إملشيل... أسطورة بلدةٍ دموعُ عاشقيْها بحيرةٌ و"موسم زواج"

الثلاثاء 30 نوفمبر 202103:20 م

لم يكن الطريق سهلاً إلى منطقة إملشيل، الواقعة في قلب الأطلس الكبير، والتابعة لإقليم ميدلت في جنوب شرق المغرب. منطقةٌ تقطنها قبائل آيت حديدو الأمازيغية الصنهاجية التي استقرّت هناك، حسب المؤرخين، في القرن السابع عشر، على ارتفاع 2220 متراً. التفكير في الذهاب إلى إملشيل، خارج موسم الزواج الذي يحضره الآلاف من المناطق المحيطية كلها، قد يبدو أمراً غريباً للغاية. فما جدوى الذهاب إلى منطقة تعيش سباتاً طويلاً، خارج موسم الزواج، قبل العودة إلى الحياة في موسم "العشاق"؟ لكن متعة السفر والبحث عن عوالم جديدة تكمن في السفر إلى عالم مجهول، أو إلى منطقة تكسوها الثلوج، أو منطقة غابرة بين جبال الأطلس الشامخة.

منطقة الأساطير

انطلقت رحلتنا إليها من مدينة زاوية الشيخ، في قلب جبال الأطلس. أخذنا الأمتعة، وكل ما نحتاج إليه من مؤونةٍ تكفي لقضاء بضع ليالٍ بحثاً عن بُحَيرتي "تِسْلِيت وإِيسلي"، العاشقَين في الأسطورة، اللذين تحوّلت دموعهما إلى بحيرتين، وبحثاً عن حقيقة منطقة إملشيل، خارج موسم الزواج، وخارج ما تلتقطه عدسات الكاميرات التي توثّق للعرس الجماعي في غفلةٍ عن عرسٍ آخر بالأبيض والأسود، داخل المنطقة المنسية.

حملنا ما نحتاج إليه من مؤونةٍ، لزيارة "تِسْلِيت وإِيسلي"، العاشقَين في الأسطورة اللذين تحوّلت دموعهما إلى بحيرتين

كانت الطريقة صعبةً وشاقّةً، امتدت قرابة ثلاث ساعات من السير في طريق جلّها لا يصلح للمشي، فما بالك بأن تعبرها السيارات، مروراً بمدينة القصيبة الواقعة بين جبال الأطلس، وصولاً إلى مناطق أمازيغية استقبلتنا ببهجةٍ وسرور. وكلما تقدّمنا في السير، بدت ملامح قساوة الحياة في الظهور، وازداد الوضع صعوبةً. وكلما بدأنا بالصعود، أدركنا حينها أننا اخترقنا الحزام الجبلي للأطلس المتوسط، وهنا نحن على مشارف دخول الأطلس الكبير.


أخذنا قسطاً من الراحة قرب مجرى مائي يحيط به حقلٌ صغير، لنكمل طريقنا إلى حيث نريد، ولنصل أخيراً بعد بعض العناء. دخلنا المدينة المنسية التي نبعت منها الأسطورة التي خلدت عند العشاق، وعند الباحثين عن معاني الحب في الأساطير القديمة. عند مدخل المدينة، مِلنا نحو اليسار، لنسلك طريقاً صغيراً يوصلنا إلى بحيرة تيسليت، وهنا بدأت رحلة البحث عن تيسليت، وسط البحيرة، وعلى جنباتها.

تقول الأسطورة إن تيسليت بكت حتى ملأت الدموع المكان، لتتحول إلى بحيرةٍ كبيرةٍ، وغير بعيد عنها بكى إيسلي كذلك شوقاً وحزناً على عشيقته تيسليت، حتى خلّد المكان اسميهما، بحيرتين من دموع عشيقين.

رمزٌ للحب في ظل صراع القبائل

كانت المنطقة في البداية واحدةً غير مقسّمة، وكانت تُعرف بقبيلة آيت حديدو، المعروفة في التاريخ بصمودها أمام المعيقات البشرية والطبيعية كلها، إلى أن تفرّقت لاحقاً إلى قبيلتين، هما آيت إبراهيم، وآيت عزا. نشأ الخلاف بين القبيلتين حول المياه والزراعة والرعي في الحقول، وكان هذا الصراع هو سبب ولادة أسطورة تيسليت وإيسلي، إذ كانت البداية، كما تروي الحكاية الشعبية، قصة حب وسط صراع بين القبيلتين، بطلاها موحا وحادة؛ موحا ابن قبيلة آيت إبراهيم، وحادة ابنة قبيلة آيت عزا.

من كانوا سبباً في مأساة تسليت وإيسلي، قرروا التكفير عن غلطتهم، لتجتمع القبيلتان من جديد

جمع العاشقين حبٌ يصل إلى حد الجنون، وعصيان القبيلتين، وإعلان رغبتهما في الزواج. سرعان ما انتشر خبر الرغبة في الزواج بين موحا وحادة، ليقف الجميع أمام زواجهما، وقرروا منعهما من رؤية بعضهما، بسبب الصراع القائم بين القبيلتين، والقطيعة التي وصلت إلى حد قطع الروابط كلها بين أفرادهما، إلا أن شيخاً كبيراً، تقول الحكاية إن اسمه سيدي أولمغني، سيخلد اسمه في ما بعد، قام بتزوجيهما على الرغم من العداوة القائمة بين القبيلتين، لكن هاتين الأخيرتين لم تعترفا بهذا الزواج، وقررتا طرد الزوجين.


تحكي الأسطورة أنه بعدما اجتمع موحا وحادة في منطقةٍ نائية، شرع كل منهما يبكي في مكانه جرّاء ما وقع له من خيانةٍ وطردٍ وإهمالٍ من طرف الأهل، حتى تشكّلت أمام كل واحد منهما بحيرة من دموع الوجع والحرمان، وسمّيت بحيرة موحا بإسيلي، وبحيرة حادة بتيسليت.

تكفير عن الخطيئة؟

تختلف الآراء حول الأسباب الرئيسية الكامنة في تنظيم موسم الخطوبة، أو موسم سيدي أولمغني، في منطقة إملشيل. في رحلتنا بحثاً عن جواب لهذا السؤال، صادفنا رجلاً قد يكون على مشارف المئة، وتبدو عليه ملامح العياء، ويبدو أنه لم يغادر قط المنطقة التي وُلد فيها. يتحدث القليل من "العربيّة" الممزوجة بالأمازيغية.

الحياة هنا، بعيدة عن صور "موسم الزواج". إلا أن الحقيقة هي أنّ أمل الناس، وعزيمتهم، يفوقان صلابة الجبال المحيطة بهم، على الرغم من التهميش. إملشيل

أخبرنا بأن الحياة منعدمة خارج موسم الزواج: "ما كاين والو"، ليحكي أن الموسم جاء بعد "الخطيئة" التي ارتُكِبت بحق تيسليت وإيسلي، حسب ما روى له والده، نقلاً عن أجداده، الذين يردّدون أن من كانوا سبباً في مأساة تسليت وإيسلي، أصبحت لديهم رغبة في التكفير عن غلطتهم، لتعود الحياة كما كانت من قبل، واجتمعت القبيلتان من جديد. إلا أن "الخطيئة" بحق حادّة وموحا، ظلّت تلاحق آيت حديدو، فأقسمت القبيلة ألا تقف في وجه العشاق، وأن تيسّر لهم الزواج، وأن تخلّد كل زوجين من خلال حفل زواج جماعي يُعرف اليوم بموسم "أَكْدُود نْ سيدي حْمَاد أولمغني"، وهو ملتقى لمختلف القبائل، إذ تقتني ما تحتاجه في فصل الشتاء، فضلاً عن التبرك بزيارة الولي الصالح، سيدي أحمد أولمغني، وهو الرجل الذي تقول الأسطورة إنه حاول تزويجهما.


استمر الحديث مع الرجل العجوز. تارةً أفهم ما يقول، وتارةً أكرّر السؤال، علّه يدرك أني لا أفقه من اللّغة الأمازيغية إلا عبارات قليلة. سألته عن الفكرة النمطية في خصوص تزويج بنات القبيلة وأبنائها، وما يروَّج عن عرضهن للبيع في موسم الزواج، إلا أنه رفض أن أكمل حديثي، وقاطعني بلهجته، منبّهاً إلى أن للموسم طقوساً خاصةً، وليس سوقاً للنساء الراغبات في الزواج، بل هو موسم كبير يقام للتقرّب من الله عند الولي الصالح سيدي أولمغني، وكذلك لعرض المنتوجات المحلية من حليّ وملابس وغيرها، فضلاً عن تزويج أبناء القبيلة وبناتها الذين تم تسجيلهم في وقتٍ سابقٍ، ويعرفون بعضهم البعض من قبل. والقصد هنا، يقول الشيخ، هو أنه عرس جماعي لأبناء المنطقة، والزواج في نطاق قبيلة آيت حديدو، ولا يُقبَل فيه الغرباء، كما قد يعتقد البعض، وكما يبدو لمن لم يزوروا يوماً منطقة إملشيل.

الحياة خارج "موسم أكدود"

استمرت الرحلة بين أزقة بلدة إملشيل، حيث بساطة أهل المنطقة، ولعب الأطفال، وجلوس الشباب على جنبات بعض المقاهي التقليدية الجميلة، توحي بأن الكل ينتظرون حلول موسم الزواج، للترويج للسياحة، وللبحث عن مدخولٍ بسيطٍ من زوّار الموسم، والوافدين إليه. دخلنا مقهى لرجلٍ ستيني يُدعى عْلِي. كان الرجل طيباً جداً، وبادرنا بالترحيب، والغناء الأمازيغي الجميل الذي يتغنّى بأمجاد المنطقة، وبطولة أهلها، فبادرت إلى الحديث والسؤال عن حال المنطقة التي يبدو أن "موسم البكاء" قد حلّ فيها، بدل الفرح. أدرك حجم السؤال، فأجاب: "إننا هنا منسيون. يتذكروننا فقط عندما تحضر الكاميرات والأجانب والمسؤولون بسياراتهم الرباعية الدفع"، ويقصد بذلك الإقبال اللافت على البلدة، حتى من طرف السياح الأجانب، في موسم الزواج.

لم يدم الحديث معه طويلاً. جلب لنا الشاي الأمازيغي، المنسّم بأعشاب طبيعية من المنطقة، وجلب لنا معه حلوى، وبعض الأرغفة، وخبزاً طُهي في فرنٍ تقليديٍ أخبرنا بأنه هدية منه لنا، ليعود إلى مكانه الصغير حيث يعدّ الشاي، والقهوة المنسّمة، والوجبات التقليدية.

سرنا بعدها في طريق لا تصلح للسير مرةً أخرى، وكانت مجازفةً بسيارة لا تقوى على المسالك الوعرة بين الحقول، لنصل إلى ضريح سيدي أولمغني الذي يقام فيه الموسم. كان خالياً على عروشه، وحيداً يقاوم البرد، والعوامل الطبيعية، وكان هذا الفراغ وحده جواباً كافياً على أن المنطقة التي نبعت منها أسطورة خلّدت عاشقين، تعيش أنيناً داخلياً لا يسمعه إلا ساكنوها.

داخل كل بيت هناك حكاية، ومعاناة، والقاسم المشترك بين أهالي المنطقة هو عمل النساء في الحقول، ورعي الأغنام، وعمل الرجال في الجبال بحثاً عن قوت يومٍ يعودون به إلى البيت. بينما الأطفال هنا، قلّة منهم أسعفتهم الظروف للدراسة، ومنهم من منعته قساوة الحياة والمسالك الوعرة من الوصول إلى المدرسة، أو استكمال الدراسة في مدينة أخرى، بعيداً عن الأهل.

يصعُب وصف بعض الأمكنة هنا، وخصوصاً القرى المجاورة، وتلك التي على رأس الجبل، في إقليم إملشيل، وعلى امتداد طريق طويلة تأخذنا إلى مدينة تنغير التي تسكنها قبائل همّها العيش قرب منابع الماء، وأراضيها، وبعضها من الرحّل الذين يستقرّون حيث لقمة العيش البسيط.

لم تدم الرحلة طويلاً، ولم نُصدَم بحقيقة الواقع. ذهبنا بفكرة أن الحياة هنا ليست داخل الموسم، وعدنا بقناعةٍ أشدّ بأن الحياة هنا خارج ما يتصوّره من تصلهم صور موسم الزواج، وأشرطته. إلا أن الحقيقة التي لا يمكن المرور عليها، هي أن أمل الناس هنا، وعزيمتهم، يفوقان صلابة الجبال المحيطة بهم، وأن منازلهم كثيرة الرماد، وأينما حللت، وجدت وجوهاً مبتسمةً، وبيوتاً غير مقفلة، ومساجد مفتوحة للسائل، ولعابر السبيل، هنا في إميلشيل، حيث يسود السلام والحب، وتنعدم الضغينة، وهذا ما افتقدته المدينة.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard