شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
عودة توفيق عكاشة… حاوي الثورة المصرية

عودة توفيق عكاشة… حاوي الثورة المصرية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقيقة

الأربعاء 30 أغسطس 202311:39 ص

يعود توفيق عكاشة إلى المشهد بقوة تلك الأيام بعد إقصائه عنه، ربما بعد انتهاء مهمته، لكن تلك المرة ليس من خلال قناة فضائية خاصة، كما كان الحال قبل أعوام، بل من خلال حساب تويتر، حيث يغرّد بانتظام تغريدات مناهضة للنظام الحالي، وهي مفارقة، إذ كرّس توفيق عكاشة كل أدواته وشعبيته الجارفة من قبل، ليصير لاعباً أساسياً مهّد للنظام الحالي تبوأه المشهد السياسي، وكان من القدرة بمكان أن يحرك مظاهرات "الثورة المضادة"، وأن يرسّخ فكرة أن الثورة هي نتاج أجندات أجنبية.

وإن كان تغريداته الآن تحظى بنسبة قراءة عالية، إلا أن الشعبية التي توفرها بالطبع من خلال منصة تويتر سابقاً، إكس حالياً، لا تقارن بأيام سطوته وجماهيريته العريضة التي قاربت أن تكون عالمية.

لتفسير وفهم جزء من أسباب شعبيته السابقة، والأهم سر عودته الحالية بقناع المعارض الشرس، كان عليّ أن أعود إلى التحليل الوحيد الذي تعامل مع ظاهرة توفيق عكاشة بجدية، ولم يرها محض ظاهرة مضحكة وسخيفة، وهي الدراسة التي قام بها الباحث في مجال العلوم الإنسانية والثقافة والميديا الشعبية، والتر أرمبرست.

كيف لشخص مغمور تماماً، كتوفيق عكاشة،  أن يبزغ فجأة، ويشتهر في بيئة سياسية ما، بحيث يتحول إلى "شخص مؤثر فيها، بالرغم من كونه لا يتمتع بالإمكانيات التي تؤهله للعب هذا الدور؟"

على عكسنا جميعاً، أقر أرمبرست في كتابه "توفيق عكاشة... حاوي الثورة المصرية"، الذي كرّس لدراسة ظاهرة توفيق عكاشة، أنها ظاهرة سخيفة يجب أخذها على محمل الجد، فلم يتعامل معه بوصفه مجرد شخص، بل كظاهرة عابرة للثقافات. إذ يبدأ من سؤال: كيف لشخص مغمور تماماً أن يبزغ فجأة، ويشتهر في بيئة سياسية ما، بحيث يتحول إلى "شخص مؤثر فيها، بالرغم من كونه لا يتمتع بالإمكانيات التي تؤهله للعب هذا الدور؟".

فالحاوي يمكنه أن يغيّر من شكله، من حيوان لإنسان وبالعكس في بعض الثقافات.

بحسب مفهوم الدراما الاجتماعية لفيكتور تيرنر، والذي طوّره عن مصطلح طقوس العبور لفان جينيب، فالمجتمع في لحظة ظهور عكاشة كان يمر بمرحلة ما بعد التصدّع والأزمة، ليصير في وضعية وسيطة مفصولة عن بنى المجتمع السابقة، تلغى فيها الاختلافات الطبقية، وتصبح المجتمعات في لحظة معينة متساوية، ثم تحرّرت من المجاز الطبقي المفروض عليها، يطلق ذلك الوضع الطاقات الإبداعية الخلّاقة لتطوير المجتمع، وكذلك تتحرّر أيضاً إمكاناتهم الشريرة للإطاحة بالمجتمع عوضاً عن إنقاذه.

ولقب "الحاوي" الذي أطلقه أرمبرست على توفيق عكاشة، لا يمكن اختزاله في الاحتيال والمخادعة، لكنه صفة عابرة للثقافات تختلف باختلاف كل ثقافة، لكنها قد تستقر على النقاط الآتية: تتميز بالدهاء والمكر، لا يمكن الوثوق بها على الإطلاق، مثيرة للضحك ومحط سخرية، بلا بيت، تعيش على حدود المجتمع وفي مفترق الطرق، القدرة على التنكر والتمويه، شخصية غير أخلاقية بالمرة، لا تلتزم بأية معايير أو قيم مجتمعية، شخصية مؤذية تتسم بالعنف الاجتماعي والرغبة في الانتقام، مختالة، مغرورة، كثيرة الزهو بنفسها. شخصية مزدوجة، ليست شراً خالصاً ولا خيراً خالصاً. فالحاوي يمكنه أن يغيّر من شكله، من حيوان لإنسان وبالعكس في بعض الثقافات. شخصية متوحدة واجتماعية في آن. تبدو ذكية جداً أحياناً، ولكن تبدو أيضاً حمقاء وسخيفة في أحيان أخرى، لذا فهي شخصية يغلب عليها الغموض والتناقض الشديد، يصعب تصنيفها أو وضعها في نمط معين.

وصفتي الازدواج والغموض هي أهم سمة في شخصية الحاوي، في تراثنا العربي هي أقرب لشخصية جحا، الذي يثير الضحك بمواقفه المختلفة، لكنه شخص خطير في الوقت ذاته، إذ تتراوح مواقفه بين الحمق والسخف ومواقف أخرى يخدع فيها الآخرين، ولا يمكنك الجزم إن كان خيّراً أم شريراً، شخص متذبذب في وضعية مجاز على الدوام، لذا عندما يعلق المجتمع في تلك الوضعية الاجتماعية، فهي فرصته الجليلة ليحقق إمكانياته المختلفة، وسيحرص على أن يطيلها أكبر وقت ممكن، كونها فترة غموض والتباس، محافظاً على تشويش المعنى والتباسه.

تفسير أرمبرست لشعبية الحاوي الجارفة عبر العصور، هي أنه في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع من التشويش، وإذا بشخص يخرج عليهم، منفتح على هذا الوضع البائس، يملك نشاطاً كبيراً وخطاباً ومقدرة على الحضور والمحاكاة، بالتالي سيمتلك قدرة عالية على لفت الأنظار، وربما يلجأ إليه المجتمع في البداية كشخصية هزلية مثيرة للضحك، ولكن في لحظة معينة، سيظنون أنه يخلصهم من وضعية المجاز، وهنا "مكمن خطر الحاوي" عندما يلجأ إليه الناس بغية الخلاص.

وصف أرمبرست عكاشة بلقب "الحاوي"، وهي شخصية تتميز بالدهاء والمكر، لا يمكن الوثوق بها على الإطلاق، مثيرة للضحك ومحط سخرية، بلا بيت، تعيش على حدود المجتمع وفي مفترق الطرق، القدرة على التنكر والتمويه، شخصية غير أخلاقية بالمرة

قدم عكاشة في تلك الفترة "خليطاً مذهلاً من الهجمات الخبيثة على الثورة، وولاء لا يتزعزع أبداً للجيش، وعزف على وتر نظرية المؤامرة، وكون الثورة ليست سوى صنيعة عناصر أجنبية تروم تدمير مصر".

لذا كان من المنطقي أن يترافق ظهور عكاشة مع تلك الوضعية، وأن يختفي مع استقرار الحكم السياسي، ثم يعود في فترة القلق التي تهدّد ذلك الاستقرار بفشل سياسات الحكم، وقد عاد تلك المرة بوضعية المعارض.

ينفي أرمبرست في كتابه فرضية أن يكون عكاشة هو صنيعة الجيش أو المخابرات، حتى لو قدم له لاحقاً، بناء على شعبيته، دعماً لوجستياً، أو أن تفسير شعبيته يكمن في كونه يقدم لغة شعبية مصاغة بوضوح شديد، قادرة على جذب الريفيين والطبقة الوسطى، أو على الأقل لا يكتفي بهذين التفسيرين، ويطرح تفسير منحه لمعنى واضح لمجتمع في أزمة تشوش عليه المعنى. الحاوي ليس سوى صنيعة الثغرة، المستفيد منها، والمتلاعب بها والذي لا يرجو أكثر من إطالة مداها إلى أقصى حد. رؤية عكاشة كفاعل مستقل، تجعله مفهوماً أكثر كنموذج لكل حاو قد يأتي مستقبلاً.

الحاوي ليس سوى صنيعة الثغرة، المستفيد منها، والمتلاعب بها والذي لا يرجو أكثر من إطالة مداها إلى أقصى حد. رؤية عكاشة كفاعل مستقل، تجعله مفهوماً أكثر كنموذج لكل حاو قد يأتي مستقبلاً

يدعم أرمبرست فرضيته، بتتبعه لسيرة عكاشة الإعلامية التي بدأت من 2005، وحتى بعد أن تمكن، بفضل ثرائه وعلاقاته، من إطلاق قناته التليفزيونية "الفراعين" في عهد مبارك، ظل مغموراً تماماً، ورتبته متدنية في سلم المحسوبيات في الحزب الوطني، ضائعاً وسط خليط من برامج المحطات، قبل أن يحقق عقب الثورة، شهرة اقتربت من أن تكون عالمية، وكان رهانه أن تبلغ حدود عكاشة مداها مع فشله في دعم حملة أحمد شفيق الانتخابية، وقد كان.

من تلك الفرضية أيضاً يمكننا أن نفهم، ولو جزئياً سبب انجذاب الناس للرئيس عبد الفتاح السيسي عقب 2013، فقد اعتقدوا أنه وحده قادر على إخراج المجتمع من حالة المجاز، لكن ماذا عن الآن؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard