شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"مبادرة التلاحم" في الجزائر... دعوة للتغيير أو غطاء لدعم تبون في الانتخابات؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الثلاثاء 22 أغسطس 202312:23 م

الزمان: الساعة الثامنة صباحاً. المكان: المركز الدولي للمؤتمرات -عبد اللطيف رحال- الذي يقع أمام مدخل نادي الصنوبر، وهو "كومباوند" سكني ومصيف يقطنه وزراء وإطارات دولة، ويقضون فيه إجازاتهم الصيفية.

شكّل هذا المكان أيام الحراك الشعبي، مطلباً لبعض الفئات التي نادت بفتحه لعموم الشعب للاستجمام على شواطئه بعد أن ظلّ امتيازاً خاصاً للمسؤولين.

وبالفعل، تحققت الأماني سريعاً آنذاك، وفُتحت أبوابه لبضعة أيام قبل أن يتراجع زخم الحراك، ومعه سرعة الاستجابة للطلبات، ثم انتهى كل شيء مع تفشّي وباء كورونا.

لم يعد أحد يطالب بدخول نادي الصنوبر. يبدو هذا المطلب سخيفاً أمام حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المجتمع الجزائري اليوم، وهي تحديات كبيرة لم تبذل الأحزاب ولا النواب ولا التشكيلات السياسية جهوداً لمواجهتها.

حال الساحة السياسية في الجزائر اليوم

تعيش الساحة السياسية في الجزائر بعد انحسار الوباء حالة تصحّر تام. لا مبادرات في الساحة السياسية، والمبادرة الوحيدة البارزة في السنتين الماضيتين تقدّم بها رئيس الجمهورية نفسه تحت مسمى "لمّ الشمل"، ولم تلعب فيها الأحزاب دوراً أكبر من التثمين والتصفيق.

اما في قصر المؤتمرات، فقد كان رئيس حزب البناء عبد القادر بن قرينة  (الذي حلّ ثانياً في الانتخابات الرئاسية)، يحاول أن يغيّر الوضع الحالي، وذلك باقتراح مبادرة تحمل اسماً مألوفاً ألا وهو: "تعزيز التلاحم وتأمين المستقبل". . والتلاحم هو الصفة الرسمية التي أطلقتها السلطات الجزائرية على اليوم المخلد لانطلاق الحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. وتحتفل الجزائر كل 22 شباط/ فبراير من كل عام، بـ"اليوم الوطني للأخوّة والتلاحم بين الشعب وجيشه".

نجاح نسبي لبن قرينة

في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كان يبدو أن بن قرينة نجح في إقناع عدد لا بأس به من الشخصيات السياسية بالانعطاف يميناً نحو مدخل قصر المؤتمرات، عوض إكمال الطريق إلى شاطئ نادي الصنوبر.

وجاءت وفود أكبر الأحزاب الداعمة للحكومة على غرار حركة البناء الوطني، وجبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وصوت الشعب، وكلها أحزاب تمتلك تمثيلاً برلمانياً وتشارك في الحكومة.

كما حضرت مجموعة من الأحزاب الموالية الأخرى مثل الفجر الجديد، والكرامة، وتجمع أمل الجزائر، والتحالف الجمهوري، وجبهة الجزائر الجديدة، بالإضافة إلى النقابات العمالية، بما في ذلك الاتحاد العام للعمال الجزائريين وبعض النقابات المستقلة، إلى جانب منظمات وطنية مهمة مثل جمعية المجاهدين (قدامى المحاربين في الثورة) وجمعيات أبناء الشهداء والكشافة الإسلامية.

أكبر تجمّع سياسي في الجزائر

عجّت قاعة المؤتمر بالحضور وشارك أزيد من ألف مشارك فيه، وهو ما عُدّ أكبر تجمع سياسي للقوى الوطنية في البلاد، إذ اكتظ بممثلين عن مجموعة متنوعة من الأحزاب والقوى السياسية والمدنية والمنظمات والنقابات، إلى جانب شخصيات مستقلة ونخب وأكاديميين ومرجعيات دينية محلية.

بن قرينة الذي كان أول السياسيين الذين ألقوا خطاباً في المؤتمر، قال إن "مؤتمر التلاحم هو الأكبر في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال"، معللاً رأيه بأنه "ضمّ أكثر من 95% من ممثلي الشعب في المجالس الشعبية المحلية والوطنية".

في حين دعا الأمين العام للحزب الأكبر في الجزائر جبهة التحرير الوطني، أبو الفضل بعجي، إلى الخروج من الصالونات نحو الميدان لتوعية المواطنين بـ"المخاطر المحتملة" وضرورة "الالتحام" لتشكيل "جبهة داخلية صلبة" ضد التهديدات التي قال إن منها ما يأتي من الخارج "بسبب دعم الجزائر للقضايا العادلة في العالم".

من جهته، قال الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي مصطفى ياحي: "أخاف أن تكون مثل هذه الندوات بعيدةً عن نبض الشارع من دون روح"، مضيفاً: "لذلك نأمل أن تكون هذه الندوة انطلاقةً فعليةً لإطلاق مسار تعبوي تنخرط فيه كل القوى الوطنية، والعمل على إقناع كل القوى السياسية المعارضة والنخب التي تحفظت أو قاطعت، بما فيها أحزاب المعارضة، لتحقيق الاجتماع في القضايا الوطنية".

هكذا تنازل الجزائريون عن حقهم في دخول نادي الصنوبر

جبهة دعم الرئيس تبون

ويهدف المؤتمر من عنوانه إلى تعزيز الجبهة الداخلية وحماية البلاد من التوترات الإقليمية، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة والسياسات التي يتبناها الرئيس عبد المجيد تبون.

لكن قراءات ذهبت إلى إمكانية تطوير المبادرة إلى جبهة تأييد سياسي ومدني للرئيس الجزائري في السياق المتوقع للتحولات المقبلة مع اقتراب موعد رئاسيات 2024.

مع ذلك تبقى هذه التحليلات أقرب إلى التكهنات، على اعتبار أن الرئيس عبد المجيد تبون لم يفصح بعد عن نيته في الترشح لولاية ثانية.

وجاء في خطاب بن قرينة دعم صريح للرئيس تبون: "ستجدون منا، السيد الرئيس، كل الدعم في أي جهدٍ يصون وديعة الشهداء، أو في كلِّ مسعى تسعونه لإسعاد المواطنين ورفاهية المجتمع، أو في كلِّ قرار يحافظ على الأمنِ والاستقرارِ ويكرّس الحقوق والحريات، أو في كلِّ توجيه دبلوماسي تحمون به المصالح الحيوية للجزائر ويحقق محوريتها".

كما دعا بن قرينة الرئيس تبون إلى تبنّي مخرجاتها السياسية، وقال: "ندعو الرئيس إلى احتضان المساعي الوطنية الرامية إلى تمتين الجبهة الداخلية، ورصّ الصف الوطني. إننا نؤكد هنا أهمية مثل هذا الاحتضان الذي نتطلع إلى ترقيته إلى فضاء حوار وطني، يستوعب كل القوى الوطنية، حول رهانات الوطن وتحدياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية".

مخاوف المعارضة والإسلاميين

أعلنت حركة مجتمع السلم، التي تُعَدّ أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد، وتشكل أكبر كتلة معارضة في البرلمان، أنها ليست مهتمةً بالمشاركة في المبادرة في ظل شكوك تثار حيال مقاصدها وعلاقتها بالتحضير للاستحقاق الرئاسي المقبل، ومن ناحية أخرى يُبدي "جيل جديد" رفضه المشاركة للسبب نفسه.

كما امتنعت أحزاب أخرى عن المشاركة في المبادرة، مثل حزب العمال وحركة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والاتحاد من أجل الرقي، وعدّت نفسها غير معنية بها في حين أعلنت جبهة القوى الاشتراكية عن استعدادها لتقديم مبادرة سياسية جديدة، تستهدف إطلاق حوار وطني جديد.

هل ينجح عبد القادر بن قرينة في ضخ الدماء من جديد في عروق الحياة السياسية الجزائرية؟

11 هدفاً و7 توصيات

تتضمن وثيقة المبادرة التي حملت شعار "شراكة سياسية، اقتصاد قوي، عدالة اجتماعية، مجتمع متماسك، دولة محورية"، 11 هدفاً، أبرزها: تحصين ثوابت الأمة ومقومات هويتها، والدفاع عن المصالح العليا، وتعميق الحوار في القضايا والقرارات الوطنية المهمة، وبناء رؤية متكاملة لكسب رهانات الأمن القومي، وتحقيق الانسجام الوطني في المواقف الدولية، وإسناد توجهات رئيس الجمهورية في السياسة الخارجية ومؤسسة الجيش، والحفاظ على استقلالية القرار السياسي والاقتصادي الوطني، وتعزيز الجبهة الوطنية في الداخل، وتقديم الرؤى والمقترحات العملية للسلطات العليا في كل ما من شأنه دعم الجبهة الداخلية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والعمل على تحقيق تطلعات المواطن وتحسين ظروفه المعيشية.

وفي نهاية المؤتمر اتفق الحاضرون على المصادقة على توصيات من بينها: "دعوة الشعب الجزائري بكل فئاته إلى التلاحم واليقظة من أجل تقوية الجبهة الداخلية، والالتفاف حول مؤسسات الدولة ودعم مواقفها الإستراتيجية"، كما تم تكليف المشاركين في المبادرة بتوحيد الصفوف والمواقف من أجل تحمّل أعباء المرحلة والدفاع عن المصالح العليا للوطن.

كما وجه المشاركون دعوةً إلى السلطات الرسمية لتسهيل عمل المنخرطين في المبادرة ومختلف شرائح المجتمع لفتح ورشات الحوار الشامل حول أبعاد المبادرة.

وفي النهاية تم تكليف النخب السياسية والأكاديمية ببلورة أفكار المبادرة في صيغة مشاريع وبرامج وآليات عمل.

على الرغم من التفاؤل الذي أحاط بهذا الحدث، تظل هناك تخوفات من أن يكون مجرد استنساخ لتجارب سابقة لم تحقق أهدافها بالكامل، ويبقى نجاح هذه المبادرة في ظل أهدافها المعلنة رهين قدرتها على تحقيق التوافق مع التشكيلات السياسية الأخرى وتجاوز التحديات المتعددة التي تواجهها الجزائر في الوقت الحالي.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard