شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
أحد عشر عاماً على ولادتي طفلة اسميتها

أحد عشر عاماً على ولادتي طفلة اسميتها "لولو" وشبحاً يُدعى القلق

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 15 سبتمبر 202311:29 ص

قالت الصغيرة بعد نظرة مدققة: "ماما، لماذا أنت مكتئبة؟" أجبتها سريعاً بلا تفكير: "لا، أنا سعيدة". نظرت لي مرة أخرى بذات الطريقة التي تعرّي فيها ذاتي، فراجعت نفسي: لماذا أكذب عليها؟ لماذا أطالبها بالصراحة معي حول أفكارها ومشاكلها، ولا أقوم بدوري في ذات المعادلة؟

نظرت لها وقلت: "أنتِ على حق، أنا حزينة قليلاً اليوم، كيف عرفتِ؟"، ردت ضاحكة: "عندما تحزنين يتهدل وجهك هكذا، بينما عندما تكونين جيدة يصبح هكذا"، محاكية تعابير وجهي ببراعة. شعرت بوخزة في قلبي: هل يحق لي أن تظهر ملامحي حزني؟ لم تكن تلك المرة الأولى التي أخشى فيها على ابنتي من مزاجي، لقد كان القلق ثالث ثلاثة منذ ولادتها.

ثلاث ليال قبل ولادة القلق

كان اليوم الأخير قبل الولادة حافلاً بالأحداث، استيقظت مبكرة في السادسة صباحاً، وأنا مصابة بسعال شديد، مرض آخر لا أستطيع التداوي منه بسبب الحمل. ذهبت لمنزل والدتي لأحاول النوم لساعة أو اثنتين. كان من رابع المستحيلات مع كل هذا الألم، فأكملت اليوم وأنا شبه غائبة عن الوعي. خرجت وطبخت، وأكلت، فعلت الكثير، ولكن قبل أن أودع أمي شعرت إني افتقد شيئاً، فُزعت من اكتشافي، فالصغيرة لم تتحرك في بطني منذ ساعات لا أذكرها.

تعلم كل حامل أن عليها عد حركات الجنين على مدار اليوم كوسيلة للاطمئنان على صحته، لم أشعر بها، أخبرت والدتي الطبيبة، فقالت لي: اذهبي للمنزل واشربي شيئاً حلواً وراقبي حركتها. فعلت، مرة واثنتين وثلاث، قمت بكل الحيل التي تعلمتها من مواقع الإنترنت، رششت بطني بالعطور، دلكتها بالكريمات، أخذت حماماً دافئاً وبقي الوضع على ما هو عليه.

ولادة قيصرية لتوأم، طفلة صغيرة اسميتها "لولو" وشبح يُدعى القلق، خرج من رحمي ورقد على كتفي، أقاومه مرات بمساعدة الأدوية أحياناً والمحبة غالباً، فيبهت لونه ويكاد يصبح شفافاً، ثم توقظه أي لحظة اضطراب قصير، فيصعد كملك متوج إلى عرشه

كلمت أمي في الثانية صباحاً، فأخبرتني بلهجة آمرة: "اسبقيني على المستشفى". أيقظت زوجي، وحاولت شرح ما قد نواجهه، للحظة أجهشت في البكاء، ولكن لم أكمل أكثر من ثانيتين، ثم تماسكت سريعاً مع فكرة أني لو انهرت سأفقد الصغيرة، الآن علي مسؤولية الذهاب للمستشفى بأسرع وقت ممكن.

استمرت الفحوصات لساعات الفجر الأولى، وما إن طلع الضوء حتى أخذ الأطباء القرار بولادة اضطرارية، فالطفلة تكاد تختنق بسبب وضع جسدها الخاطئ.

كانت تلك ليلتي الثالثة دون نوم، وحدي أنا والصغيرة في ظلام غرفة المستشفى، ملفوفة بالأبيض كملاك في غاية الهدوء، هي كذلك تبدو مرهقة بسبب الليلتين السابقتين، ولكن لا أستطيع النوم، فكلما أغمضت عيني يوقظني هاجس مرعب، أجلس وأتحامل على جرحي الذي شقني بالعرض، وأقرب يدي وأضعها تحت فتحات أنفها أتأكد من أنفاسها، ثم أنقلها إلى قلبها، أتحسّس دقاته.

كانت ولادة قيصرية لتوأم، طفلة صغيرة اسميتها "لولو" وشبح يُدعى القلق، خرج من رحمي ورقد على كتفي، أقاومه مرات بمساعدة الأدوية أحياناً والمحبة غالباً، فيبهت لونه ويكاد يصبح شفافاً، ثم توقظه أي لحظة اضطراب قصير، فيصعد كملك متوج إلى عرشه.

"أختية العنقاء" ومانفيستو "عزيزتي الزوجة"

مثلما تجتمع القطيطات حول الدفء اجتمعنا سوياً بلا رابط واضح، سوى إنجابنا جميعاً فتيات في ذات العام، وعملنا في الكتابة بشكل أو بآخر، والأهم كنا مسكونات بجني الكآبة النفاسية الذي تحول لأشكال مختلفة مع كل منا.

عن نفسي، تقمّصت دور الأم المثالية التي تخفي أوجاعها لمدة عام كامل، حكت لابنتي الملابس الصوفية، وصنعت لها أكثر الوجبات المنزلية الصحية تعقيداً، والتي لفظتها كلها في وجهي وعلى جميع الأسطح الممكنة.

نظفت البيت آناء الليل وأطراف النهار، شعرت أن لعبة في غير مكانها تعني أني امرأة فاشلة وأم ليست على قدر المسؤولية،  كان علي السيطرة على كل شيء، بداية من صحة ابنتي وحتى الفوضى السياسية التي اجتاحت العالم في العقد الثاني من الألفية الثالثة.

كل يوم يزداد الضغط، ولا تستطيع أي من مساعيي في إيقاف ذهني عن الدوران لساعة واحدة، حتى جلست بعد عام وأربعة أشهر من الأمومة، كتبت مانفيستو "عزيزتي الزوجة"، كفرت بكل مسؤوليات الأمومة والزواج والمتطلبات الاجتماعية، انفجر اكتئابي في شكل غضب اجتاح أمامه الجميع، وأولهم ابنتي.

هلع زوجي من غضبي، وأخبرني في إحدى المرات أني أكره أبنتنا. لم أكن أقوم معها بأي شيء خاطئ، ولكن لم أكن في ذات الوقت أتحمّل هذا الأنين المستمر على كل شيء لا تحصل عليه في الحال، أو رفضها لأي أنواع الطعام، أو القذارة التي احتلت عالمي منذ حضرت إليه، والأهم قلقي اللانهائي عليها، وتحمل مسئوليتها كاملة وحدي.

احتجت فقط لقول "لا" مرة واحدة وبقوة، عندما سمعتني أقولها بصوت عالي، وعرفت أن من حقي أن أصرخ بها بدأت الفوضى تهدأ، قلت لا للطهي اليومي والمهام المنزلية التي لا تنتهي، قلت لا لكل المناسبات الاجتماعية التي لا أرغب في حضورها

عندما سَرَقتُ ذاتي

كانت حياتي على وشك الانهيار عندما بدأنا أنا وباقي نساء الأختية بأخذ الفتيات والخروج في الأماكن المختلفة، متحديات القواعد الاجتماعية السائدة التي تحتم على كل أم أن تكتفي بمنزلها وأسرتها فقط، نبكي ونضحك في كل جلساتنا بدون تمييز بين الشعورين، نصرخ بالشتائم كلما تذكرنا الحواجز التي تحاوطنا فقط لأننا أخذنا قرار أن نصبح أمهات، ثم نقسم ألا نجعل بناتنا نسخاً منا.

اعتادت ابنتي الغيرة من اجتماعات "أختية العنقاء لمواجهة اكتئاب ما بعد الولادة"، بينما ابنة أخرى أخبرت أمها إنها تضحك معنا بطريقة مختلفة، وثالثة كانت تضرب كل الفتيات لتلفت انتباه أمها، وتعكر صفوها.

شعرنا أننا نسرق ذواتنا من بناتنا المستحوذات، وأزواجنا اللذين يرغبون في نساء مثاليات كأمهاتهم، وأمهاتنا الهلعات من رفضنا الحمل اللواتي تحمّلنه صاغرات، هذا الرفض الذي يعني إما إنهن أضعن حياتهن هباء، أو أننا لا نمتلك غريزة أمومة مثالية.

لماذا أسرق ما هو لي بالأساس؟ هذا السؤال الذي كان علي الإجابة عنه، ولكن كل من مر بتجربة الاكتئاب والقلق يعرف أن ذهننا داخل المعمعة لا يعمل بكامل قدراته، أو يستطيع تفنيد الوضع وترتيبه بشكل صحيح، كنت أشعر إني محاصرة داخل نفسي، أحاربها وأحارب من أجلها.

 جررت الآخرين إلى هذه المعركة رغماً عن أنفهم. جعلت من زوجي وابنتي خصوماً أحياناً، ومن القواعد الاجتماعية أحياناً أخرى، كلهم كانوا لدي متشابهين، كانوا أسواراً يجب تحطيمها لأجدني بداخلها، بينما في الحقيقة كنت هناك على البر الآخر انتظرني.

احتجت فقط لقول "لا" مرة واحدة وبقوة، عندما سمعتني أقولها بصوت عالي، وعرفت أن من حقي أن أصرخ بها بدأت الفوضى تهدأ، قلت لا للطهي اليومي والمهام المنزلية التي لا تنتهي، فلم نمت جوعاً أو نعش في القذارة، قلتها مرة أخرى عندما أجبرت زوجي على الاهتمام بالصغيرة لأنها في النهاية تخصه مثلما تخصني، فبدأ في بناء علاقة تجمعهما بعيداً عني، وتعلما كيفية قضاء وقت ممتع سوياً، بينما أنا أجد برهة من الزمن لنفسي، قلت لا لكل المناسبات الاجتماعية التي لا أرغب في حضورها، فوجدت أني أحب بعضها بالفعل، وأسعى إليه بنفسي.

طلبت من ابنتي أن تعدني بالاستمرار في صداقتي حتى بعد أن تصبح بالغة، صرت خائفة من فقدها خلال رحلتها في النضوج، لم تعد همّاً أحمله أو عبئاً أتذمر منه، ولكني اكتشفت الوجه الآخر للقمر، لم يعد كله معتماً، هناك قلق وهناك محبة، ومثل دورة القمر، كل يوم يحمل لنا وجهاً مختلفاً

شيدت عالماً جديداً بقواعدي، ووجدت ابنتي داخل إطار هذا العالم، نصف صديقة نصف ابنة، وبدأت أختية من نوع آخر تظهر بيننا. لم نعد فقط أم وابنتها، ولكن شريكتين متواطئتين لاحتمال الحياة معاً، نقوم بألعاب بهلوانية للتوفيق بين متطلباتي ومتطلباتها، الاثنان على ذات الأهمية في كفتي الميزان، أخذها معي لدراستي العليا، ثم أبقى أمام الغرفة التي تتدرّب فيها على الباليه، وفي المساء تنام وهي ممسكة ذراعي وأنا مستندة على كتفها.

بالأمس كان يومي صعباً، فجلست بجوارها، حكيت لي عن أصدقائها واختباراتها المدرسية، ثم اخبرتها عن إحباطاتي بين فروع البنك والموظفين الأغبياء، والرسالة الإلكترونية من محرّري الذي يخبرني فيها أن على تغيير خاتمة مقالي. ربتت على خدي وضحكت مهونة علي، وأعددنا معاً خطة لنهاية الأسبوع.

جاءت أحد عضوات أختية العنقاء مؤخراً لتخبرنا: "خرجت بالأمس مع ابنتي وحدناً وقضينا اليوم كله سوياً في السينما والتسوق، استمتعت بالوقت كما لو أني معكن، أو مع أحد أخواتي". تعالت أصواتنا نخبرها أن ذلك ما حدث لكل منا بشكل أو بآخر،  إذ كبرت الفتيات، لم يعدن تلك الكائنات القصيرات، محبات النحيب والأنين، تحولن إلى شبه مراهقات، متذمّرات قليلاً لكن حساسات وذكيات بالفعل، ويصلحن أن يكن صديقات.

مؤخراً طلبت من ابنتي أن تعدني بالاستمرار في صداقتي حتى بعد أن تصبح بالغة، صرت خائفة من فقدها خلال رحلتها في النضوج، لم تعد همّاً أحمله أو عبئاً أتذمر منه -بالتأكيد من فترة لأخرى تكون كذلك- ولكني اكتشفت الوجه الآخر للقمر، لم يعد كله معتماً، هناك قلق وهناك محبة، ومثل دورة القمر، كل يوم يحمل لنا وجهاً مختلفاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard