شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
أحدثها اعتداء جماعي على مراهق يمني… استفحال العنصرية

أحدثها اعتداء جماعي على مراهق يمني… استفحال العنصرية "المسكوت عنها" ضد العرب في تركيا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

أثارت حادثة اعتداء جماعي وحشي في تركيا على مراهق يمني ضجّةً واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التركية والعربية خلال الساعات الماضية، مغذّيةً النقاشات حول استفحال المواقف العنصرية وخطاب الكراهية ضد الأجانب، وبخاصة العرب والسوريين هناك.

وهناك انقسام حول قضية المهاجرين واللاجئين في تركيا بين فريق معارض بشدة ويرى في اللاجئين سبباً وراء نكبات البلاد الاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك التضخم وارتفاع معدلات الجرائم، وفريق آخر، ينحسر يوماً بعد يوم، يرفض التحريض وخطاب الكراهية ضد الأجانب وإن كان يتمنى أصحابه عودتهم إلى بلادهم متى أمكن ذلك.

لكن الحوادث العنصرية والعنيفة المتزايدة ضد الأجانب، خاصةً العرب والسوريين في تركيا في السنوات الأخيرة، تكشف عن تضخّم الفريق الأول مقارنةً بتضاؤل الفريق الثاني.

حقيقة الاعتداء الجماعي الوحشي على فتى يمني

انطلاقاً من حادثة الاعتداء الأخيرة، كان عدد من الصحافيين والناشطين الأتراك قد تداول مقطعاً مصوراً يُظهر شاباً وهو يحاول الهرب من عشرات الأشخاص الذين يلاحقونه قبل أن يوقعوا به ويبرحونه ضرباً. مع التعليق بأنها لحادثة اعتداء على مراهق يمني - قيل إنه يبلغ من العمر 15 عاماً - تشاجر مع مراهق تركي قبل أن يتسع الشجار إلى والدي المراهقين، لينضم بضع عشرات المواطنين الأتراك للمراهق التركي ووالده ويعتدون جميعاً بالضرب عليهما.

اختلفت الروايات حول الشخصين اللذين يتعرضان للضرب والملاحقة في المقطع، فورد أنهما أب ونجله، وقيل أيضاً إنهما شقيقين. مع الاتفاق على أن الضحيتين من الجنسية اليمنية ومقيمان في إسطنبول.

"لم نعد نشعر بالأمان نحن وعائلاتنا. تزايدت المعاملة العنصرية الشنيعة"... شهدت الفترة الأخيرة تحوّلاً لافتاً في مواقف العرب في تركيا، الذين طالما أظهروا انحيازاً لأردوغان وسياساته وحكومته. ماذا حدث؟

وزعم مروجو الفيديو أن المراهق اليمني الظاهر في الفيديو انتهى به الحال فاقداً للوعي في غرفة للعناية المركزة بإحدى المشافي، مطالبين السلطات الأمنية بالبحث عن الجناة ومحاسبتهم على الفعل الوحشي والعنصري. سرعان ما تناقل المقطع عدد من الناشطين العرب واليمنيين، مستنكرين "التكالب والنزعة الانتقامية البادية" في مواجهة شاب صغير.

من جانبه، أوضح الصحافي اليمني محمد القمراني، عبر حسابه في فيسبوك، أن الحادثة تعود لـ"اعتداء عنصري آثم من قبل عصابة تركية تضم عدة أشخاص" مساء الاثنين 31 تموز/ يوليو 2023، على ولدي الشيخ اليمني محمد يحيى النهاري، فراس وهشام، المقيمين في اسطنبول بهدف الدراسة.

وأضاف: "كان هشام (15 عاماً) يلعب مع فريق يمني وجنسيات أخرى في مجمع كريستال شهير في أسنيورت بإسطنبول… إذا بأحد الأشخاص يهب من الخارج مع ابن له متجهاً نحو هشام بهدف ضربه مردداً عبارات عنصرية على مرئ ومسمع من حراسة وأمن المجمع الذين لم يبدوا أي اهتمام لمنع الاعتداء".

وتابع الصحافي اليمني بأن الوالد حين علم بالاعتداء على نجله الأصغر أرسل شقيقه الأكبر لإبلاغ أمن المجمع ليفاجأ هذا الأخير بـ"عصابة من خمسين شخص يهاجمونه" فيما كان الشقيق الأصغر يتعرض لاعتداء من مجموعة أخرى من الأشخاص. واتهم الأمن بالتواطؤ مع المعتدين بل وضرب نجل الشيخ "أربع كفوف على وجهه" حين ذهب محتمياً بهم.

وحثّت المحامية والحقوقية اليمنية هدى الصراري سفارة بلادها في أنقرة على "متابعة الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المعتدين لتقديمهم للعدالة من أجل تعويض المجني عليهم الشابين اليمنيين ومتابعة وضعهما الصحي وإصدار بيان رسمي بما حدث والإجراءات المتخذة لحماية اليمنيين تجاه هذه الأفعال العنصرية المخالفة للقوانين الدولية".

لاحقاً، أشارت صحيفة "تعز تايم"، عبر تويتر، إلى أن "السفير اليمني لدى #تركيا يصل إلى مجمع كريستال شهير السكني في إسطنبول بصحبة رئيس الجالية اليمنية والأعيان وبعض الإعلاميين وذلك عقب حادثة الاعتداء على شاب يمني"، دون تفاصيل إضافية.

"عنصرية متغافل عنها"

تعقيباً على الحادثة، حذّر السياسي السوري خالد خوجة، العضو المؤسس لحزب "المستقبل" التركي المعارض، عبر فيسبوك، من أن "العنصرية المتغافل عنها رسمياً بدأت تخرج عن حالة المزايدات الانتخابية لتشكل تحدياً خطيراً أمام تركيا يفوق التحدّي الاقتصادي ويأخذ طابعاً إرهابياً هجيناً ومنظماً ينال كل ما هو غير تركي وتتشارك فيه شرائح شعبية واسعة مع مجموعات تنفيذية وضاغطة تتوزع داخل المؤسسات الرسمية والإعلامية".

وأردف خواجة بأن "استمرار التستر رسمياً عن هذه الحالة، في الوقت الذي نشهد فيه عدم تساهل يؤدي إلى اعتقال فوري بسبب إعادة تغريدات لا تروق صانعي القرار في أنقرة، سيدفع إلى تعدّي هذا الخطر نحو المجتمع التركي نفسه الذي يشكّل فسيفساء من الأعراق والثقافات".

وتشير أرقام مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إلى أن تركيا تستضيف نحو 3.7 مليون سوري يتمتعون بـ"الحماية المؤقتة" في تركيا. علاوة على 230 ألفاً آخرين حاصلين على الجنسية التركية. وتستضيف مدينة إسطنبول العدد الأكبر من اللاجئين، بمن فيهم أكثر من 530 ألف لاجئ سوري، وفق إدارة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية التركية.

تضاف إلى هذه الأعداد الملايين من الجنسيات المختلفة الذين يقيمون في تركيا للعمل أو الدراسة أو لأسباب سياسية ودينية أو السياحة. لكن عوامل عديدة ساهمت في تصاعد العنصرية ضد الأجانب في تركيا بوجه عام، وعلى نحو خاص العرب والسوريين منهم، على الصعيدين الشعبي والمؤسساتي.

لعل أبرزها تزايد أعداد اللاجئين، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وعجز السياسات الحكومية عن مواجهة التضخم خاصةً في ظل مواجهة تبعات جائحة كورونا وفاجعة زلزال شباط/ فبراير 2023، والانقسام السياسي واستغلال قضية اللاجئين للاستقطاب السياسي واكتساب الشعبية من قبل جميع الخصوم السياسيين في الخطابات الانتخابية.

في تركيا "العنصرية المتغافل عنها رسمياً بدأت تخرج عن حالة المزايدات الانتخابية لتشكل تحدياً خطيراً أمام تركيا يفوق التحدّي الاقتصادي ويأخذ طابعاً إرهابياً هجيناً ومنظماً ينال كل ما هو غير تركي وتتشارك فيه شرائح شعبية واسعة مع مجموعات تنفيذية وضاغطة تتوزع داخل المؤسسات الرسمية والإعلامية"

إجراءات متشددة ضد الأجانب

وتكررت خلال السنوات الأخيرة حوادث الاعتداء على الأجانب والعرب، سيّما السوريين في تركيا. وأخذت الحوادث العنصرية بعداً أكثر تنظيماً عقب فوز الرئيس أردوغان بولاية جديدة.

وشهدت الأسابيع الماضية أوجه أخرى للعداء السياسي للمهاجرين في تركيا من بينها إقدام بعض البلديات، بما فيها بلدية "إسنيورت"، على إزالة لافتات المحلات التجارية العربية، وفق قانون البلديات التركي الذي يحظر استعمال لافتات مكتوبة بغير التركية بنسبة تصل إلى 75%. لكن القانون كان طي النسيان منذ سنوات طويلة، كما أنه يشمل جميع اللغات غير التركية وليس العربية فقط، ومع ذلك لم يطبّق إلا على اللافتات بالعربية، ما قد يُشير إلى استهداف واضح للمهاجرين العرب.

وتشن السلطات التركية حملات تفتيش مكثّفة عن المخالفين لشروط الإقامة والتنقل في الولايات التركية، وعمليات إطلاع واسعة على الوثائق الثبوتية الرسمية في محطات الحافلات والمترو وفي الشوارع والميادين الرئيسية. كما تجري عمليات ترحيل منظمة للاجئين السوريين باتجاه مناطق الشمال السوري بشكل يومي تقريباً في ما تصفه بـ"العودة الطوعية" وتقول جماعات حقوقية دولية إنه يُثير الشبهات بحدوث "إعادة قسرية" لمناطق ما تزال "غير آمنة".

ويشكو مهاجرون عرب مقيمون في تركيا راهناً من تعقيد شروط وإجراءات الإقامة للعرب، ما يدفعهم للعودة إلى دولهم الأصلية أو التفكير في ملاذ آخر. ويتهم سوريون مقيمون في تركيا إن السلطات التركية رحّلت أقارب لهم رغم أنهم مقيمون شرعيون في البلاد منذ سنوات.

خطاب أردوغان

اللافت أن كل هذه الإجراءات تتزامن مع إصرار الرئيس التركي، أردوغان، على انتقاد موقف المعارضة التركية من أزمة اللاجئين. الأسبوع الماضي، قال: "موقف المعارضة في بلادنا تجاه السوريين الذين فروا من الموت ولجأوا إلينا وتطلعوا إلينا كأنصار، ليس إنسانياً ولا إسلامياً".

مع ذلك، اعترف أردوغان بأن حكومته كثّفت تحركاتها ضد المهاجرين إذ قال "بالتزامن مع كافة هذه الخطوات، كثفنا جهودنا في مكافحة الهجرة غير النظامية في مدننا الكبرى وخاصة إسطنبول"، مستدركاً "ليست لدينا أي مواقف سلبية تجاه الذين يزورون بلادنا بغرض السياحة والاستثمار والتعليم والعلاج أو تجاه الخاضعين لقانون الحماية المؤقتة".

ومن الإجراءات التي أشار إليها القبض على 36 ألف مهاجر غير نظامي وترحيل 16 ألفاً منهم، ومواصلة ما وصفها بـ"العودة الطوعية" للاجئين السوريين إلى مناطق الشمال السوري، مؤكداً أن "نحو 600 ألف سوري للأماكن التي حوّلناها إلى مناطق آمنة" وتوفير "مساكن لـ90 ألف أسرة". وزاد بأن حكومته بصدد "إعادة 240 ألف أسرة أي ما يعادل مليون سوري (إضافيين) إلى بلادهم".

"لم نعد نشعر بالأمان نحن وعائلاتنا. تزايدت المعاملة العنصرية الشنيعة. الصورة الجميلة التي رُسمت عن #تركيا #إسطنبول تحديداً تلاشت مع تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية ضد كل عربي. هل من وقفة حقيقية توقف كل سياسي يحرض علينا وكل مريض بهذا الداء المُعدي؟".

تحوّل في مواقف أنصار أردوغان "العرب"

شهدت الفترة الأخيرة تحوّلاً لافتاً في مواقف العرب في تركيا، الذين طالما أظهروا انحيازاً لأردوغان وسياساته وحكومته رغم الانتقادات الحقوقية الدولية والمحلية. ارتكز هؤلاء دائماً إلى أن تركيا منحت آلاف المعارضين وملايين اللاجئين العرب ملاذاً آمناً منذ نشوب ثورات الربيع العربي عام 2011.

لا يعني ذلك تحوّلهم إلى خانة المنتقدين أو المعارضين لأردوغان. لكن على أقل تقدير أصبح هناك تلميح متزايد بأن تركيا لم تعد توفر بيئة آمنة للعرب بوجه عام - سواء كانوا سائحين أو مهاجرين أو لاجئين - وأن العنصرية باتت أزمة مستفحلة.

في هذا الصدد، غرّد المذيع في قناة المهرية اليمنية التي تبث من إسطنبول ، علي المحيميد: "لم نعد نشعر بالأمان نحن وعائلاتنا. تزايدت المعاملة العنصرية الشنيعة. الصورة الجميلة التي رُسمت عن #تركيا #إسطنبول تحديداً تلاشت مع تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية ضد كل عربي. هل من وقفة حقيقية توقف كل سياسي يحرض علينا وكل مريض بهذا الداء المُعدي؟".

كان المحيميد قد أعرب عن سعادته بفوز أردوغان بولاية جديدة في رئاسة تركيا أخيراً، قائلاً: "سنفرح بفوز الطيب عناداً بكل من يكره تركيا وحكومتها سواء كانوا عرباً أو غرباً" حيث وصف هذا الفوز بأنه انتصار "للشعب التركي ولكل المستضعفين".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard