راقصة في الحفلات وزعيمة في الغزوات… المرأة في شعوب الأمازيغ

الخميس 15 أغسطس 201904:49 م

تتحسّر النسوة الأمازيغيات على ماضيهن المشرق، وسلطتهن التي توارت مع مرور السنوات، فـ"تمغارت" أو الرئيسة، لم تعد تلك المرأة التي تفرض رأيها بقوّة الأعراف، بل أمست طفلةً بريئة تُزفّ صغيرةً نحو قبرها.

في أعلى التلال، في الأطلس الكبير والصغير في المغرب، توجد قرى صغيرة ونائية، حيث يتواجد الأمازيغ، سكان المغرب الأصليون، كما يحبّون تقديم أنفسهم.

هناك في أعلى الجبال، حيث سحر الطبيعة وتنوّع الثقافات، تتواجد مناطق معزولة تعاني من فقر مدقع.

بمجرّد وصولك تلك الأراضي، لا شك أنك ستلمس الاختلاف، ستحسّ به عند اصطدامك بسكان تلك الجبال الشامخة، لغتهم، سحناتهم، أعرافهم، وتقاليدهم، فضلاً عن تاريخهم، وبالتأكيد ستستمتع وإياهم بفرحهم، حيث يرقصون رقصتهم الشهيرة "أحيدوس"، وسيلفت انتباهك رقص النساء مع الرجال بطريقةٍ متناغمةٍ وساحرة، إذ أنَّ الأمازيغ يعرفون جيداً الطريقة الأفضل لإحياء أفراحهم ومسرّاتهم.

في رقصة "أحيدوس" الأمازيغية نستمع إلى "البندير" أو "الدف"، الأداة الموسيقية المستعملة  وحدها في الإيقاع، وترافقه أصواتٌ نسائية ورجالية في شكلٍ دائري متماسك، قوامه الأكتاف تارةً، والأيدي تارة أخرى.

يقول أحمد عصيد، الباحث الأمازيغي، في حديثه لرصيف22: إن رقصة "أحيدوس" تبقى من بين الدلائل التي تُبرز مكانة المرأة عند الأمازيغ، إذ ليس هناك تبخيس للنساء، بل على العكس هناك قدر كبير من الحرية لدى المرأة الأمازيغية. وهذه الحرية مقتبسة، بالأساس من الثقافة القديمة للأمازيغ، ففي رقصة "أحيدوس"، يرقص الرجال مع النساء بشكلٍ متناغم، يدلّ على مدى التضامن والتآزر بين المرأة والرجل في المجتمع الأمازيغي.

مجتمع أميسي

ينظر باحثون أمازيغ إلى أنفسهم باعتبارهم مجتمعات أمومية، أو أميسية، ويميزون أنفسهم عن ثقافة العرب كما لمسوها تاريخياً عبر فرض الفقه الديني المتشدد، أو مؤخرا بفرض "الشريعة" بعد جلاء الاستعمار، أو انتشار النزعة الوهابية في أواخر القرن الماضي، ويصمونها بالبطريركية، أو المجتمعات الأبوية.

للمرأة في المجتمعات الأميسية مكانتها القوية وسلطتها التي تحترم؛ لهذا نجد المرأة الامازيغية في القدم، امرأة لها حظوة وسطوة في المجتمع، ويكفي أن نذكر الملكة "ديهيا"، أو "الكاهنة" كما يعرفها العرب، تلك السيدة التي ترأست جيشها، ودافعت عن أرضها ببسالة، يذكرها الأمازيغ بكثير من النوستالجيا والاحترام.

عرف المجتمع الأمازيغي العديد من القيم، المرتبطة بشخصية المرأة المركزية، سواء في حياتها العامة، أو في الرموز الثقافية المختلفة التي تبرز سلطتها.

ولهذا السبب، نجد في التقاليد والعادات الأمازيغية، سيادة سلطة المرأة في الكثير الجوانب، من بينها اللغة نفسها، إذ نجد الأخ والأخت ينسبان الى الأم في اللغة الأمازيغية؛ فعلى سبيل المثال، عندما نقول أخي وفقا للهجة الأمازيغية، نلفظ كلمة "كما" gema، يعني أخي من أمي، و"أولتما"، أي أختي من أمي.

يوضح الباحث أحمد عصيد: "المجتمع الأمازيغي، مثل المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء، هي مجتمعات في الأساس أميسية تجعل المرأة تتبوّأ الصدر في الأسرة والمجتمع، وتكون لها الكلمة الفصل".
"العنف ضد المرأة الأمازيغية ممنوع، فالمجتمع الأمازيغي يفرض غرامةً على الرجل إن أساء للمرأة، سواء كانت هذه الإساءة لفظية أو مادية".

ويضيف عصيد إن كلمة المرأة في اللغة الأمازيغية هي "تمغارت"، وترجمتها للغة العربية يُقصد بها " الرئيسة"، لأن كلمة "أمغار" تعني الرئيس، وهذا بالتأكيد تعظيم للمرأة ومدى أهميتها في المجتمع الأمازيغي.

"المرأة في اللغة الأمازيغية هي "تمغارت"، وترجمتها للغة العربية يُقصد بها الرئيسة"

وفي الأعراف الأمازيغية، يقول أحمد عصيد، "العنف ضد المرأة الأمازيغية ممنوع، فالمجتمع الأمازيغي يفرض غرامةً على الرجل إن أساء للمرأة، سواء كانت هذه الإساءة لفظية أو مادية".

يوضح عصيد فكرته: "العنف مجرّم عند الأمازيغ، وهذا مدوّن في كتب التاريخ، في الوقت الذي نجد فيه بعض فقهاء الشريعة في الثقافة العربية يعطون الحقَّ للرجل في ضرب المرأة، ويعتبرون ذلك تأديباً لها، لكن نحن الأمازيغ نغرّم من يعنّف المرأة"، وفقاً لتعبيره.

عاشت المرأة الأمازيغية قيم المساواة منذ الأزل، إذ كانت ثمة قوانين عرفية لدى سكان الأمازيغ في المغرب تسمى "تمزلت"، يعني ضرورة اقتسام الأموال المكتسبة بالتساوي بين الرجل والمرأة، فوفقاً لأحمد عصيد، عندما يقرّر الرجل الانفصال عن المرأة، تأخذ الأخيرة نصف ثروته التي جمعتها معه.

بعد أن كانت الأمازيغية سيدة قومها، وإن عنّفها رجل عوقب بغرامة، وتختبر أجواء احتفالية مختلطة، أصبحت بفعل إهمال الحكومة لقراهم، وعدم إتقانهم للعربية، وفرض شكل فقهي متشدد، بلا حقوق

"العروبة" و "رواسب الاستعمار"

إذا حظيت المرأة الأمازيغية في الماضي بمكانةٍ هامة، وكانت تتمتع بين أفراد مجتمعها بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام والتقدير، فإن تلك الحظوة قد تلاشت إن لم نقل اندثرت في وقتنا الحاضر.

يشدّد باحثون أمازيغ على أن قيم الأميسية اختفت من المجتمعات الأمازيغية، والمسؤول عن ذلك "العروبة"، بحسب حياة منشان، الفاعلة الحقوقية في جمعية "صوت المرأة الأمازيغية"، إذ تقول في حديثها لرصيف22: "إن المرأة الأمازيغية في الوقت المعاصر، تعاني من مجموعة من المشاكل الاجتماعية، سواء تلك التي مصدرها "العروبة"، أو تلك التي مصدرها ترسّبات الاستعمار".

ومن أهم هذه المشاكل، تضيف حياة منشان، "النظرة الدونية للمرأة، إذ أصبحت المرأة الأمازيغية تعيش وسط مجتمعٍ ذكوري يحتقرها، بينما كانت سيدة قومها منذ فجر التاريخ".

يوافقها الرأي، الباحث الأمازيغي عصيد، الذي أكّد في حديثه لرصيف22 أن "الكثير من القيم في المجتمع الأمازيغي بدأت تتراجع بسبب إشاعة الفهم الخاطئ للإسلام، خاصة بعد مرحلة الاستعمار الفرنسي".

ويوضح أحمد عصيد: "عندما حصلت الدولة المغربية على الاستقلال، عملت الدولة على إشاعة ما تعتبره الشريعة الإسلامية، في كل المناطق التي لم تكن تطبقها، خاصة في المناطق الأمازيغية التي كانت تعيش وفقاً للأعراف".

ولم يتردّد أحمد عصيد في تحميل مسؤولية انتشار العنف والتعامل التحقيري للمرأة، إلى جانب من الثقافة العربية، الذي يرتكز على الفهم الخاطئ للدين الإسلامي من طرف الفقهاء.

واقع مر

تعيش النساء الأمازيغيات المعاصرات واقعاً مراً مقارنةً بتاريخهن المشرق، حيث يواجهن عراقيل صعبة، فمشاكل المرأة الأمازيغية التي تعيش في الوسط الحضري تختلف كثيراً عن تلك التي تعيش في الوسط القروي.

تقول حياة منشان: " إن الشابة الأمازيغية التي تعيش في الوسط الحضري تتمتّع بحظوظٍ أوفر في عيش حياة جيدة"، حيث أن المرأة الأمازيغية في المدينة تُتقن التحدّث باللغة العربية، كما أنها استطاعت أن تدرس وأن تجد عملاً لائقاً يمكّنها من الاستقلالية المادية، إلا أن الأمر يختلف كلياً عند الأمازيغية التي تعيش في القرى النائية، حيث خط الفقر.

"الأمازيغية في القرى لا تكمل دراستها، وتتزوج طفلة بلا أوراق رسمية"

وتوّضح الفاعلة الحقوقية منشان بأن "الأمازيغية التي تعيش في القرى لا تستطيع إتمام دراستها، إضافة إلى أنها تتزوج وهي طفلة، وتتحمّل مسؤولية البيت وهي صغيرة، فضلاً عن أنها لا تستطيع التحدّث بالعربية، لهذا نجدها في عزلة تامة".

في القرى النائية، في جبال الأطلس، حيث تعيش المرأة الأمازيغية، لم تتمكّن الدولة المغربية من بناء مدارس أو مراكز صحية مناسبة، أو شبكة طرقية سليمة، لأجل فكِّ العزلة عن تلك المناطق، وهذا بالتأكيد يؤثر سلباً على النسوة الأمازيغيات، حيث وبمجرد ولادتهن يتربين على أن يصبحن ربات بيوت.

وأمام الوضع الاقتصادي الصعب للأُسر، تُزفُّ الطفلة الأمازيغية لأوّل عريسٍ يطرق بابها، على الرغم من أن سنّها الذي لا يتجاوز في الكثير من الأحيان 10 سنوات، والأنكى أنها تتزوّج من دون أوراق رسمية، فالفاتحة تفي بالغرض، لتجد المرأة نفسها من دون أي حقوق مقارنة بباقي المغربيات.

تقول حياة منشان، "إن عدم تمكن النساء الأمازيغيات من اللغة العربية يساهم في عزلتهن أكثر، لأنهن لا يستطعن الولوج إلى المحاكم أو إلى الإدارات، أو التواصل مع الأطباء، ما يزيد من معانتهن".

لا تفوّت النسوة الأمازيغيات في المغرب مناسبةً إلا ويطالبن بالعودة إلى الأصل، بالنسبة لهن الثقافة الأمازيغية منحت للمرأة مكانةً هامة، فمن المفروض، بحسبهن، إعادة المرأة الامازيغية إلى مكانتها، حيث كان الرأي رأيها، فيكفي بأنها كانت تسمى "تمغارت" بمعنى الرئيسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard