الأيتام على موائد اللئام... هكذا تعيد تركيا تشكيل المكوّن السكاني في الشمال السوري

السبت 28 مايو 202203:06 م

عمل النظام السوري على تغيير التركيبة الديموغرافية في سوريا عبر إستراتيجية "قصف-حصار-تجويع-مفاوضات-تهجير قسري"، وهي سياسة سار عليها النظام وإيران إذ قاما بتوطين الميليشيات في أملاك السوريين ومناطقهم التي هُجّروا منها، بالإضافة إلى وضع اليد على ممتلكاتهم تحت مسمّى قانون تنظيم المدن، لإحلال عائلات الميليشيات والمقاتلين الإيرانيين مكان السكان الأصليين، ومنحهم الجنسية السورية. ووفقاً للأرقام الدولية، فإن سوريا هي أكبر دولة مصدرة للّاجئين، إذ هُجّر منها أكثر من ثلاثة عشر مليون مواطن، نصفهم نازحين داخلياً، والنصف الآخر في بلدان العالم المختلفة.

عملية التهجير القسري والتغيير الديمغرافي ليست في الحقيقة حالةً عابرةً فرضتها الحرب، بل باتت أمراً واقعاً، ولها خريطة واضحة، فحتى يستطيع النظام السوري أن يعيش، عمد إلى تشكيل طوق يُسمّى بحزام دمشق لتغيير ديمغرافية المدن والبلدات المحيطة بالعاصمة، وخصوصاً للتغيير الديمغرافي في مناطق الحدود السورية-اللبنانية، وفي محافظات اللاذقية، وطرطوس، وحماة، وحمص، حيث تم إجبار سكان هذه البلدات السنّية، بشكل خاص، على النزوح إلى شمال سوريا، وتحديداً إلى محافظة إدلب والحدود التركية.

عمل النظام السوري على تغيير التركيبة الديموغرافية في سوريا عبر إستراتيجية "قصف-حصار-تجويع-مفاوضات-تهجير قسري"، وهي سياسة سار عليها النظام وإيران

وبعد 11 عاماً من مسار الثورة السورية، وحال اليأس الذي وصلت إليه، بات من الواضح أن الأطراف المنخرطة في الصراع تتعامل اليوم مع الأمر الواقع، وترى أهمية إعادة الهندسة الديموغرافية إلى المدن السورية، ولعلّ ما تقوم به تركيا مؤخراً خير دليل على ذلك، من إعادة توطين اللاجئين وما يُمكن أن تنتجه العملية العسكرية التي أعلن عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الشمال السوري، والتي تستهدف المكوّن الكردي من بوابة محاربة "قوات سوريا الديمقراطية" وحزب العمال اللذين تعدّهما خطراً على أمنها.

الجغرافيا المعقدة

يعيش الأكراد في المنطقة الجبلية الممتدة على حدود العراق وتركيا وسوريا وأرمينيا وإيران، ويطلقون على هذه المنطقة اسم "كردستان". ومع حلول القرن السادس عشر، كانت أراضي الأكراد مسرحاً للصراع بين العثمانيين والصفويين؛ قاتل الأكراد بجانب الدولة العثمانية، وسمحت الأخيرة لهم بحكم ذاتي، لكن سرعان ما حدث اتفاق بين الدولتين العثمانية والصفوية، وتم ترسيم الحدود بينهما سنة 1639، وأدى الاتفاق إلى تقاسم أراضي الأكراد، فكانت الأجزاء الشمالية من الأقاليم الكردية تابعةً لإيران، والأجزاء الغربية والجنوبية تابعةً للدولة العثمانية.

وفي مطلع القرن العشرين، وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، قُسّمت الأراضي التي كانت تخضع لها، وتفرَّق الأكراد في الأقطار التي شكلتها اتفاقية سايكس بيكو. ثم أبرمت دول الحلفاء معاهدة سيفر عام 1920، ومُنح الأكراد الحق في الاستقلال، إلا أن هذه الآمال تحطمت بعد حدوث تفاهمات بين الحلفاء وتركيا، وحصول مصطفى كمال أتاتورك على دعم الغرب، إذ تم التوقيع على معاهدة لوزان عام 1923، وقد تجاهلت الوعود السابقة للأكراد بمشروع الوطن القومي، كما رسخت الشتات الكردي بين إيران والعراق وسوريا وتركيا وأرمينيا وأذربيجان. لكن اللافت أن الحدود تم ترسيمها بشكل لا يسمح بإنشاء دولة كردية، فانتهى الحال بهم كأقليات في دول عدة، وتم التعامل معهم كبؤرة توتر جاهزة للتهديد من كل طرف، عند الطلب.

العودة إلى المواجهة

يمثل أكراد سوريا نحو 8% من عدد السكان، ويتركز وجودهم في شمال شرق البلاد، وخاصةً في مدن الحسكة، والقامشلي، وديريك، وعفرين، وعين عرب، وقد عانوا في سوريا من تعريب ثقافتهم، وحرمانهم من فرص التعليم والعمل والمشاركة السياسية، كما جرّد النظام السوري أكثر من 300 ألف كردي من الجنسية السورية، وصادر أراضيهم، وأعاد توزيعها على العرب، متلاعباً بشكل مباشر بالديمغرافيا الكردية.

يمثل أكراد سوريا نحو 8% من عدد السكان، ويتركز وجودهم في شمال شرق البلاد، وخاصةً في مدن الحسكة، والقامشلي، وديريك، وعفرين، وعين عرب

وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي، استمرت حرب شبه باردة وغير معلنة بين تركيا وسوريا، ولعبت الأخيرة بورقة الأكراد من أجل الضغط على تركيا. وفي خطوة جريئة، استضاف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وسمح له بإنشاء معسكرات تدريب. عندها، أرادت تركيا تلقين الأسد الأب درساً قاسياً، فحشدت في العام 1998 عشرات الآلاف من الجنود على الحدود لاجتياح جارتها سوريا.

كان الأسد في أشد حالات الخوف على حكمه من الاجتياح المرتقب، وسرعان ما أدرك نفاد صبر الأتراك، فتواصل مع دول عربية لتتوسط له مع أنقرة. وفي مدينة أضنة التركية عام 1998، تم التوقيع على اتفاقية أضنة التي أعدّها الأتراك، وكانت تحمل شروطاً مهينةً لسوريا، وبموجب بنودها مُنح الأتراك جق اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية والعسكرية داخل الأراضي السورية وبعمق 5 كلم². وتتوغل تركيا اليوم عسكرياً في الشمال السوري استناداً إلى اتفاقية أضنة وملحقاتها السرية التي وقّعها الأسد الأب.

تتريك الشمال

مع اندلاع الثورة السورية، عادت العلاقات بين تركيا وسوريا إلى ما كانت عليه قبل اتفاقية أضنة، فانحازت أنقرة إلى الثوار وتركت تحالفها مع النظام، وبدأت فكرة الوطن القومي للأكراد تعود إلى الواجهة مرةً أخرى، خصوصاً بعد الانسحاب المفاجئ للنظام السوري من مناطق شمال شرق سوريا ذات الغالبية الكردية.

 ساعدت العوامل الدولية قبل قرن تركيا في ضم الإسكندرون، تساعدها العوامل اليوم في تتريك الشمال السوري، وإعادة تشكيل المكوّن السكاني، بعد أن كانت مناطق الأكراد تاريخياً حصن البقاء القومي لهم، ولم تستطِع حتى الإمبراطورية العثمانية التي حكمت تلك المناطق لخمسة قرون، السيطرة عليهم

وفي الأعوام التي تلت الثورة، تصاعدت الخلافات التاريخية، التي ليست وليدة اللحظة، وأراد صنّاع القرار في أنقرة الدخول عسكرياً في العمق السوري الشمالي، لطرد المسلحين الأكراد على طول الحدود، إذ تنظر تركيا إلى الأكراد الموجودين بالقرب من حدودها على أنهم يشكلون تهديداً لأمنها القومي، وفي المقابل يرى الأكراد أن حلم الوطن الجامع لا بد أن يتحقق.

استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الوجود العسكري لجيش بلاده في الشمال السوري، ليس فقط من أجل ضرب القوات الكردية على طول الحدود، بل من أجل إسقاط مشروع الوطن القومي للأكراد، ولذلك تتعمد أنقرة حالياً إحداث تغيير في الديمغرافيا الكردية، خصوصاً أن الأيام بعد ذلك كشفت عن فشل تركيا في إلحاق الهزيمة الكاملة بالأكراد الذين يتلقون دعماً أمريكياً.

وتعمل أنقرة حالياً، كما صرحت، على توطين مليون لاجئ سوري في ثلاث عشرة منطقة في الشمال السوري، ضمن المشروع التركي الرامي إلى منع إنشاء كيان سياسي مرتبط بحزب العمال الكردستاني، ولذلك تصيغ تركيا كل سياستها من هذا المنظور، وبالرغم من أن اتفاقية أضنة تضمن لها التوغل 5 كلم² في الحدود السورية لفرض الأمن، لكنها مع ذلك تسعى إلى إحداث تغيير في الديمغرافيا الكردية، من خلال توطين اللاجئين على حدودها الجنوبية لعزل أكراد شمال سوريا عن جنوب تركيا، وهو مشروع يشبه مشروع الحزام العربي الذي نفّذه النظام السوري في سبعينيات القرن الماضي.

في مدن محددة لها سكانها في الشمال السوري، مثل أعزاز، والباب، وإدلب، وجرابلس، وعفرين، وتل أبيض، ورأس العين، تبني أنقرة مستوطنات "عربيةً سنّيةً"، لخدمة مصالحها الأمنية

في مدن محددة لها سكانها في الشمال السوري، مثل أعزاز، والباب، وإدلب، وجرابلس، وعفرين، وتل أبيض، ورأس العين، تبني أنقرة مستوطنات "عربيةً سنّيةً"، لخدمة مصالحها الأمنية، ولتتخلص من القومية الكردية على حدودها، وذلك من خلال توطين اللاجئين في المناطق التي نزح عنها الأكراد، بدلاً من ديارهم الأصلية التي هُجّروا منها. لذا تم تهجير سكان رأس العين، وكوباني، وتل أبيض، وعفرين، التي كانت من أكبر المناطق السكانية الكردية، وتجاوزت نسبة الأكراد المهجرين منها 300 ألف بعد 2018. والعودة الطوعية التي أعلن عنها أردوغان لا يدخل فيها الأكراد المهجرون قسراً منذ 2018.

لم يختلف قمع نظام الأسد للأكراد كثيراً عن قمع الأتراك لهم، إذ ستكون هذه المستوطنات أداةً بيد تركيا تحركها كيفما تشاء، أو حتى تضمها إليها بشكل غير مباشر، وهو ما يظهر حالياً من خلال تغيير هوية المنطقة، وتكثيف الأعلام والرموز التركية في هذه المستوطنات، وأيضاً المدارس التي قامت ببنائها الجمعيات التركية، والتي ستعمل على إدخال عوامل ثقافية تؤثر على التقارب مع تركيا. وعليه، النتائج ستكون تقسيم البلاد وإجهاض أي حلّ سياسي مستقبلاً، كما أن القبول بتوطين اللاجئين في المستوطنات التركية يعني القبول ببقاء نظام الأسد وعدم إجباره على الحل السياسي، ومنع عودة السوريين إلى المدن والقرى التي هجّرهم منها، وتالياً يأتي هذا المشروع على حسابهم بالدرجة الأولى.

خطة العودة الطوعية لها أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية، تضرب تركيا من خلالها أكثر من عصفور بحجر واحد؛ أولاً تتخلص من عبء اللاجئين، وثانياً تنعش الاقتصاد التركي بأموال بعض الدول العربية والجمعيات الخيرية، وثالثاً تضع حزاماً عربياً بين الأكراد وتركيا. ويرى مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن تركيا تسعى من مشروع "العودة الطوعية" إلى طمس الحقوق والهوية الكردية، وتغيير ديمغرافية مناطقهم عبر إعادة الهندسة الاجتماعية.

ما قبل أوكرانيا وما بعدها

الملف الأوكراني سيغير مواقف كثير من الدول تجاه ملف الأكراد، ويبدو أن الفرصة الإستراتيجية الآن باتت تصب في صالح أنقرة، التي تحاول ملء الفراغ الناتج عن انشغال الأطراف الدولية في الحرب الأوكرانية من خلال تعديل بعض المعادلات الميدانية والسياسية في الشمال السوري، ويظهر هذا واضحاً من خلال مساومة الرئيس التركي على إنشاء المنطقة الآمنة التي يريدها بأي ثمن، وتسوية ملف اللاجئين، مقابل عدم عرقلة انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي.

ويعيش النظام السوري حالةً من القلق نتيجة وضع حاميه الروسي السيء في أوكرانيا، وتالياً بإمكان أردوغان الاستفادة أيضاً من ورقة روسيا في حال فشل في كسب ورقة السويد وفنلندا. لكن يبدو أن تركيا أخذت الموافقات المبدئية المطلوبة في هذا الجانب من الغرب، وستكون المقايضة ضوءاً أخضر لإنهاء حزب العمال الكردستاني بشكل سريع وإقامة المنطقة الآمنة، بالإضافة إلى أن أردوغان لا يريد فقط من السويد وفنلندا التوقف عن دعم حزب العمال الكردستاني، بل يريد قبل ذلك تصنيف وحدات حماية الشعب الكردية كمنظمة إرهابية بوصفها امتداداً لحزب العمال الكردستاني.

يعيش النظام السوري حالةً من القلق نتيجة وضع حاميه الروسي السيء في أوكرانيا، وتالياً بإمكان أردوغان الاستفادة أيضاً من ورقة روسيا في حال فشل في كسب ورقة السويد وفنلندا

على موائد اللئام

لطالما غيّر تيّار المصالح كافة الموازين، ولطالما كان الأكراد الورقة أو الشمّاعة التي تستخدمها جميع الأطراف المتصارعة كل حسب مصلحته، ويبدو أن القوى الدولية والإقليمية ورّطتهم ثم ستتخلى عنهم، فالغرب لا ضير عنده في أن يضحّي بالكرد بالرغم من تعاونهم معه وعلاقتهم الجيدة به.

من الواضح أن التاريخ يعاد مرةً أخرى، ولعل استحضار التاريخ ومطالعة الجغرافيا تعيناننا أكثر على فهم الوقائع، فحين احتلت إيطاليا ألبانيا، وشعرت فرنسا بالقلق الشديد من المخططات الإيطالية المتعلقة بشرق المتوسط، وتزامن ذلك مع اقتراب الحرب العالمية الثانية عام 1939، سعت فرنسا حينها إلى كسب تأييد الأتراك من أجل عدم انضمامهم إلى دول المحور بقيادة ألمانيا حليفة تركيا في حال نشوب حرب عالمية جديدة في أوروبا، ومن ثم مهدت الطريق لتركيا لضم لواء إسكندرون ذي الأغلبية العربية.

وكما ساعدت العوامل الدولية قبل قرن تركيا في ضم الإسكندرون، تساعدها العوامل اليوم في تتريك الشمال السوري، وإعادة تشكيل المكوّن السكاني، بعد أن كانت مناطق الأكراد تاريخياً حصن البقاء القومي لهم، ولم تستطِع حتى الإمبراطورية العثمانية التي حكمت تلك المناطق لخمسة قرون، السيطرة عليهم بسبب طبيعة التضاريس الجغرافية المعقدة، والتي شكلت عائقاً أمام جميع الأطراف، واليوم تبدو الفرصة سانحةً لإحداث تغيير في الحصانة الديموغرافية في المنطقة.

ما لم يفهمه الأكراد والسوريون إلى الآن، أن مصالح الدول ليس لها محل من الإعراب، فحسابات الدول تفرض نفسها، وما قبل الحرب على أوكرانيا ليس كما بعدها، ومستقبل سوريا بات يتعلق بمستقبل اللاعبين الرئيسيين في تركيا وروسيا وإيران والغرب، ويبدو أن البلاد ستشهد سيناريو شبيهاً بما يجري الآن في ليبيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard