شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
لاعب كرة قدم أم

لاعب كرة قدم أم "أمير المؤمنين" أم مجرّد "إخواني"... المذهب "الأبو تريكي" في التشجيع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

كرة القدم، تلك التي لقبوها بالساحرة المستديرة و أصابت قلبي بسهام العشق منذ الطفولة، وجعلتني أبدأ مشوار مهنتي كمحررة في القسم الرياضي، لأكون في هذا التوقيت واحدة من بين ثلاث فتيات فقط يقمن باختراق هذا القسم الذكوري، وعلى مدار ثلاث سنوات، نجحت نجاحاً ما زلت أجني ثماره حتى الآن، فقد مرّ ثلاثة عشر عاماً منذ رحيلي عن هذا القسم، ولكن لابد أن أذكر بكل فخر أن اسمي مازال يتردّد بين زملاء المهنة الذين أصبحوا أساتذة كبار الآن و نجوماً في اللعب والتدريب من كل الأندية، مازالوا يذكرونني أو تجمعني بهم علاقة طيبة بعدما قرّرت الإبحار في عوالم الصحافة الفنية و الاجتماعية، لكنني ظللت تلك المشجعة العاشقة لتلك اللعبة والمتابعة لها عن كثب، محلياً و عالمياً.

رقم 10

إذا ما بدر إلى ذهني التحدث عن رقم خلّده التاريخ بسبب ارتداء أساطير كرة القدم له، فسيكون بلا شك رقم 10، الرقم الذي زيّن قميص مارادونا وبيليه، وظل يتنقل حتى وصل إلى ميسي، نيمار ومبابي، مروراً بمسعود أوزيل ولوكا مودريتش، لويس فيجو، زين الدين زيدان ورونالدينيو، وعربياً محمود الخطيب، حسن شحاتة، شيكابالا، حكيم زياش ومحمد صلاح والكثير من الأسماء التي سطرت تاريخ كرة القدم بقدم من ذهب.

تناولت الصحف العديد من الأخبار عن انضمام نجم الأهلي لمجموعة الصفوة داخل جماعة الإخوان، وتدريبه على يد عصام العريان، كذلك خبر امتلاكه لثلاثة شركات سياحية تطلق رحلات لتركيا، في محاولة لتهريب عناصر إخوانية، وشائعة إرساله مولدات كهربائية داخل اعتصام رابعة

ثم جاءت بعض الأرقام لتشارك رقم 10 القليل من التميز، مثل رقم 7 الذي قام بارتدائه أسطورة إنجلترا ديفيد بيكهام، وأسطورة إسبانيا راؤول جونزاليس، ومن بعدهم كريستيانو رونالدو، أو رقم 9 الذي أشتهر بفعل زلاتان، باتيستوتا وتيري هنري وهاري كين، ومن مصر العميد حسام حسن.

ومن بين جميع الأرقام، كان يمكن لرقم بعينه أن يظهر بشكل فردي بسبب اختيار نجم ما له، كرقم 22 الذي اختاره لنفسه محمد أبو تريكة، بطل هذا المقال.

كنت هناك عندما قدّس المصريون " التيشرتات "

كل هؤلاء الأساطير الكروية التي قمت بذكرهم خضعوا لقوانين كرة القدم التي تقتضي بانخفاض الأضواء تدريجياً مع النجم في نهاية مشواره الكروي، وتسليط الأضواء على نجوم الحاضر، وبالتالي تتم عملية تسليم النجومية من جيل إلى جيل بشكل تلقائي، كما هو حال الطبيعة، ليس في عالم الكرة فقط ولكن في كل فروع الحياة، وهذا بالفعل ما كان ينطبق على العالم أجمع، شاملاً مصر، ولكن ما قبل محمد أبو تريكة، لاعب النادي الأهلي ومنتخب مصر السابق، الذي قرّرت بعض الجماهير المصرية الانحراف عن تلك المنظومة العالمية المنطقية، ووضع أبو تريكة في مكانة "تقديس" تجعل ظهور أي لاعب يرغب في استلام راية النجومية معرّضاً لمحاولات مستديمة، مستميتة للهدم والتقليل، لدرجة التحقير والانتقاد، حتى لا يقترب من مكانة أبو تريكة، الملقب بأمير القلوب على وزن "أمير المؤمنين".

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل و أصبح القميص رقم 22 هو "أطهر" من أن يرتديه أي لاعب، بل وتم الترويج لأسطورة تسمى "لعنة تيشرت أبو تريكة"، وهي التي أصابت لاعبين حاولوا ارتداء هذا الرقم في النادي الأهلي، وتسبب الرقم في إنهاء مسيرتهم بشكل سريع، مثل صالح جمعة أو أحمد الشيخ، وهذا ما تم إثارته مؤخراً بعدما أعلن إمام عاشور، الوافد الجديد، أنه سيرتدي القميص ذاته، ما أشعل مجدداً النيران الخامدة وتناثرت ردود الأفعال، ما بين رافضين لأن ينال عاشور هذا الشرف العظيم، أو من يرون أن ارتداءه لهذا القميص سيكون شفيعاً له وسبباً في هدايته!

ورغم موهبة إمام الذى لا يختلف عليها أحد، والصراع الذي خاضه النادي الأهلي لضم اللاعب السابق لغريمه نادي الزمالك، إلا أن كل ما سبق لم يكن شفيعا له لارتداء قميص "الأمير"، دون تعليقات من نوع: لعل يكون هذا سبباً في هدايته، أو يجعله على قدر من المسؤولية، أو الحوقلة اعتراضاً على تراجع مستوى اللاعب الذى سيرتدي القميص خلفاً للقدّيس أبو تريكة.

كيف تحول أبو تريكة في عيني

كنت كالجميع، أرى أبو تريكة موهبة كروية لا تقبل الشك، وأستمتع به كأي مشجع/ة كرة، حتى جاء وقت التحول، بداية من إعلانه لموقفه السياسي والذي أثار حفيظتي، فلاعبو الكرة يرفض معظمهم الإدلاء بحقيقة انتمائه الكروي خوفاً من تأثيره على الجمهور، فما بالك بمن يعلن موقفه السياسي وهو يعلم مقدار تأثيره على وعي الشباب الصغير؟

لكنني لا أحكم ولا أعلق، فقط استنكار داخلي لم أعلنه لأحد، حتى بدأت الأخبار تنتشر حول موقف أبو تريكة السياسي، ودعمه الخفي لجماعة الإخوان المسلمين مادياً، بل وتناولت الصحف العديد من الأخبار الصادمة بالنسبة لي عن انضمام نجم الأهلي لمجموعة الصفوة داخل الجماعة، وتدريبه على يد عصام العريان، الله وحده يعلم التدريب على ماذا، ولكن هكذا ما كتبت الصحف حرفياً وقتها، كذلك خبر امتلاكه لثلاثة شركات سياحية تطلق رحلات لتركيا، في محاولة لتهريب عناصر إخوانية، وشائعة إرساله مولدات كهربائية داخل اعتصام رابعة، ودور ابن عمه (شحتة) مع جماعة الإخوان، حتى انتهى الأمر بإقامة أبو تريكة في قطر، وإدراج اسمه على قوائم الإرهاب.

ما سبب قدسية محمد أبو تريكة رغم وجود كل هؤلاء النجوم؟  قال لي مشجّع أهلاوي نصّاً: "أبو تريكة نزلت به آية من القرآن"، وذكر الآية: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا"

لم أعلق على صحة الأخبار أو الشائعات، فقط كان لدي رؤية بأن ما يحدث مع أبو تريكة كان يعلمه جيداً قبل أن يدلي بآرائه السياسية، لعبة السياسة معروفة، وفي حالة أبو تريكة، معشوق الملايين، فهو أخطر حتى من رجال الدين، وتأثيره على اليافعين والشباب المتحمس، وبعض فئات المجتمع البسيطة، قد يؤدي إلى كارثة حقيقية، حتى ولو لم يفعل هذا عمداً، لكن الشخص المؤثر كما في حالة أبو تريكة، يجب أن يتحلّى ببعض المسؤولية، قبل أن يتفوّه بأي تصريح من شأنه أن يدفع آلاف الشباب إلى هاوية الموت.

أبو تريكة ليس الأول

هل فكر يوماً شخص من ملايين العاشقين لمارادونا أنه كان مدمن مخدرات، أو أن كريستيانو يعيش مع صديقته دون زواج؟ تفاصيل مجرد الحديث عنها يعتبر انتهاكاً للمساحات الشخصية ومصدراً للخجل، حيث إن في حياة كل شخص نقاطاً عديدة تصلح بؤرة أحكام وانتقادات، لو أن العالم ليس له قوانين تكفل حرية الاختلاف، ولذلك لم تقف تلك التفاصيل الشخصية عائقاً أمام هؤلاء النجوم في مسيرتهم كأساطير عشقها العالم أجمع، لأن الحكم في النهاية على كرة القدم تأتي من إجادة كرة القدم.

إذن، لماذا نقدّس لاعباً ما بسبب مواقفه الدينية أو السياسية؟ حتى لا يسيء البعض فهمي، فأنا لا أحطّ من شأن موهبة أبو تريكة، ولكنني أرفض جملة وتفصيلاً مقولة إنه أعظم من لمس الكرة، لأن تلك ما هي إلا جملة عاطفية لا تتمتع بأي قدر من الصحة أو المنطق، إذا ما تحدثنا عن المواهب المصرية و بالأرقام، حسام حسن الملقب بالعميد تعتبر أرقامه أفضل من أبو تريكة، حيث إن إجمالي أهداف حسام حسن في الدوري المصري 168 هدف مقابل 106 لصالح أبو تريكة، أما عن مشاركات منتخب مصر، لعب حسام حسن 176 مباراة سجل خلالها 69 هدفاً، بينما شارك أبو تريكة في 98 مباراة و 38 هدفاً، بالإضافة إلى أن حسام حسن لعب في كأس العالم، الأمر الذي افتقده أبو تريكة، أما إذا تحدثنا عن جانب الاحتراف الذي يعتبر المقياس الآن لتفوق اللاعب وأهميته عالمياً وكذلك قيمته التسويقية، فلابد وأن نذكر هاني رمزي، عبد الظاهر السقا، أحمد حسن (صاحب أعلى رصيد مباريات دولية، وحاصل على لقب عميد لاعبي العالم)، محمد زيدان، أحمد حسام ميدو، وأخيراً لاعبا الدوري الإنجليزي، النني وصلاح، ما يؤكد أن مشوار أبو تريكة الكروي افتقد للعديد من المقاييس العالمية للتقييم، على الرغم من أنه يعتبر من أهم اللاعبين على المستوي المحلي بالتأكيد، بعد صالح سليم ومحمود الخطيب، إذا ما تحدثنا عن النادي الأهلي.

المذهب البوتريكي

إذن ما سبب قدسية محمد أبو تريكة رغم وجود كل هؤلاء النجوم؟ دعونا نقول إن الأمر ليس له علاقة بالكرة والفنيات إذن. عندما قرّرت كتابة هذا المقال حاولت التحدّث مع بعض من عشاق أبو تريكة لأفهم من أين جاء التقديس. جاءت أول جملة من مشجع أهلاوي، قال لي نصّاً: "أبو تريكة نزلت به آية من القرآن"، وذكر الآية: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا"، وذلك بسبب اتهامه بالانضمام إلى فصيل سياسي متطرّف، وإقامته في دولة قطر وتصريحاته البعيدة عن الكرة، وعندما سألته ما علاقة هذا بما تردّدونه بأنه أعظم من لمس الكرة؟ كان الجواب أنه بالفعل كذلك فقط لأنه "أبو تريكة"، وحتى محمد صلاح لم ولن يصل إلى مكانته مهما حدث.

بينما قال لي شخص آخر، وهو بالمناسبة صحفي رياضي، إن أبو تريكة خط أحمر وغير مسموح بانتقاده حتى، ما أثار حقيقة فضولي لمعرفة لماذا يعتبر البعض أن أبو تريكة فوق الانتقاد؟

اشفيلي ولدي يا أبو تريكة

أدرك تماماً أن الوازع الديني له تأثير لا بأس به على معظم العقول، وهنا لا أتحدث عن دين بعينه، ولكن في الوقت ذاته لدي إيمان أن الدين لا يمكن أن يكون "واسطة" أي إنسان في الأمور الدنيوية، وهذا للأسف ما أراه أمامي من خلال تجربة أبو تريكة، فقد حوله الوازع الديني من لاعب كرة جيد إلى أعظم من لمس الكرة في عيون مريديه، وحتى عندما لم يقدم المستوى المنتظر منه، بعدما تحول إلى محلل رياضي وتفوق عليه الكثيرون، إلا أنه وجد دوماً من يدافع عن سقطاته، و يتهم كل من ينتقد أداءه بأننا لم نرتق لمستوى فكره التحليلي!

حول الوازع الديني أبو تريكة من لاعب كرة جيد إلى أعظم من لمس الكرة في عيون مريديه، وحتى عندما لم يقدم المستوى المنتظر منه، بعدما تحول إلى محلل رياضي وتفوق عليه الكثيرون، إلا أنه وجد دوماً من يدافع عن سقطاته

أبو تريكة الذي يراه مريدوه القديس الصادق، أمير القلوب والأفضل على الإطلاق، ويطلقون عليه أوصافاً جعلتني أتخيل أنه وصل في عقولهم إلى درجة الأئمة وأصحاب الكرامات، بل وسيظهر شخص من العدم في مشهد مهيب يجمع أبو تريكة بمريديه وهو يصيح: "اشفيلي ابني يا أبو تريكة"، ولكن لابد أن أعترف أن الأمر ليس بسبب الوازع الديني فقط، و إلا كان الشيخ طه أو ربيع ياسين حظيا بنفس الشعبية. الأمر متعلق بكون أبو تريكة يعرف كيف يجذب إليه المريدين عن طريق تبنيه لقضايا عاطفية، كتصريحه الأخير حول رغبته في أن يدفن تيشرت تعاطفنا مع غزة معه بعد وفاته، كذلك موقفه السياسي الذي دعمه عدم رضا الكثير عن سياسات الحكام الحاليين.

لقد زرت بلاداً أجزم أنهم الأكثر تعصباً في تشجيع الكرة، أبرزها الأرجنتين، ورأيت كم يعشق هذا الشعب مارادونا، ولكنه في الوقت ذاته يعتبر ميسي مصدر فخر الشعب الحالي، نظرا لأنه مازال متواجداً داخل الملعب، ولم يحاول البعض أن يهاجم هذا لصالح ذاك أو العكس، الأمر وجدته مشابهاً في البرازيل بين بيليه و نيمار، وكذلك في إسبانيا، فقط في مصر وجدت أن محمد صلاح، النجم الذي يحتفي به العالم أجمع، يتعرّض لحملات انتقاد شرسة تتعلّق بأخلاقه وأسرته وحتى أسلوبه في الملعب، فقط حتى لا يصل إلى مرتبة أبو تريكة، وكأنه الإله الذي سيشفي مرضانا ويشفع لنا يوم الدينونة.

كرة القدم في النهاية رياضة هدفها الترفيه، ولا أخفيكم سراً، فهي أصبحت المصدر الأول والأخير للترفيه في حياتي، وسط أعباء العمل والحالة العامة التي نمرّ بها جميعاً بفعل التغييرات الاقتصادية والاجتماعية، لكن أود أن أشير إلى أمر هام: لو القدسية حق للاعب بعينه فيجب علينا أن نلغي كرة القدم من مصر، أو "نقفل اللعبة"، كما يقول محبو ميسي، لأن تقديس الأشخاص يقضي على فرص ظهور نجوم آخرين ويطفئ حالة الشغف التي تجعلنا نحلم بكأس العالم أو بطولات قارية، أو مشاهدة لاعب لا يقل عن ميسي ومبابي وكريستيانو، فلو سنقضي على لاعبينا حتى لا نمس قدسية أبو تريكة دعونا إذن نغلق النوادي والاتحاد، ونكتفي بمشاهدة تاريخ اللاعب على يوتيوب، لأنه يكفينا التقديس الديني والتكفير الفكري، لن نقبل بأن يتم تكفيرنا بسبب لعبة رياضية لديها آلاف الأساطير.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard