شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
عضو جديد في نادي الناجين من جحيم الوطن (1)

عضو جديد في نادي الناجين من جحيم الوطن (1)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والفئات المهمشة

الخميس 14 سبتمبر 202311:58 ص

أكتب اليك هذه الرسالة بعد فراري الاضطراري من مصر، لأصبح عضواً جديداً في نادي الهاربين من جحيم مصر المستعر الآن، بالطبع اسمي ليس كما يبدو في عنوان البريد الإلكتروني، لخوفي عند الرجوع الى مصر أن أقع تحت طائلة هذا الباشا أو ذاك البيه، وما أكثرهم، وأنت خير العارفين.

بحكم عملي وخبرتي الأكاديمية، تعاملت مع البهوات إياهم في بعض العمليات الهندسية والمقاولات، وبرغم صغر سني نسبياً، إلا أني كنت أعمل تحت مظلة مكتب استشاري كبير، وهذا ما قادني للجلوس مع كبار البهوات في عدة اجتماعات تتعلق بعمليات كبرى في البنية التحتية والمدن الجديدة وخلافه، وبعد اجتماعين أو ثلاثة من هذه العينة، اتخذت قراري بالسفر، أو بالأحرى، الهروب من مصر، فإذا كانت عينة البشر التي تدير وتمسك بمقاليد الحكم وتلابيب السلطة من هذه العينة، فقُلْ على الدنيا السلام.

سأحاول أن أسرد عدة وقائع حدثت بوجودي، ولكن اسمح لي بتعتيم بعض التفاصيل. سأبدأ بأول واقعة، وهي بداية عملي في ذلك المكتب الاستشاري، حين تفاجأت أن البهوات إياهم قد أدخلوا أنفسهم في اللعبة بشكل فج، ولا أحد يجرؤ على الاعتراض.

كنت أعمل تحت مظلة مكتب استشاري كبير، وهذا ما قادني للجلوس مع كبار البهوات في عدة اجتماعات تتعلق بعمليات كبرى في البنية التحتية والمدن الجديدة وخلافه، وبعد اجتماعين أو ثلاثة من هذه العينة، اتخذت قراري بالسفر، أو بالأحرى، الهروب من مصر

الطبيعي أن أي عملية هندسية تتضمن ثلاثة أطراف: المالك، المقاول والاستشاري، المالك هو من يدفع، والمقاول هو من ينفّذ، والاستشاري هو من يصمّم ويشرف، لكنني فوجئت أن البهوات إياهم قد استحدثوا طرفاً جديداً ليندسّوا بفضله تحت سمع وبصر الكل في أي عملية هندسية، وهذا الطرف أعطوه اسماً لطيفاً للغاية، هو "المشرف على التنفيذ". لا تنس أنه لم يدفع ولم يصمّم ولم ينفذ، هو فقط يلعب دور حلقة الوصل – أو هكذا كنت أحسبه - بين جميع الأطراف: "وماله، مش عيب، هم رجال المرحلة، وطالما حيشتغلوا بما يرضي الله وبما يحقق المصلحة للكل يبقى تمام".

استدعاني المكتب على عجل لحضور اجتماع في منطقة نائية لحضور اجتماع تنسيقي في عملية لا أعلم عنها أي شيء، تفاصيل مبعثرة وكلام مبهم، لكن وماله، أكل العيش مُرّ والرزق يحب الخفية.

حضرت لمقر الاجتماع، أنا ممثل الاستشاري، ويوجد عدة ممثلين لعدة مقاولين، والباشوات حضروا في هيئة مدنية، وظهروا للجميع بصورة الهادئ الواثق والحازم في آن واحد، وذلك حتى يعطوا انطباعاً للكل بالجدية والالتزام. بالمناسبة، هم ممثلون عن أحد إدارات الهيئة الهندسية. لا أخفيك سراً أني لم أعلم عم تتحدث العملية إلا في وقتها، وأحسست أن وجودي وقتها هو سدّ خانة فقط لا غير، على طريقة: "عايزين استشاري؟ طب الاستشاري أهو".

بدأ الكلام بحديث حازم من الباشا للمقاولين، ورويداً رويداً بدأت أُلِمّ ببعض تفاصيل الموضوع، ولكن بالطبع الأسئلة كثيرة، والتفاصيل الغائبة خطيرة، ولا أحد يجرؤ حالياً على الاستفسار عنها حتى لا يبدو كحمار وسط هذا الجمع. كل هذا عادي، لكن الأمر غير العادي هو أن الباشا مال على أذني قبل نهاية الاجتماع - نسيت أن أقول لك إني كنت جالساً بجانبه مباشرة على طاولة الاجتماع - وهمس في أذني قائلاً: "عايزين لوحات المشروع يا دكتور بعد 48 ساعة"، طبعاً هذا التهريج أصم أذني عن باقي تفاصيل الاجتماع، وهالني جداً كمُّ التفاصيل الكثيرة الغائبة وحجم العملية ذاته والذي يحتاج في أدنى تقدير لشهر أو شهرين من العمل المتواصل ليل نهار.

نظرت إليه مستغرباً، ولكن لقلة خبرتي بلعتها، وقلت: "وماله، خلينا نشوف حنعمل ايه ولما نتزنق نطلب وقت زيادة، الدنيا ما طارتش يعني"، وهو ما حدث بعدها عندما طلبنا مهلة فأعطوا لنا مهلة أسبوع فقط للانتهاء من كافة لوحات المشروع.

وهنا حدثت أول مفاجأة، وهي أن الباشا أصدر أوامر للمقاولين بالبدء في للعمل، هكذا، بدون أي لوحة واحدة توحّد ربنا، وعندما استفسرت فهمت أن "الباشا الكبير أوي بيطلع بالطيارة الهليكوبتر عشان يتابع سير العمل بنفسه من آن لآخر بشكل مفاجئ، وأنه لو وجد أن العمل متوقف فسوف يخرب بيت الكل". استمعت لهذا الهراء، وسألت سؤالاً منطقياً وحيداً: "هم الجماعة دول حيهببوا ايه من غير لوحات؟"، فقالوا لي بشكل منفرد إن التعليمات صدرت لهم "انهم يمشّوا اللوادر والعربيات في الصحراء كدة عشان يعملوا عفرة وتراب، فلما الباشا يطب عليهم بالطيارة يبان إنهم شغالين"، أقسم بشرفي أن هذا حدث.

بعد هذا الاجتماع المسخرة، أصدر الباشا أوامر للمقاولين بتوريد مبلغ تعاقدي بما يشبه العربون للمكتب، وأعطى لنا كلمة كمكتب استشاري، على طريقة "على رقبتي"، وبعد هذا الاجتماع قال إننا سنحصل على باقي أتعابنا الخاصة بهذه العملية، وأظن الشيء نفسه حدث مع المقاولين، وبدأنا نحن في تجهيز لوحات المشروع، وهنا بدأ العمل.

أسبوع كامل عملنا فيه ليل نهار، أخرجنا عدداً مهولاً من اللوحات التصميمية، تجاوز المائة لوحة، لكن مشروعاً بهذا الحجم يلزم له وقت أطول للمراجعة، لا توجد أبداً أي عملية استشارية يتم تنفيذها بلوحات "لسه طالعة امبارح"، هذا هو الكلام الفارغ بعينه، لكن بطبيعة عملي في المكتب، لم أكن صاحب قرار. من يملك القرار هو صاحب المكتب أو "صاحب الطابونة"، كما أحب أن أسميه، وبالمناسبة صاحب المكتب هو أحد شياطين الأنس على الأرض، ومن الممكن أن تفرد له عدة كتب عن قلة الضمير وخبث التعامل، وهو أيضاً كان موظفاً كبيراً سابقاً في الدولة، وهذا هو سر علاقاته وحصوله على هذه العملية، ليس لكونه قوياً فنياً، ولكن لأنه صاحب علاقات و"لسان حلو"، كما يقولون، لكن ما علينا.

أرسلت في طلب المقاولين للاستفسار عن بعض الأمور الفنية لأتفاجأ أن العمل بدأ وأنهم بدأوا فوراً في التنفيذ، وقام الباشا الأصغر المناوب بعمل مجموعة على "الواتساب" يتابع فيها سير العمل وأضافني لها. طبعاً كان هذا يدل على استهتاره بي وبالمكتب ككل، فلو أن العمل بدأ بدون لوحاتنا فما الهدف من وجودنا بالأساس؟ أيضاً عرفت أن الهدف من الجروب ليس التواصل، وإنما أن يقوم الباشا المناوب بشد أي مقاول متراخي "من ودانه"، على "كام زعيقة أو شخطة" من آن إلى آخر، "وماله برضه، ما يضرّش".

اختصاراً لتفاصيل كثيرة، اكتشفت بعد حلول منتصف العملية، أن المقاولين شغالون بدون لوحات تقريباً، ولأن المشروع له علاقة بالبنية التحتية، "فاللي عايز يعمل حاجة حيعملها حتى لو كانت كلها بلاوي، لأن كله بيتدفن تحت الأرض، ولو انت جدع تعالى راجع ورايا"، وأظن أن هذا الكلام حصل بشكل أو بآخر بتواطؤ من الباشوات، لأن موعد التسليم قد اقترب، "والباشا الكبير أوي عايز يفتتح المشروع في 30 يونيو، ده لأنه بيحب يستلم في 30 يونيو، هو كده، وتمام يا فندم وكام صورة من فوق بالدرون، وطوبة فوق طوبة نبني والكلام الفارغ ده كله، ولا من شاف ولا من دري".

قالوا لي إن التعليمات صدرت لهم "إنهم يمشّوا اللوادر والعربيات في الصحراء كدة عشان يعملوا عفرة وتراب، فلما الباشا يطب عليهم بالطيارة يبان إنهم شغالين"، أقسم بشرفي أن هذا حدث

طبعاً لأني معني بالكلام ده بشكل كبير، ولأن ضميري نقح عليا" وقتها، "قمت رازع كلمتين مش حلوين عن التهريج ده كله قدام ممثلين عن المالك"، والمالك هو أحد الشركات القابضة التابعة لإحدى الوزارات، ولأنهم "عالم سوّ طبعاً، تم الوشاية بي وبكلامي عند الباشا الأصغر المناوب، بعدها بكم يوم لقيت تليفوني يرن الساعة السابعة صباحاً لأجده هو المتصل، رديت قولت آلو، وكلمة آلو كانت الكلمة الوحيدة اللي قلتها، الكلام الباقي كله كان تعنيف قوي بخصوص كلامي الأخير، ولما حاولت وقتها الكلام والرد لقيته قفّل المكالمة بسرعة وانتهت المكالمة، ومن ساعتها كلمته فوق الـ 20 مرة مثلاً على مدار أسبوع كامل وهو لا يرد"، وهنا فهمت اللعبة: "الباشا الكبير والباشا الصغير وكل الباشوات بيلبسوا طواقي للكل، إنت عايز مني فلوس؟ لو حبيبي حأديك منها شوية، انما لو ما تلزمنيش حألبّسك مصيبة، وساعتها يا حتقعد ساكت وتنسى فلوسك يا إما حنقعدك في بيتك"، لا تنس أنهم هم المسيطرون على كل المقاولات، ولو حطوا حد في دماغهم أكيد مش حيشتغل تاني، هذا هو الواقع حالياً، ولك أن تتخيل أنه حتى وقتنا هذا لم نحصل على ما يعادل نسبة 15% من مستحقاتنا على أقصى تقدير، ناهيك عن أن العملية كان لها جزء ثان مشابه في مرحلة أخرى، ولكن لم يتم استدعاؤنا مرة أخرى، وذلك على الرغم من كوننا من أكبر الملمين بتفاصيل هذا المشروع.

أحب أن أنوّه أني امتلك محاضر الاجتماعات ورسائل مجموعة الواتساب الخاصة بهذه الواقعة، لكن المشكلة ليست في محاضر الاجتماعات ولا رسائل الواتساب، المشكلة أنهم حذرون للغاية وكل مصائبهم كانت إما في مكالمات تليفونية منفردة أو في كلام شفهي لا يتم إدراجه في أي محاضر تنسيقية، لكن تظل هناك حجّة واحدة داحضة يمكن اللجوء لها حين يحين الوقت المناسب، ألا وهي مطابقة اللوحات الاستشارية بما تم تنفيذه على أرض الواقع، وأنا أملك اللوحات وأعرف ما تم تنفيذه على أرض الواقع، وأظن أن ما يحدث في كل عملياتهم هو نسخة كربونية طبق الأصل مما حدث في العملية التي أشرفت عليها.

بالمناسبة، الشركة المالكة للمشروع استلمت المشروع بالكامل وبدون إبداء أي ملاحظات على قدر علمي، وحين سألت لماذا تم استلام هذا التهريج؟ قالوا لي إن العضو المنتدب في الشركة القابضة إياها لا يملك إلا أن يوافق على الاستلام، وإلا سيتم إقالته من مكانه في اليوم التالي مباشرة، ناهيك عن كونه مستفيداً من هذه الهرجلة، وذلك لأنه رجل ذو ذمة واسعة بعض الشيء، باختصار، المالك متواطئ والاستشاري مغلوب على أمره والمقاولون إما بين هذا أو ذاك.

من ضمن الأشياء التي عجبت لها هي المبلغ المرصود للعملية برمتها، طالما المالك تابع لأحد الوزارات، إذن الفلوس موجودة، يبقى ليه أنا ما خدتش فلوسي؟ بالمناسبة، مستحقات الاستشاري تكون غالباً نسبة بسيطة من المبلغ المرصود للعملية، ويتراوح غالباً لبعض الأجزاء من الألف من كامل المبلغ المرصود للعملية، على سبيل المثال، لو المبلغ المرصود للعملية هو مليار جنيه، ستجد أن حصة الاستشاري 2 أو3 مليون جنيه، فلو تم صرف المليار بالفعل، فأين مستحقاتنا؟ هنا يظهر دورهم بقوة، لا تنس أنهم حلقة الوصل بين جميع الأطراف، فلو تم صرف أي مبالغ من المالك، هم من يستلمون المبالغ ويقومون بعمل المستخلصات للمقاولين، وبالتبعية، من المفترض أن نحصل نحن على مستحقاتنا، ولكن عندما سألت اكتشفت أن معظم المقاولين فلوسهم إما كانت منقوصة إلى حد مرعب، أو أنهم لم يتقاضوا شيئاً من الأساس، وأما نحن، فقد اكتفوا بإرسال دفعة التعاقد لنا فقط، والباقي كان أشبه بالشحاتة، وهذا الباقي الذي تم إرساله كان من المقاولين المغلوبين على أمرهم، أما المقاولون "اللي على الحجر"، كما يقولون، كانوا يكتفون بتصدير البهوات لنا، والبهوات ما بيردوش على التليفون، فنكلم المقاولين مرة أخرى، فيصدّروا البهوات لنا مرة أخرى، وتتكرّر هذه الدورة الى أن تفقد الأمل أو أن تفقد كرامتك، أيهما أقرب.

نسيت أن أذكر لحضرتك، بكمالة العك يعني، أننا كنا استشاري المالك واستشاري المقاولين في آن واحد، في مخالفة صريحة لأبسط قواعد الهندسة، فمن يشرف على المقاول لا يصح أن يكون استشارياً له، وذلك لأني لن أجرؤ على محاسبته عند وجود أخطاء تنفيذية - وما أكثرها - وهو من يدفع لي مستحقاتي، لكن وقتها تم الاتفاق على أن نكون مصمّمين فقط ولا نشرف على التنفيذ، أي أن هذه العملية تم تنفيذها بالكامل بدون إشراف من الاستشاري، إنما بإشرافهم فقط، وهذا هو بيت القصيد، هم يريدون أن يصبحوا الكل في الكل، إشرافاً وتنفيذاً وصرفاً للأموال أيضاً. باختصار، هذه العملية اختلط فيها الحابل بالنابل، فلا تعرف لنفسك دوراً محدّداً أثناء مراحل العملية وحتى الانتهاء منها.

لكن بعد تفكير، فهمت أننا أدينا دورنا المرسوم لنا بامتياز، هم أرادوا فقط اللوحات التصميمية المطلوبة للمشروع لرميها في الأدراج فيما بعد، سد خانة زي ما بيقولوا، ولكن عند التنفيذ ستجد العجب العجاب، على حد وصف الباشا الكبير أوي، فلا يوجد أي مطابقة بين لوحاتنا وبين ما تم تنفيذه على أرض الواقع، واستكمالاً لما يغيظ ويحرق الدم، أن ما تم تنفيذه مكلف جداً بالفعل، فماذا سيكلفكم الأمر لو نفذتم العملية طبقاً للوحات؟ لكن بتغاضيهم عن اللوحات سيتم إغفال بعض البنود الهامة، وبالتالي ستظهر بعض الأموال المرصودة كزيادة، وسيادتك تعرف بالتأكيد ما هو مصير هذه الأموال الزائدة، لا تنس أننا نقوم بعمل مقايسة كمية وسعرية في بداية المشروع، أي أن المبلغ المرصود معروف بالفعل قبل تنفيذ العملية، وهنا أتذكر مصيبة أخرى حدثت في أول المشروع.

حدث ذلك عندما قمنا بإعداد المقايسة الكمية والسعرية للمشروع، ووجدنا أن المشروع سيكلف ما يتجاوز المليار جنيه بقليل، وتم تسليم هذه المقايسة للمالك وقتها، والمالك لديه أطقم خبيرة في تنفيذ هذا النوع من العمليات، وذلك لخبرة الشركة بحكم تخصصها وكوادرها، لكن ظهر البهوات في الصورة وقاموا باقتراح عرض آخر للأسعار يماثل ثلث المبلغ الذي قمنا باقتراحه، طبعاً أخذنا جميعاً نضرب كفاً على كف، فثلث المبلغ لن يكفي لتنفيذ العملية أبداً، ولكن لأن الورق ورق، تم الموافقة على عرضهم، وبالتالي تم ترسية أعمال التنفيذ عليهم، وللعجب، عندما تم الانتهاء من التنفيذ، وصل المبلغ الذي تم صرفه لأكثر من المبلغ الذي قمنا نحن برصده من الأساس، أي أن الموضوع كان أشبه بالتطفيش لعرضنا والسلام، كل هذا كان يحدث تحت سمع وبصر كل الأطراف، المالك والمقاول والاستشاري، لكن لا أحد يجرؤ على محاسبتهم بالطبع، بل أنه لا أحد يجرؤ على الكلام من أساسه، وإلا سيصبح في حكم المنبوذ والمطرود من جنة أعمالهم وعملياتهم القادمة، كما حدث معي أنا.

ها أنا ذا أكتب لك كل هذا وأنا هارب في الغربة، بعيد بآلاف الأميال عن أهلي وأمي وزوجتي وأبنائي، ولا أملك لهم نفعاً ولا ضرّاً، والسبب معلوم، الديكتاتورية والفساد والجهل، مثلث قاتل لأي أمة ولأي شعب.

فهمت اللعبة: "الباشا الكبير والباشا الصغير وكل الباشوات بيلبسوا طواقي للكل، إنت عايز مني فلوس؟ لو حبيبي حأديك منها شوية، انما لو ما تلزمنيش حألبّسك مصيبة، وساعتها يا حتقعد ساكت وتنسى فلوسك يا إما حنقعدك في بيتك"

عندما انتهيت من معظم إجراءات سفري لخارج مصر وتبقى على ميعاد السفر بضعة أيام، شعرت بغصة في الحلق وانقباض في الصدر لا مثيل لهما من قبل، وذلك على رغم أني أدرك تماماً أهمية السفر، وأن الوضع الحالي، أثناء بقائي في مصر، لو استمر لمدة شهرين إضافيين، لكنت أشهرت إفلاسي في الجرائد أو تم القائي في السجن أو مستشفى الأمراض العقلية، أيهما أقرب، لكن للأسف، يبدو أن بداخلي جينات مصرية أصيلة صعب الفكاك منها بدون أضرار نفسية، ناهيك عن الألم المتوقع - والذي بدأ ينخر فيّ بالفعل - من فراق الأهل والأصحاب، العزاء الوحيد هو أنني استطعت أن أراوغ فكرة السفر وتنفيذها لمدة تقارب اثني عشر عاماً، واستطعت البقاء بجانب أمي وزوجتي وأبنائي طوال هذه الفترة، لكن يبدو أن الحين قد حان للتغيير، وكل ذلك رغماً عني.

أسترجع الوضع الحالي في مصر، ولا أدري ما الذي يمكن أن أقوله عن بلد مظلوم بأهله وموقعه على الخريطة، وتحكمه عصابة من الجهال، ويتم إفساده ليل نهار من أيام البطالمة، والشعب فقير ومريض وجاهل وفاسد وأونطجي بالفطرة أيضاً، أما من يحكم ويأمر وينهي فقد قرّر العبث في كل الأزرار الخاصة بمقدرات هذا البلد، فلم يترك شيئاً واحداً في مكانه الصحيح، يكفي أن تعرف أنني جرّبت كل شيء ممكن ولم أفلح، كان يهيأ للمرء أن بمجرد حصوله على درجة الدكتوراه فسوف يستريح باله ويطمئن قلبه، ليبدأ في فعل كل ما كان يريد فعله أثناء فترة الدراسات العليا، ولم يكن يستطع فعله لضيق الوقت، إلا أنه، وبعد انتهائي من درجة الدكتوراه، اكتشفت أن فترة الماجستير والدكتوراه كانت حُجةً قويةً لإخفاء أي خيبة حقيقية في مجال العمل الخاص، إما في مجال الاستشارات أو مجال التدريس، فما إن انتهت هذه الفترة حتى اصطدمت بالواقع المرير، وهو أن مجال الاستشارات مليء بالفساد والفسدة والمرتشين والجهّال وأصحاب النفوذ والنفوس المريضة في آن واحد، أما الجامعات الخاصة والأهلية والتكنولوجية والمهلبية - سمها ما شئت - فكلها تنتج من بوتقة واحدة، ألا وهي الجامعات الحكومية، وذلك لأن أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية هم النواة لأي جامعة أو معهد خاص، "وكل واحد بيجيب صحابه"، فلو لم تكن كثير العلاقات والمعارف ستظل محلك سر، طبعاً غني عن الذكر أن أشير إلى مرتبات أعضاء هيئة التدريس فهي التهريج مجسّد في صورة مرتب، ويكفي أن تعرف أيضاً أن مرتب المدرس حالياً في أي جامعة حكومية لا يتجاوز ثمانية آلاف وخمسمائة جنيه على أقصى تقدير، وطبعاً لو قمت بتحويل هذا المبلغ للدولار على سبيل المثال فلن تجده يتجاوز الثلاثمائة دولار أبداً.

إن من يقرر العمل كأستاذ جامعي في مجتمع جاهل يحكمه الحمقى ويبسط سيطرته فيه الأونطجية والجهّال واصحاب النفوذ ومرضى النفوس، هو كمن قرّر بشكل تلقائي أن يضع نفسه كهدف تصويب لكل أسهم هؤلاء، فلا يناله أي تكريم أو تقدير، اللهم إلا بعض المنظرة الفارغة والقليل من الاحترام الذي يشوبه الشفقة، ولا مانع عندما يتقدم في السن أن يتحول ليصبح ما يسمى بالكائن "البركة"، وهو هذا المجذوب أو ذاك الذي يقول كلاماً مهمّاً بحق، ولكن للأسف لا يسمعه أحد، وإحقاقاً للحق، ربما ينال بعض مصمصمة الشفاه في الاجتماعات الأسرية على فترات متباعدة، وخصوصاً في بلد يعتبر رئيسها أن دراسات الجدوى والتصاميم وخلافهما كلام فارغ ومضيعة للوقت، فما دورنا إذن؟ ولعلك تتذكر عندما أستهزأ البيه الكبير أوي بمحافظ الإسكندرية السابق أمام حشد من المسؤولين في إحدى تلك المؤتمرات التي لا تنتهي، وذلك عندما سأله عن الوقت اللازم لنقل وكالة الخضراوات من منطقة كابو على محور المحمودية الى منطقة أم زغيو، فعندما رد المحافظ ان الموضوع لا يزال قيد الدراسة، رد عليه فوراً وقال له نصاً: "إنت لسه حتدرس؟"، وقام بعدها بمدة وجيزة بعزله من منصبه، لا تنس أن هذا المحافظ كان عميداً لكلية الهندسة قبل أن يشغل وظيفة المحافظ، وحالياً هو رئيس جامعة الإسكندرية.

إن النجاح في أن تصبح محترماً وسط مجتمع فاسد أصعب بألف مرة من أن تصبح فاسداً وسط مجتمع محترم، إن من ينأى بنفسه عن القذارة على كثرتها خيرٌ ممن قرّر أن يلوث نفسه بها طواعية، ولكي تعيش سالماً في مصر يجب أن تكون على الحياد مثل مقدم البرامج الكروية الأكثر مللاً، وأن تحلم بملعب بلا مرميين، فلا يسجل في أيهما أية أهداف، ولكن لأن العبد لله مسحوب من لسانه منذ الصغر، فقد قمت بكتابة عدة منشورات على فيسبوك تعبر عن رأيي في عدة قضايا، منها السياسية ومنها الاقتصادية، وكثير منها له علاقة بالمشروعات القومية، ولك أن تتخيل أستاذي الكريم أنني قد تم إكراهي على غلق حسابي على فيسبوك من تحت رأس منشور تافه قمت بكتابته بعد مروري على أحد المحاور الجديدة، والتي قام البيه الكبير أوي بافتتاحها مؤخراً، لأتفاجأ وقتها أن الطريق لا يزال تحت الإنشاء، وأنه يتوجب علي السير بسيارتي في طريق مليء بالحفر والدبش، وسط سحابة لا تنتهي من الغبار وبطول يصل الى عشرين كيلومتر وبدون وجود أي إمكانية للرجوع للخلف، وعندما رجعت لبيتي بعد مدة كبيرة نسبياً من تحت رأس هذا الطريق الجديد، قمت بكتابة منشور على فيسبوك، أنصح فيه مدير هذا المشروع بتعليق لافتة على أول الطريق، تحذر جميع الداخلين له أن الطريق لا يزال تحت الإنشاء، فقط لا غير!! ولحظي العاثر كالمعتاد، لا أعلم كيف وصل هذا المنشور لمدير هذا المشروع، ولكن ما حدث أن مدير هذا المشروع، وهو ذو رتبة عسكرية كبيرة، استدعى أحد زملائي في القسم، والذي كان يعمل معهم في مجال الاستشارات، وأخبره نصاً أنه: "ناوي يوديني ورا الشمس"، ولولا توسط زميلي هذا عنده لكنت وراء الشمس حالياً، ومن وقتها، أغلقت فيسبوك تماماً.

أسترجع الوضع الحالي في مصر، ولا أدري ما الذي يمكن أن أقوله عن بلد مظلوم بأهله وموقعه على الخريطة، وتحكمه عصابة من الجهّال، ويتم إفساده ليل نهار من أيام البطالمة، والشعب فقير ومريض وجاهل وفاسد وأونطجي بالفطرة أيضاً

المفاجأة هنا أن آرائي السياسية والاقتصادية، بل وحتى الهندسية، لم تكن تغضب الطغاة فحسب، وإنما كانت تغضب المنافقين للطغاة والمنتفعين من الطغاة والمتسلقين على أكتاف الطغاة حتى يصبحوا طغاة، وهذه الحفنة من البشر قد قامت بتأدية دورها في وأد آرائي السياسية وغير السياسية بامتياز. جربت بعدها شيئاً آخر، وهو أن ألتصق بأحد الكبار طلباً للحماية ودفعاً للأذى، لكن في مثل هذا الموقف يجب عليك أن تتحمل دور الشماشرجي الخاص به وأن تؤديه بامتياز، وفي حالتي أنا كان أحد الكبار هو صاحب المكتب الاستشاري إياه الذي كنت أعمل معه، وهو كما قلت سابقاً موظف كبير سابق في الدولة، المشكلة هنا أنه أفّاق مدلس، كذوب متصنع، فاسد ومفسد، بخيل وجلدة، وذو ناب أزرق، كما أنه "بتاع بنات" أيضاً، فإن كان عليّ تأدية دور الشماشرجي لمثل هذا النوع من البشر، فقل عليّ وعلى الدنيا السلام.

حاولت بعدها أن أنأى بنفسي عن أي نقاشات أو جدالات بيزنطية لا تنتهي، ولكن يبدو أن أحد أجدادي يقرب للأخ هرقل ذات نفسه، فما إن أبدأ أي حديث حتى أنهيه بلعن سنسفيل البلد واللي جابوها، باختصار، كنت في انتظار أي كارثة أن تحدث، إما أن يتم إلقاء القبض عليّ بسبب أحاديثي، وإما أن أصيب بلوثة أو أجن.

في مصر، عليك أن تتعلم ألا تعبّر عن رأيك أمام أي جمع مشكوك في نزاهته، وإلا قضيت على نفسك بنفسك، وأغرقت نفسك في رمال متحركة لا فكاك منها، إن من يتحدث اليوم بصراحة فهو أمام أحد خيارين: إما أنه خارج البلاد فيتحدث وهو على أرض صلبة ورخوة في آن واحد، وإما أنه يقبع في السجن غير مأسوفاً عليه اللهم الا من أهله، لا خيار ثالث، يكفيك أن عدد المنافقين والمنتفعين والأفاقين والمدلسين والكذوبين أكثر مما يمكن تصوره.

*****

نكمل هذه الشهادة الأسبوع القادم بإذن الله.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard