شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
جمال عبد الناصر... كيف تهندس الطريق إلى الفشل وتلقي مسؤوليته على معارضيك؟

جمال عبد الناصر... كيف تهندس الطريق إلى الفشل وتلقي مسؤوليته على معارضيك؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتاريخ

الثلاثاء 5 سبتمبر 202302:32 م

في الساعة السابعة من مساء يوم 28 أيلول / سبتمبر 1961، ألقى الرئيس المصري جمال عبدالناصر خطاباً من القاهرة تحدث فيه عن "الدبابات التي تسللت في الظلام" وسيطرت على مقر القيادة في دمشق ووضعت المشير عبدالحكيم عامر قيد الاعتقال. 

كان المشير عامر يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة (عنوان دولة الوحدة بين مصر وسوريا)، والقائد العام للقوات المسلحة الموحدة المصرية والسورية، وكان هدف القوات المتمردة بقيادة عبد الكريم النحلاوي - العقيد في الجيش السوري - إجبار المشير على التوقيع على "البيان رقم 9" الذي أذيع في إذاعة دمشق.

كان البيان – بعبارة خطبة عبد الناصر – يذكر وجود عناصر مخربة وانتهازية تريد الإساءة لمشروع الوحدة بين مصر وسوريا، ويعلن أن التمرد العسكري أتى تلبية لرغبة السوريين، وأن الثوار / المتمردين عرضوا قضايا الجيش السوري وأهدافه على سيادة المشير، وأن المشير تفهم المطالب واتخذ الإجراءات المناسبة لحلها لصالح الجمهورية العربية المتحدة واستمرار مشروع الوحدة بين مصر وسوريا.

على هذا النحو السياسي المتضارب أتى إعلان الانفصال وسقوط مشروع الوحدة السياسية، فيما بدا منسجماً مع النهج الثابت لمجمل خطابات وشعارات النظام الناصري في مصر، وهو نهج استخدام وسائل الإعلام وأدوات السياسة لعرض صور تزيف حقيقة ما يدور على الأرض من أحداث ومجريات الواقع وشؤون وتحركات السياسة.

هذا النهج السياسي والإعلامي الناصري جعل مؤرخاً مصرياً - هو د. عبدالعظيم رمضان في كتابه بعنوان "تحطيم الآلهة" – يعتبر "مأساة الانفصال بين مصر وسوريا" حلقة مترابطة في سلسلة الهزائم العسكرية التي لحقت بنظام عبدالناصر. كانت الحلقة الأولى الهزيمة العسكرية في العدوان الثلاثي – البريطاني الفرنسي الإسرائيلي – سنة 1956. وهي الهزيمة التي ألقى عبدالناصر بمسؤوليتها على عاتق المشير عبدالحكيم عامر وقيادات الجيش، وقد عاب عليهم روح الاستسلام التي انتابتهم، وعدم طاعتهم لأوامره، وإعلانهم فقد الثقة بقيادته، رغم تكرار الاتصال المستمر بهم خلال أيام العدوان، وطلب عبد الناصر آنئذ عزل قادة القوات البرية والبحرية والجوية لكن المشير عامر رفض وعرض استقالته ولم ينفذ العزل.

الحلقة الأخيرة من الهزائم الناصرية كانت هزيمة حزيران / يونيو سنة 1967 أمام الجيش الإسرائيلي، وكان بقاء المشير عامر قائداً للقوات المسلحة مقدمة ضرورية لها في تقدير المؤرخ عبد العظيم رمضان. 

من أجل الموافقة على الوحدة مع سوريا وضع عبد الناصر ثلاثة شروط: أولها الاستفتاء، وثانيها إنهاء النشاط الحزبي تماماً في سوريا، وثالثها: توقف الجيش السوري عن التدخل في السياسة وعودة ضباطه إلى ثكناتهم!

أما الحلقة الوسطى فهي التمرد العسكري الذي أدى إلى تفكك دولة الوحدة بقيادة العقيد عبد الكريم النحلاوي الذي كان رجل المشير في سوريا ومدير مكتبه وموضع ثقته، وكان المشير طبقا لقرار أصدره عبدالناصر في 21 تشرين الأول / أكتوبر 1959، ونشر نصه المفكر السوري د.سامي عصاصة في كتابه "أسرار الانفصال بين مصر وسوريا"، يتمتع بسلطات شاملة مثل: "إصدار القرارات والأوامر التي يدخل في اختصاص رئيس الجمهورية إصدارها"، و"الإشراف على كل ما يتعلق بتنظيم المصالح والإدارات والهيئات والمؤسسات العامة في الإقليم السوري". 

العداء للحزبية أساساً للوحدة

بحسب ما ذكره الصحافي المصري محمد حسنين هيكل في كتابه "ما الذي جرى في سوريا" الصادر سنة 1962، خاطب الرئيس عبدالناصر صبيحة 17 كانون الثاني / يناير 1958 وفد الضباط السوري الذي طار للقاهرة ليعرض عليه الوحدة قائلا: "إني مستعد لقبول مبدأ الوحدة على أساس ثلاثة شروط، إنني أقبل المبدأ تحقيقاً لمطلب الشعب السوري ولكي لا تضيع سورية.. ولكن شروطي الثلاثة هي:

أولاً: أن يتم استفتاء شعبي على الوحدة..

ثانياً: أن يتوقف النشاط الحزبي في سورية توقفاً كاملاً وأن تقوم الأحزاب السورية بحل نفسها.

ثالثاً: أن يتوقف تدخل الجيش في السياسة توقفا تاماً وأن ينصرف ضباطه إلى أعمالهم العسكرية ليصبح الجيش أداة دفاع وقتال وليس أداة سلطة في الداخل وسيطرة".

انحصر مستقبل دولة الوحدة منذ اللحظة الأولى في إعادة استنساخ سياسات ومؤسسات النظام الناصري كما كانت عليه في مصر سنة 1958 وتكرارها في "الإقليم السوري". ولعل هذا الاستنساخ كان السبب الأهم في الانفصال وفشل الوحدة

ورغم التناقض المدهش في شرط عبدالناصر الثالث الذي ألقاه على ضباط سوريين طاروا لمصر وهم يحملون مشروع الوحدة السياسي دون أن يبلغوا حكومتهم ولا وزير دفاعهم بعزمهم على السفر السريع لمصر، إلا أن إشارته "حتى لاتضيع سوريا" كانت تتعلق بما بينّه في أحاديث كثيرة له، من أن طلب السوريين للوحدة بسبب خشيتهم من الخطر الشيوعي وسيطرة الاتحاد السوفياتي على بلدهم، ولرغبتهم في إنقاذ سوريا من خطر التفكك السياسي والفوضى الحزبية، بحسب ما ذكر صلاح نصر رئيس جهاز المخابرات المصري في مذكراته. وهو ما يوضح خلفيات ومرامي شروط عبدالناصر الثلاثة التي يقول هيكل أنها جعلت الضباط الوحدويين في الجيش السوري يسكتوا جميعاً، وجعلت عبدالناصر يستطرد قائلاً: "إن هذا الذي أقوله لكم فعلته في مصر... حتى مع الذين خرجوا معي ليلة 23 تموز / يوليو 1952 ليقوموا بالثورة".

والمفهوم من ذلك أن مستقبل دولة الوحدة انحصر منذ اللحظة الأولى في إعادة استنساخ سياسات ومؤسسات النظام الناصري كما كانت عليه في مصر سنة 1958 في "الإقليم السوري". ولعل هذا الاستنساخ كان السبب الأهم في الانفصال وفشل الوحدة. لكن المثير رغم ذلك كان عودة الرئيس عبدالناصر باستمرار للتناقض مع نفسه في تقييم أسباب فشل الوحدة. وقد برز هذا التناقض خلال اجتماعات شهر آذار / مارس 1963 مع وفدين وحدويين آخرين قوامهما سياسيين وعسكريين من حزب البعث السوري والعراقي، أتوا بدورهم ليعرضوا على عبدالناصر مشروعا وحدويا جديدا بدلا من مشروع الوحدة الذي سقط سنة 1961. 

في تلك الاجتماعات أصر عبدالناصر على نقد تجربة الوحدة السابقة ورصد أخطائها، بطريقته نفسها التي أبداها بعد هزيمة 1956، وفيما بعد هزيمة حزيران / يونيو 1967، وهي طريقة تبدأ بإعلان المسؤولية الشخصية للرئيس بسلطاته المطلقة عن كل الأخطاء التي حدثت، دون تحديد دقيق لطبيعتها، ولا لمصادرها، وكذلك دون محاسبة لأي مسؤولين عنها. 

وكان شرط حل الأحزاب أحد أهم الأخطاء التي اعترف عبد الناصر بارتكابها في تجربة الوحدة، لكن الاعتراف بها أتى على الطريقة الناصرية بالتبرؤ من المسؤولية عنها. 

في كتاب توثيقي أصدرته سلسلة "كتب قومية" المصرية الحكومية في أبريل / نيسان 1963 بعنوان "محاضر جلسات مباحثات الوحدة"، سأل جمال عبدالناصر الوفد السوري الذي ضم كبار قيادات حزب البعث السوري مثل ميشيل عفلق وصلاح البيطار وغيرهما: 

"لما بدأت الوحدة هل قلتوا الحزب ما يتحلش؟ الكلام اللي أنا بأقوله دلوقتي بأن هذا الاتجاه كان خطأ، وأن الحقيقة.. كان يجب أن يكون كذا، هل فيه حد اقترح هذا الرأي؟ اللي حصل إن الحزب اتحل وانتم اللي اقترحتوا حل الحزب"

وهنا اضطر مفكر البعث ميشيل عفلق للرد بالقول: "باعتقد أنه بدون الحل ما بتكون بتصير وحدة"

ولم يعلق عبدالناصر.

مباحثات نقد الوحدة لم تتوقف عند مسألة حل الأحزاب وامتدت لجوانب وأخطاء أخرى، كانت في مجملها هي نفس الجوانب والأخطاء السياسية للنظام الناصري في مصر، مع فارق أن عبدالناصر كان أكثر استعداداً للاعتراف بأن له أخطاء في سوريا، لكنه لم يكن مستعداً وقتها للاعتراف بالأخطاء نفسها في مصر

أهل الثقة ودولة الأجهزة

من وجهة نظر عبد الناصر كما ذكر في محاضر جلسات الوحدة كان "الخطأ الكبير" هو الإقليمية.

والعبارة بهذا الشكل غامضة إذا أخذنا في الاعتبار أن الوحدة كانت علاجا يطرحه القوميون الوحدويون من وجهة نظرهم للإقليمية التي يعدونها الخطأ الكبير، والقول بأن الإقليمية سببت فشل الوحدة بمثابة تفسير الماء بالماء، أو القول بأن فشل الوحدة سببه أن الوحدة فاشلة!

لكن ما قصده عبدالناصر لم يكن في الحقيقة غير تحميل مسؤولية الانفصال للأحزاب السورية، وفي مقدمتها حزب البعث الذي اعتبره المسؤول الأول عن استغلال الإقليمية. ولعل عبدالناصر يكون محقا في نقده لحزب البعث لو كان يعني أن قضية الوحدة في أدبيات الحزب قضية عقائدية لا سياسية، أي تعتمد على فرض الوحدة على واقع ومؤسسات الدول بشكل فوقي، وبدون مراعاة لأوضاع الواقع، لكن عقائدية حزب البعث كانت نفس عقائدية النظام الناصري تجاه الوحدة، مما يعني أن الخطأ كان مشتركا بين عبدالناصر وحزب البعث. لكنه كان من المستحيل تقريباً رؤية خطأ العقائدية السياسية منظورا إليه من زاوية العقائدية السياسية نفسها.

لكن مباحثات نقد الوحدة لم تتوقف عند مسألة حل الأحزاب وامتدت لجوانب وأخطاء أخرى، لم تكن في مجملها غير نفس الجوانب والأخطاء السياسية للنظام الناصري في مصر، مع فارق أن عبدالناصر كان أكثر استعدادا للاعتراف أن له أخطاءه في سوريا، لكنه لم يكن مستعداص وقتها للاعتراف أنه ارتكب الأخطاء عينها في مصر. 

فعندما أشار وزير الاقتصاد السوري د. عبدالكريم زهور للفراغ الذي نتج عن "الاتحاد القومي" وهو التجسيد البيروقراطي لأفكار الناصرية السياسية، عقب عبدالناصر قائلا: " أنا متفق مع الأخ زهور على أنه كان هناك فراغ وكان من الواجب أن نجمع الأحزاب والفئات القومية، كما أتفق معه على أن الوحدة الاندماجية سابقة لأوانها". 

وفي تأكيده على أزمة اعتماد النظام المصري على أهل الثقة في مقابل استبعاد أهل الكفاءة قال اللواء راشد قطيني معاون قائد القوات المسلحة السورية: "يعني الفئة التي كانت موضع ثقة – لدى السلطات المصرية في سوريا - هي التي وضعت كل إمكانياتها في سبيل الانفصال... وهو بمثابة تدعيم الانفصال وأظن سيادة المشير يعرف عدداً من الأسماء". 

وهنا علّق عبدالناصر ساخراً: "أولهم عبد الكريم النحلاوي".

تحدث أيضاً أعضاء الوفد السوري عن تأثير أجهزة الأمن والمباحث في تخريب العمل السياسي ومن ثم تحطيم الوحدة، وخطورة الاعتماد على أجهزة المباحث وحدها وعلى انفرادها بالتقدير وبالقرار السياسي، وتأثير البيروقراطية على تشجيع الخلافات بين السياسيين وتوسيعها، وإبعاد العناصر التي لا تنافق والاعتماد على العناصر المنافقة، وتجنيد العملاء في مقابل الامتيازات والأموال... إلخ. وكانت تعقيبات عبدالناصر خلال ذلك تعكس إدراكا لجسامة الأخطاء، لكن مع تناولها في نفس الوقت بالطريقة الناصرية الالتفافية، أي أخطاء بلا مصدر وبلا مسؤولية ولا مسؤولين عنها. 

وهو ما بلوره في خاتمة المطاف إيضاح عبدالناصر لشعار الديكتاتورية الناصرية الشهير عن الحرية السياسية وكان يقول: "الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب والشعب هنا مش الحزب ولكن كل الشعب"!.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    0:00 -0:00
    Website by WhiteBeard