شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
قناوي وشقراوتان غامضتان وجثامين مجهولة في كابوس واحد!

قناوي وشقراوتان غامضتان وجثامين مجهولة في كابوس واحد!

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

لم يكن للشاب القناوي والشقراوتين الغامضتين والجثامين المجهولة علاقة مباشرة ببعضهم البعض، ومع ذلك لم أستغرب رؤيتهم سوياً في كابوس واحد.

أما الشاب القناوي، فهو الوحيد الذي سبق أن رأيته على أرض الواقع في يوم من أيام ميدان التحرير التي أعقبت موقعة الجمل في شباط/ فبراير 2011. كنت يومها أقف بعيداً عن صخب المنصّة الرئيسية، أتحدث مع المخرج الكبير يسري نصر الله، حين اقترب منا ذلك الشاب ليلقي السلام، معرّفاً نفسه بأنه "واحد من شباب الإخوان من محافظة قنا"، مضيفاً بفخر أنه واحد من الذين حموا الميدان بأرواحهم يوم موقعة الجمل، إلى جوار شباب الألتراس والاشتراكيين الثوريين ومئات من المواطنين العاديين، ثم قال متودّداً ليسري: "مش حضرتك برضه الأستاذ داوود عبد السيد؟"، فقال له يسري ساخراً: "هو أي حد شكله قرد يبقى داوود عبد السيد".

ضحكت أنا ويسري بشدّة، وارتبك الشاب لأنه لم يفهم سخرية يسري اللاذعة، فصحّحت له المعلومة وعرفته بيسري، ولأنني استبعدت أن يكون قد رأى "باب الشمس" أو "جنينة الأسماك" أو "سرقات صيفية"، سألته عما إذا كان قد رأى فيلم "مرسيدس" أو شاهد فيلم "اسكندرية كمان وكمان" ليوسف شاهين الذي ظهر فيه يسري وكان مساعداً في إخراجه، فقال الشاب القناوي محرجاً إن معلوماته السينمائية ضعيفة، ثم تشجّع واعترف بأنه لم يشاهد فيلم سينما منذ سنوات، وأن كل علاقته بالسينما اقتصرت على بعض أفلام الأبيض والأسود التي كان يشاهدها في صباه.

حكى لنا الشاب القناوي بحماس كيف قام الميدان بتغيير كثير من قناعاته، وأنه لم يكن يتصوّر في يوم من الأيام أنه سيشعر بتقدير واعتزاز كبيرين نحو فتيات غير محجبات، رآهن يقمن بمواقف بطولية في جمعة الغضب وموقعة الجمل "ولا ميت راجل"

قلت له مداعباً: "قبل الهداية؟"، فردّ محرجاً: "يعني الواحد ناوي بعد ما ربنا يخلصنا من مبارك إنه يغير حاجات كتيرة، وأولها إني مش هاسيب حد شفته في الميدان، كاتب كان أو ممثل أو مخرج، إلا لما أقرا شغله أو أشوف أفلامه"، ثم قال بحماس إنه رأى الدكتور علاء الأسواني بالأمس في الميدان، وسلّم عليه ووعده أنه سيقرأ رواياته، لكنه قال له إنه لن يستطيع أن يشاهد فيلم "عمارة يعقوبيان" لأنه لا يحب عادل إمام، فقلت ضاحكاً إن عليه ألا يستعجل في الحكم، فربما رأى عادل إمام في الميدان اليوم أو غداً، فصمت قليلاً ثم قال ضاحكاً: "لو جه يبقى خلاص، اعرف إن حسني غار في داهية وساعتها هاشوف كل أفلامه والله".

حكى لنا الشاب القناوي بحماس كيف قام الميدان بتغيير كثير من قناعاته، وأنه لم يكن يتصوّر في يوم من الأيام أنه سيشعر بتقدير واعتزاز كبيرين نحو فتيات غير محجبات، رآهن يقمن بمواقف بطولية في جمعة الغضب وموقعة الجمل "ولا ميت راجل".

قال له يسري معاتباً: "يعني لازم تحط التاتش بتاع ولا ميت راجل في الآخر برضه"، لم يفهم الشاب القناوي وجه الاعتراض، وأخذ يحدثنا كيف استمع منذ قليل إلى فتاة غير محجبة، تتحدث ببراعة وشجاعة على المنصة، وأنه ذهب إليها وشكرها واعتذر لها لأنه كان قبل ذلك ينظر بعدم تقدير إلى أي فتاة غير محجبة، وأنه يعدها بعدم تكرار ذلك الخطأ مرة أخرى.

لم يستمر حديثنا طويلاً، بعد أن قاطعه قدوم أصدقاء كنا ننتظرهم، ولم يتكرّر لقائي بالشاب القناوي، لكنني استعدت أكثر من مرة حديثه عن خططه الثقافية والفنية التي ينوي تنفيذها بعد خلع مبارك، وعلى رأسها مشاهدة أفلام وقراءة كتب كل من رآه في الميدان، وتساءلت هل قام بتنفيذها، أم أنه سرعان ما شارك إخوانه في تغيير رأيهم فيمن كانوا معهم في الميدان من مثقفين وفنانين وسياسيين، حين بدأوا يهاجمون نذالة الإخوان وسعيهم للتصرف بوصفهم قوة منتصرة منفصلة عمن كان معهم في الميدان؟

حين رأيت الشاب القناوي في الكابوس، كان بصحبته سيدتان لم أقابلهما شخصياً من قبل، لكنني رأيتهما قبل عشرة أعوام في فيديو من أكثر الفيديوهات انحطاطا وبؤساً.

هل شارك قائده الخارج من السجن حديثاً، خيرت الشاطر، الرأي، في أن من الأوفق والأفضل للإخوان أن يكونوا جزءاً من التحالف الذي حمل عنوان "التيار الإسلامي العام"، ليصبح موقفهم أقوى خلال التفاوض مع المجلس العسكري على تقاسم السلطة، أم أنه كان من بين الشباب الذين أغضبهم ذلك فخرجوا عن طوع جماعة الإخوان وانضموا إلى أحزاب أخرى أو فضلوا الاستقلال الفكري والسياسي؟ أم أنه وجد ذلك الاختيار فوق احتماله وقدراته، واختار أن يستمر مع الجماعة حتى النهاية؟ وهل ظل على موقفه المحترم والمقدر لمن كانوا شركاء له في الميدان، أم أنه تأثر بما أصبح يوجه إليهم من اتهامات ظلت حدتها تتصاعد من مفترق طرق إلى آخر حتى وصلت إلى حد إراقة الدماء حول قصر الإتحادية؟ هل وجد نفسه في لحظة ما في مواجهة مع رفيق ميدان وهل حاول أن يفتك به تنفيذاً للتعليمات أو غضباً للنفس؟

في مراحل لاحقة أكثر سواداً ودموية، تذكرت الشاب القناوي وتساءلت: هل قرّر أن يترك الإخوان في مرحلة ما حين شعر أنهم تجاوزوا حدودهم في السعي نحو امتلاك سلطة ظنوا أنها ستدوم، أم أنه ظل حتى النهاية يكنّ العداء للراغبين في الإطاحة بالرئيس الإخواني الذي لولا ما عصره كثير منهم من ليمون عليه في صندوق الانتخابات، لم يكن ليصل أبداً إلى كرسي الحكم؟

هل صدق الشاب القناوي ما كان يُقال له من قادته ووسائل إعلام جماعته عن عداء شركاء الميدان للمشروع الإسلامي وليس للرئيس والجماعة فحسب؟ ألم يجد في ذلك تناقضاً مع الطريقة التي كنا نتعامل بها سوياً في التحرير؟ وهل شارك في اعتصام النهضة أو اعتصام رابعة أو غيرها من الاعتصامات والمظاهرات التي ربما تم تنظيم إحداها في مدينته؟

هل نجا من القمع الوحشي الذي تعرّضت له تلك الاعتصامات والمظاهرات، أم أنه دفع حياته أو حريته أو أمانه ورزقه ثمناً لإصرار قادته على تصعيد منفلت وغير محسوب لم يتصوروا أنه سيساعد على قمعهم بذلك الشكل؟ هل قرّر بعد كل ما تعرّض له من قمع أن ينضم إلى حركة مسلحة من الحركات التي ارتكبت بعض الأعمال الإرهابية، أم أنه قابع الآن في سجن ما يحلم بالانتقام أو يتمنى الخلاص وخلاص؟

ليس لدي شك أن هذه الأسئلة أو ما يشبهها قد راودت أذهان من عرف بعض شباب الإخوان خلال أيام التحرير الأولى، وليس لدي شك أن أسئلة مماثلة أو معاكسة قد دارت في أذهان الشاب القناوي وزملائه من شباب الإخوان، الذين تأثروا بما جرى في التحرير، على الأقل في الفترة التي سبقت وصول الاستقطاب الحاد إلى ذروته، ليصبح قطيعة لا رجوع بعدها إلى أي نقاط التقاء أو حوار، وهو ما سيتفق الجميع على كونه أمراً مؤسفاً، لكنهم قطعاً سيختلفون في تفسيره، بل وسيراه بعضهم عصياً على التفسير، وهو ما لا أتفق معه، لأنني أرى أن ما حدث منذ لحظة خلع مبارك ليس أمراً يستحيل فهمه، أو يمكن إرجاعه فقط إلى مؤامرات خارجية أو داخلية، بل كان أمراً حتمي الحدوث، بسبب سيطرة عقلية خيرت الشاطر على جماعة الإخوان، وهي عقلية كانت منذ البداية متشككة في ميدان التحرير أو رافضة له، ولم تفهم ما جرى فيه، لذلك قرّرت أن تحوله إلى وسيلة استثمار للضغط السياسي ونيل المكاسب السياسية التي ظنها طويلة المدى.

حين رأيت الشاب القناوي في الكابوس، كان بصحبته سيدتان لم أقابلهما شخصياً من قبل، لكنني رأيتهما قبل عشرة أعوام في فيديو من أكثر الفيديوهات انحطاطا وبؤساً، على كثرة ما شاهدت خلال هذه السنين من فيديوهات حافلة بالانحطاط والبؤس، اختارت له صحيفة "أخبار اليوم" الحكومية التي نشرته عنواناً هو "شقراوتان غامضتان تدافعان عن الإخوان"، وبغض النظر عن التزام ناشر الفيديو بقواعد النحو، فإن اختياره للعنوان كشف عن تشرّبه لمنقوع نظرية المؤامرة، وإلا لما تصور وجود شقراوات غامضات من عينة سونيا جراهام بطلة روايات "رجل المستحيل"، تم إنزالهن إلى شوارع القاهرة في مهام خاصة للدفاع عن جماعة الإخوان.

أرى أن ما حدث منذ لحظة خلع مبارك ليس أمراً يستحيل فهمه، أو يمكن إرجاعه فقط إلى مؤامرات خارجية أو داخلية، بل كان أمراً حتمي الحدوث، بسبب سيطرة عقلية خيرت الشاطر على جماعة الإخوان، وهي عقلية كانت منذ البداية متشككة في ميدان التحرير أو رافضة له

حين تشاهد الفيديو الذي ظل لسنوات متاحاً على موقع الصحيفة الحكومية وأحتفظ بنسخة منه، يتضح أن "الشقراوتين الغامضتين" ليستا سوى سيدة ستينية ومن تبدو أنها ابنتها العشرينية، قرّرتا، في لحظة غير محسوبة الدوافع، أن تنزلا إلى الشارع في خريف 2013، عقب حادثة إرهابية ما، لإدارة حوار عبثي مع جمع من المواطنين الغاضبين في أحد شوارع القاهرة.

لم يفكّر مراسل الصحيفة في سؤالهما عن هويتهما أو عمّا دفعهما للنزول إلى الشارع في لحظات شديدة التوتر، بل بدأ الفيديو بالأم وهي تقول للكاميرا: "لأ الناس دي أكيد هيلزقوا أي حاجة للإخوان، وده مش الحل هنا في مصر"، ليسألها المراسل بلهجة بوليسية: "انتي من وجهة نظرك شايفة مين المتسبب في الحادثة؟"، فترتبك من نبرة السؤال ومن النظرات المتحفزة التي يوجّهها المحيطون بها، وتقول: "ما نعرفش مين المتسبب، أي حد ليه مصلحة في الموضوع ممكن يكون متسبب، ممكن الموساد الإسرائيلي، ممكن اللي بيحصل في العراق وسوريا وكل الحتت دي، مين ده، الإخوان كلهم؟ لازم يكون في أمريكا داخلة، وإسرائيل داخلين وبعض الإخوان داخلين ماشي، وأي حد داخل، إحنا أهم حاجة نصوب غضبنا على اللي عمل كده فعلاً، مش أي حاجة الإخوان الإخوان".

تتعالى تعليقات غاضبة من بعض المحيطين بها رفضاً لما قالته، فتقرّر ابنتها أن تأخذ الكلمة لتخفيف الضغط عنها، برغم عدم توقف الأم عن الحديث بانفعال ويدور هذا الحوار:

البنت: عامة المشكلة دي مش بس في مصر، أي بلد عربية، مشكلتنا المصريين بيبصوا على مصر فقط، هي أكتر من كده، ليبيا، عراق، سوريا.

المراسل: يعني انتي شايفة إنه مخطط كبير جداً؟

البنت: طبعا مخطط كبير جداً.

(تعود الأم بعد لحظات من الصمت للحديث، فيوجّه المراسل نحوها الميكروفون)

الأم: إنما مش كل حاجة الإخوان الإخوان، يا جماعة احنا بلد واحدة وشعب واحد، لو فرقونا عن بعض إحنا هنوقع مع بعض.

(يتدخّل مواطن غاضب لمقاطعتها)

المواطن: هما عملوا إيه؟ هما فرقونا خلاص؟

الأم: اللي غلط يتقطم رقبته، أنا ما بادافعش عن حد.

المواطن: لحد امتى هنستحملهم بقى؟

الأم: المهم ما نقولش كل حاجة إخوان.

المواطن: يعني نستحملهم لحد ما الناس دي كلها تموت؟

مواطن ثاني: الإخواني الصح ما ينزلش ويعمل مسيرة.

الأم: ما احنا ما نعرفش مين اللي عمل كده؟

مواطن ثالث: كل ده وما نعرفش؟

الأم: على أساس إن الناس اللي ظلمونا تلاتين سنة كلهم بره السجن.

مواطن رابع: طب واللي ظلمونا جوه ودلوقتي بيموتوا الناس، لحد إمتى؟

الأم: اهدا، إهدا بس، عشان نعرف نفكر.

مواطن خامس: الناس دي ما فيش معاها تفاهم خلاص.

عرضت صفحة قناة "صدى البلد" على فيسبوك، فيديو يوثّق قيام موظفي محافظة القاهرة بدفن 35 جثة مجهولة في مقابر الصدقة، لم يتسلّمها أحد منذ مذبحة رابعة

ينقطع الحوار بعد عبارة المواطن الرافض للتفاهم، لنرى الأم وابنتها وهما تسيران مسرعتين، وخلفهما ما يشبه الزفة التي يشارك فيها المواطنون الرافضون للتفاهم، والذي قرّر بعضهم التصعيد ضد "الشقراوتين الغامضتين" بعبارات من نوعية: "اسفخص عليكي يا شرموطة... يالله يا عملاء... يالله يا ولاد الكلب يا خولات يا كلاب"، وينتهي الفيديو بعبارة يطلقها مواطن حكيم لم يعجبه المشهد، وجّهها نحو المراسل قائلاً: "ما تصورش حاجة خلاص كده".

كان ذلك المشهد الحزين آخر عهدي بـ "الشقراوتين الغامضتين" اللتين لم أرهما ثانية إلا في الكابوس، بصحبة الشاب القناوي وجثامين ملفوفة بأكفان بيضاء لا أعرف أصحابها بالطبع، لكنني شاهدتها من قبل في يوم لعين من أواخر أيام عام 2013، حين عرضت صفحة قناة "صدى البلد" على فيسبوك، فيديو يوثّق قيام موظفي محافظة القاهرة بدفن 35 جثة مجهولة في مقابر الصدقة، لم يتسلّمها أحد منذ مذبحة رابعة.

لم يقدم الفيديو أي معلومات عن طبيعة عملية الدفن، ولا عمن يتولاها ولا عن الإجراءات القانونية التي تسبق عملية كهذه، ولا عن وجود آليات تربط بلاغات الاختفاء التي يقدّمها الأهالي في الصعيد والدلتا بالمشرحة التي تستقر فيها الجثامين، ولم يظهر أن أغلب روّاد الصفحة مشغولين بطرح تساؤلات كهذه، أو حتى بالترحم على من يتم دفنهم، بل بدوا قادرين على تكوين مواقف محدّدة تجاه ما يحدث.

بعضهم قال إن هؤلاء هم بالتأكيد قناصة حماس الذين كانوا موجودين في رابعة، وبعضهم قال إنهم أياً كانوا يستحقون ما جرى لهم ويتمنى أن يلحق بهم باقي قيادات وأعضاء الإخوان، وبعضهم كتب قائلاً: "اللهم لا شماتة"، لكنه لم يكتف بذلك، بل أعلن شماتته لأن هذا هو المصير الذي يستحقه كل إخواني لعين، والتعليق الوحيد الذي جاء مختلفاً عن غيره، ودفعني لنسخه والاحتفاظ به، كتبته مواطنة شابة، صاحبة عقلية نقدية غيورة على الوطن قالت فيه: "والله أعلم أنا مش حاسة إنهم جثث نهائي، كل الجثث حجم واحد، وبيشيلوهم بالسهولة دي كإنهم شايلين مخدات وطريقة الدفن دي شككتني جداً، ومين اللي منزل الفيديو وليه منزله دلوقتي، وبعدين الجثث المجهولة دي بتبقى تلاته أربعة، مش 35 جثة، مالهاش أهل الناس دي، مش عارفة ليه مش مصدقة ومستغربة الصراحة".

لم تلتفت المواطنة الغيورة إلى أن القناة التي نشرت الفيديو قناة تابعة لرجل أعمال من أكبر داعمي نظام مبارك ثم نظام السيسي من بعده، وأن تصوير الفيديو ونشره جاء دون شك بالتنسيق مع أجهزة الأمن، لنشر مشاعر الردع والترهيب لكل من تسوّل له نفسه الخروج على النظام والأمن، ومع أنها لم توضح كيف أتت بالخبرة اللازمة لمعرفة شكل وحجم الجثة وطريقة الدفن، فقد وجدت كثيرين يثنون على كلامها بما يستحقه من التشجيع و"اللايكات"، واكتشفت أن أغلبهم وافقوا من قبل على تعليقات سابقة رأت أن هذه الجثث لقناصة حماس أو لعملاء تابعين للمخابرات الأمريكية أو الموساد أو حزب الله أو المخابرات التركية، ولم يكن لدي المزيد من الطاقة لأتساءل كيف أتوا بكل هذا اليقين؟ فقد بدا لي أنهم ليسوا مشغولين بمصائر أصحاب الجثامين التي بقيت لأشهر في ثلاجات المشرحة، بقدر انشغالهم باكتمال عملية دفن الجثامين التي ستجعلهم ينامون مطمئنين، لأن الصراع على السلطة قد تم حسمه إلى الأبد، وأن البلاد صارت في أيدٍ أمينة، وأنها ستهدأ وتستقر وتمشي وتصبح قد الدنيا.

لا أعرف ما الذي فعله الزمان بالشاب القناوي ولا بالأم وابنتها، ولن يعرف أحد ربما من هم أصحاب الجثامين المجهولة ولا أين أراضي أهاليهم الحزانى عليهم؟ لكنني أعرف لماذا رأيتهم جميعاً معي في كابوس لعين، رأيت فيه الشاب القناوي يشترك بهمة ونشاط مع الأم والبنت في محاولة حفر قبور تتراكم الجثامين المجهولة إلى جوارها في شكل هرمي مقبض، في حين كنت أحاول مع بعض أصدقائي، المتهمين بالخيانة والعمالة، إقناع المواطنين الغاضبين والمراسل الصحفي بالتوقف عن رمي القناوي والسيدتين والجثامين بالطوب والأحذية القديمة والشتائم القبيحة، وحين أصابتني طوبة وكسرت نضارتي، جلست إلى جوار الجثامين لأبكي بحرقة تضاعفت حين جاءت الأم وطبطبت علي بحنيّة، وقالت لي: "إهدا، إهدا بس عشان نعرف نفكر".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard