وزارة الإعلام في ظل قيادة عبد القادر حاتم، وهو كان يميل للنموذج الأمريكي في إنتاج الثقافة بغرض التسلية والترفيه، وعلى الجانب الآخر كانت وزارة الثقافة ووزيرها ثروت عكاشة الذي يميل للنموذج اليساري التنويري الأوروبي، الذي يعتبر الثقافة ذات دور مهم ومحوري في صقل أخلاق المجتمع وتوعية الجماهير، طبعاً من دون تحريض الناس على الثورة مثلاً.

هذان الخطان كانا موجودين في الستينيات؛ فؤاد المهندس كان يمثل تياراً أقرب لما ينتجه عبد القادر حاتم، يقدم تسلية ليست سياسية بشكل مباشر، وإن كان لها بعد سياسي قد يكون بسيطاً وخفيفاً غير ظاهر للعيان. 

ثالوث الريحاني – المهندس – إمام 

وحول جسور الاتصال بين الأجيال الكوميدية الثلاثة التي يمثلها الريحاني وفؤاد المهندس وعادل إمام يقول الخشاب: "ما أطرحه أن هؤلاء الأجيال الثلاثة ليسوا جداً وأباً وحفيداً كما هو شائع في تاريخ الكوميديا السائد، وفي رأيي أن المسألة لم تكن بهذا الشكل. فالمهندس كان يتبع الريحاني مثلما يتبع المريد شيخه، عادل إمام كان يفعل ذلك بقدر بسيط مع المهندس، لكن هناك اختلاف في الأداء والذائقة والشهرة والانتشار التجاري لكل منهم، معظم أعمال الريحاني في العشر سنوات الأخيرة له وتحديداً في الأربعينيات، كانت محاولة للابتعاد عن الفارس– الهزل، لكن المهندس كان يحاول إدخال أكبر قدر ممكن من الفارس أو التهريج في الستينيات، بشكل علمي هناك فارق كبير في الذائقة بين الاثنين".

الأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين فؤاد المهندس وعادل إمام، كان المهندس يشجع إمام ويدعمه بفرص، لكن حين أخذ عادل إمام فرصته كبطل أول في السبعينيات اتجه لتقليل الهزل أو التهريج وبدأ يجسد الشاب ابن الطبقات الشعبية الذي يصعد أو لا يصعد اجتماعياً. 

ويضيف الخشاب: "في رأيي المسألة مرتبطة بذائقة عامة في العالم كله. كانت توجد جرعة هزل في أعمال المهندس كلها مثلما كان سائداً عالمياً في الخمسينيات والستينيات، كانت في فرنسا فرنانديل، وجيري لويس في أمريكا، وبيتر سيلرز في بريطانيا، هذه الموجة خفتت في الغرب في السبعينيات وخفتت أيضاً في مصر، بالإضافة إلى عامل السن وعدم قدرته على الأداء الجسدي المعتاد".

وعن اتجاه الفودفيل في أعمال المهندس يقول الخشاب: "دائماً يكون هذا الفن مرتبطاً بنماذج متحررة جنسياً، تقوم على الإثارة، يمكن تلخيصها في صيحة (يا خبر! جوزي وصل) وكان هذا العنصر - التحرر الجنسي- موجوداً في أفلام كثيرة للمهندس في الستينيات".

ويختتم الدكتور وليد الخشاب: "ربما يرى البعض في تحليلي للأمر أو فرضياتي تحميلاً للكوميديا بأكثر مما تطيق، لكن لو أخذناها مأخذ الجد لا شك سنجدها محملة بالرسائل والإسقاطات... ليس بالضرورة أن تكون تحليلاتي تمثل الحقيقة، لكني أدعو القارئ أن يأخذها على محمل الجد ويرى إن كان فيها وجهة نظر مقنعة أم لا". 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard