شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
الحبيب في الكبد دوماً… كيف تؤثر الأمازيغية في لغة العشق المغربية؟

الحبيب في الكبد دوماً… كيف تؤثر الأمازيغية في لغة العشق المغربية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الخميس 24 أغسطس 202301:44 م

"شوف يا صاحْبي كلمة 'كانبغيك' (أريدك) ليست مناسبة للتعبير عن الحب مقارنةً بـ'أحبك' بالعربية أو Je t’aime الفرنسية. ألا ترى فرقاً يا صاحبي؟"؛ علّق صديقي على رفيقنا ونحن نتسكّع في الشوارع قبل سنوات، متحدثاً عن الفرق الجلي في التعبير عن مشاعر الحب لدى المغاربة مع بقيّة "اللغات". وأسهب قائلاً إنه يتّسم بالتلميح أكثر من التصريح، ومثقل بأوصاف تنهل من قاموس لغوي مركّب بين الأمازيغية والدراجة المغربية، ولا يخلو من أفعال تترجم عواطف المغاربة كـ"إرادة عمليّة" نحو الحب، أكثر من "الإحساس" به بشكل شاعري خالص.

"من لا يتقن الأمازيغية، لن يعرف كلام الحب"

مضت سنوات قليلة على كلام رفيقنا أيام الثانوية، لأصادف زميلاً عابراً في الجامعة يدرس في شعبة الدراسات الأمازيغية. شدّد على أن فهم لغة الحب لدى المغاربة مرتبط بشكل وثيق بإتقان اللغة الأمازيغية.

"سأريك دليلاً. انتظر". لم أنبس ببنت شفة، ولم أرد على "مزاعم" هذا الزميل العابر، إذ رأيت حينها أن كلامه يحتاج إلى دليل علمي أو تاريخي محكم.

كان وجه الزميل الجامعي مقطّباً، إذ كان منهمكاً في تصفح أجندته عساه يجد دليلاً مكتوباً بخطّ يده. ثم فجأةً انفرجت أسارير محيّاه، ليقول لي: "انظر إلى هذه الكلمات: "إیني ونا أور یسین تمازیغت، أوال ن تیري أور تسینت" (قل لمن لا يتقن الأمازيغية: كلام الحب لا تعرفه).

يبدو أنّ عبارة "كانبغيك/ أكم تيريغ (أريدك)"، تحيل على أن الحبيب يعلي من فعل الرغبة أكثر من مشاعر الحب. هذه الأخيرة تبدو فضفاضةً ويعوم في يمّها الكثير من الدرجات بدءاً من مستوى الإعجاب إلى حالة العشق

لسنوات طويلة، لم تقنعني حجج هذا الشخص العابر، إذ عددتها حينها ميّالةً نوعاً ما إلى "نزعة قوميّة عاطفية"، لكن مؤخراً صادفت افتتاحية لمجلة "زمان" المغربية المختصّة في التاريخ، اقتبست حرفياً الكلمات الغنائية الأمازيغية التي ذكرها الزميل الجامعي، وهي أبيات من شعر غنائي، يسمّى "إزلان".

لم تؤشر هذه المقطوعة الغنائية الأمازيغية على نزعة "قومية شوفينة"، بل كانت تدل على أن الحمولات العاطفية لدى المغاربة منبتها اللغوي أمازيغي بالأساس، وتم تعريبها إلى "الدّارجة" المغربية، فمثلاً كلمة "كانبغيك" بالعاميّة المغربية تحيل على المعنى الأمازيغي لـ"أكم تيريغ"، وتصب في معنى واحد: "أريدك".

"كانبغيك/ أكم تيريغ"... أريدك أولاً

يبدو أنّ عبارة "كانبغيك/ أكم تيريغ (أريدك)"، تحيل على أن الحبيب يعلي من فعل الرغبة أكثر من مشاعر الحب. هذه الأخيرة تبدو فضفاضةً ويعوم في يمّها الكثير من الدرجات بدءاً من مستوى الإعجاب إلى حالتي العشق والهيام، وتالياً فإن الحبيب/ ة في ثقافة المغاربة يبدو "عملياً"، إذ هو يريد ويرغب، فهذان فعلان يؤكدان الجدوى العملية لمسألة الحب. إن العاشق/ ة يريد/ تريد معشوقته/ ها وي/ ترغب فيه/ ا أولاً كجسد وروح وكيان ي/ تمارس معه الحب وعيشه كلحظة إدراك إراديّ أكثر من السباحة في مشاعر لا مرئية، لا يمكن تكريسها كأفعال بقدر ما تترجم كلغة شعرية محملة بالمجاز والخيال.

في المقابل، تشير القراءات التاريخية إلى أن كلمة "كانبغيك/ أكم تيريغ"، تدل على التوسل، والذي يعرف بـ"تزكايت" (تقابل الكاف هنا الجيم المصرية)، بمعنى نادى عليه، و"مزاوك" تفيد أنه "متوسل".

هذه الحمولات اللغوية ذات المعاني المضمرة تحولت لاحقاً إلى الفن الغنائي لموسيقى "العیطة" التي تنهل من الأشعار الغنائية والمجازات التي تدل على التوسل، وغايتها كانت التشبیب والغزل، سواء في صیغتھا الأمازیغیة، أو العربیة.

"تاسا"... الكبد أقوى من القلب

في صغري، استمعت إلى بضع أغانٍ أمازيغية محلّية، كانت تُفرضُ عليَّ كذوق أساسي تستمتع به أمي. عندما كبرت اكتشفت أن معظم هذه الأغاني تستعين بمفردة "تاسا" بشكل مفرط ومتكرر للتعبير عن مشاعر الحب.

وهذا المعطى يدعو إلى طرح السؤال التالي: ألهذه الدرجة يختزل المغاربة الحب في كبد؟ وما محل القلب من هذا التجسيد؟

لم أجد قصةً تاريخيةً أو أسطوريةً، أو حتى معطى أنثربولوجياً يجيب عن الشقّ الأول من السؤال، ويفسّر دواعي توظيف المغاربة للكبد في هذا السياق العاطفي، لكن ما تحققت منه هو أن الكبد من الناحية البيولوجية يقوم بأدوار عديدة كتخزين السكر وإنتاج البروتين والصفراء، وما هو أهم من هذه المعطيات أنه عضو حساس، أو كما وصف الرَّابر المغربي "لمورفين" هذا العضو بجملة يستعيرها من شبه إجماع ثقافي في المغرب بأن "الكبدة رهيفة". والكبد حسّاس في الأغنية ليس لجهة العواطف الجيّاشة، لكن لكونه أكثر عضو يتأثر بمضاعفات الإدمان على المشروبات الكحولية التي تضربه في مقتل.

تتباين مستويات الحب لدى المغاربة، فقاموس اللغة الأمازيغية والدارجة المتداولة في المغرب يحمل كلمات تدل على "تايري"، أي الحب، ثم "بضاض" المحيل على معنى الهيام، في حين تعبّر كلمة "أمارْك" على معنى الوجد

شخصياً، تخيلت أن الشخص الذي منح هذا التجسيد للحب وجعله في الكبد، كان سكّيراً، عاش تجربة حب حقيقيةً باءت بالفشل، فتسببت له في الإدمان على هذه المواد التي استهدفت بشكل قاسٍ كبده أكثر من أي عضو آخر. لذا يبدو أن هذا الشخص أحس بألم الحب مثلما شعر بألم الكبد، الذي ضحى به من أجل حبيبته، وتالياً أعطاها هذا الوصف: "كبيدة"/ "تاسا".

لكن هذا الوصف المُتخيل، والذاتي، يتعارض مع قدم الكلمة التي ابتكرت في قاموس المغاربة وبقية الدول المغاربية، قبل معرفة الآثار الصحية للكحول على الكبد بقرون.

وهو في الغالب طرح مجازي، يؤكد عليه الباحث المغربي موليم العروسي، إذ يرى أن مشاعر الحب لا تعبّر حرفيّاً عن هذا العضو، بل يوظَّف كوصف مجازي يقترب من معنى القلب.

يقول موليم في مقاله "و'تسَا نو' قد تعني بالضبط الجوف الباطن، ولیس بالضرورة تلك المضغة أو العضلة التي تستقر على یسار القلب في الجوف. وكذلك القلب بالنسبة للشعراء، إذ لا تشیر الكلمة إلى المضغة المحركة للدورة الدمویة في الجسد".

"بضاض"/ "أمارك"/ "أُولْ"... درجات الحب المغربي

تتباين مستويات الحب لدى المغاربة، فقاموس اللغة الأمازيغية والدارجة المتداولة في المغرب يحمل كلمات تدل على "تايري"، أي الحب، ثم "بضاض" المحيل على معنى الهيام، في حين تعبّر كلمة "أمارْك" على معنى الوجد.

يشرح المؤرخ والباحث حسن أوريد، معاني الحب ودرجاته وأوصاف المحبوب، الذي يتم تجسيده في أشياء وحيوانات مرهفة وأليفة.

يقول أوريد في مقاله: "القلب بالأمازيغية (أُول) يدلّ على النفس، أو ما يعرف بالدارجة بالخاطر. وينعت المحبوب بـ'أسمون' (الرفيق)، 'وّنا ريخ' (من أحب)، 'أوا ياض' (الآخر)، 'أسمون واياض' (الرفيق الآخر)، و'نا ايرا وول' (من يريده القلب). ويُنعت المحبوب كذلك بالحمام (أثبير)، وأحياناً بصيغته العربية أي الدارجة (لْحمام)، ولا يحال على المحبوب بالحمام في العربية، فهو إما غزال، أو مها، أو ظبي".

"أن يموت خير من أن يلمسه غيري"

اختلاف معاني الحب ودرجاته ليس حكراً فقط على الجانب اللغوي، فلكل منطقة ممارساتها في البوح عن مشاعر الحب، ففي منطقة الريف الواقعة شمال المغرب، ينادون الحبيب بـ"بوحبر اينو، أي روحي. أو "تساينو"، أي كبدي. "وهي العبارة نفسها التي تنادي بها الأم أبناءها، وهي أول شخص يستعمل هذا الوصف ثم يليها الحبيب/ ة"، تقول هدى لرصيف22.

هدى، الكاتبة المتحدّرة من أصول أمازيغية تعيش لسنوات ليست بالهيّنة في إقليم الحسيمة في منطقة الريف (شمال المغرب)، وتحتكّ بشكل حيوي مع تقاليد هذه المنطقة وأنساقها، وتؤكد بأن "الحب في منطقة الريف ليس رومانسياً"، إذ يتم التعبير عنه بـ"الأفعال أكثر من الكلمات".

قاموس الحب في المغرب يتّسم بالتلميح أكثر من التصريح، ومثقل بأوصاف تنهل من قاموس لغوي مركّب بين الأمازيغية والدراجة المغربية، ولا يخلو من أفعال تترجم عواطف المغاربة

وتكمل لرصيف22: "رومانسية بعض سكان هذه المنطقة عنيفة إلى حدّ ما، إذ تتخذ الغيرة تلك الأشكال القاسية بالنسبة عند كل من الرجل والمرأة. والناس في الريف إذا أحبوا فإنهم يحبون حدّ الإضرار بصحتهم، إذ ما زال بعضهم يحرقون أماكن من أجسادهم بسيجارة تسمّى (الكية)، وذلك عند إطلاق وعد للحبيبة، أو الحبيب في أحيان ما، أو عند التعرض للخذلان".

بالموازاة، تذكر المتحدثة أن "الحبيب قد يدعو بفناء الحبيب/ ة إذا لم يكن من قسمة ونصيب المحب/ ة"، وهنا قد يقولها في إطار أهازيج.

عندما استفسرت منها عن دواعي هذه المشاعر المظلمة لدى بعض سكان هذه المنطقة، أجابتني هدى بأن المسألة مرتبطة بطغيان مشاعر الغيرة لدى الحبيب/ ة، إذ ت/ يبرر قولاً: "أن ت/ يموت خير من أن يلمسه/ ها غيري".

سألت المتحدثة إن كان ممكناً أن يعبّر الحبيب/ ة بهذه الجملة، لكن بتغيير كلمة 'يلمسه/ ها' بـ'يحبه/ ها'، سائلاً إياها: "أليس هذا التعبير أكثر دقةً؟". أجابتني هدى بأن اللّمس يُعدّ الأكثر قرباً ودقةً، فاللمس فعل جسدي وترجمة حرفية لفعل الحب، كما أن الرجال مثلاً يشيرون أكثر إلى هذا التعبير، أي: لن يلمسك ولن يأخذك غيري"، تكمل هدى حديثها إلى رصيف22.

في المقابل، لا تنكر المتحدثة أن هذه الممارسات المتطرفة عاطفياً لم تعد منتشرةً خلال السنين الأخيرة، كما أن الأجيال الصاعدة في هذه المنطقة، التي لا تحتكر مشاعر الغيرة المفرطة، فهي ممتدة إلى مناطق أخرى، لم تعد تعبّر عن عواطفها على هذا النحو، إذ باتت "أكثر انفتاحاً" وتعبّر عما يختلج جوارحها كما هو متعارف، بكثير من المشاعر، لكنها تظل إلى حد ما تميل إلى التلميح أكثر من التصريح المباشر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard