عن التعاطف الذي يحتاجه السوريون كثيراً في تركيا... لكن ماذا بعد أحمد كنجو؟

الثلاثاء 26 يوليو 202201:47 م

تلاحقه الكاميرات والصحافيون، وربما هاتفه لا يتوقف عن الرنين. رؤساء بلديات ومسؤولون يريدونه، وقنوات التلفزيون أيضاً. تحول أحمد كنجو إلى "تريند" بلغة السوشال ميديا، وتحول خلال دقائق معدودة من مراهق يمشي خائفاً من قوات الأمن التي لا ترحم أحداً هذه الأيام في شوارع إسطنبول، إلى ما يشبه أيقونةً سوريةً رفعت أصوات الخائفين والعالقين في دوامات العجز والقلق عالياً!

دقائق قليلة كانت كافيةً لتتحول حياة أحمد كنجو، ربما إلى الأبد، بعد اقتحامه استطلاع رأي أمام مواطنين أتراك، ومجابهته سيلاً من اللؤم والكراهية والعنصرية. وحيداً وقف كما السوريين كلهم، ليوضح الحقائق ويصرخ بصوت عالٍ أمامهم جميعاً: أنا إنسان!


القصة باختصار أن شاباً سورياً يُدعى أحمد كنجو، شاهد استطلاع رأي في الشارع في مدينة إسطنبول، اقترب وحاول توضيح بعض النقاط والشائعات الكاذبة بحق السوريين (وهي كثيرة لمن لا يعلم)، ليفاجأ بردة فعل أبعد ما تكون عن أي حوار أو نقاش؛ معلومات كاذبة انهالت كالسيل بلهجات لئيمة وقاسية، لكن أحمد وقف وصمد وأصرّ على شرح موقفه وإكمال حديثه من دون نقصان بالرغم من كل الوجوه العابسة التي تظن للحظةٍ أن لها ثأراً قديماً ومستمراً مع الجد الأول للسوريين، السوري الأول الذي لا أعرفه، بل قالها صراحةً: "أنا خارج المدرسة بسبب عنصريتكم".

دقائق قليلة كانت كافيةً لتتحول حياة أحمد كنجو، ربما إلى الأبد، بعد اقتحامه استطلاع رأي أمام مواطنين أتراك، ومجابهته سيلاً من اللؤم والكراهية والعنصرية. وحيداً وقف كما السوريين كلهم، ليوضح الحقائق ويصرخ بصوت عالٍ أمامهم جميعاً: أنا إنسان!

حاولت خلال السطور الماضية، شرح ما حدث بشكل مختصر، لأحمد كنجو، الذي نال تعاطفاً يحتاجه السوريون كثيراً وفي تركيا تحديداً، التي تعيش ظروفاً دقيقةً وحساسةً، يدفع سوريون ثمناً من أثمانها (إلى جانب آخرين طبعاً، سواء من الأتراك أو الأجانب على حد سواء).

تبعت انتشار المقطع المصوّر لأحمد كنجو آلاف التغريدات الداعمة له عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من مغرّدين سوريين وأتراك، أي أن لدينا شريحتين لا تشبهان بعضهما كثيراً اتخذتا الموقف نفسه، وهذه نقطة مهمة للغاية، مهمة للسوريين لأنها تثبت أننا أشخاص ما زلنا قادرين على التعاطف واتخاذ موقف من قضية ما، أي أننا ما زلنا أحياء، وهذه الأخيرة تعني أن هناك شكلاً من أشكال الأمل الذي يمكننا أن نبني عليه الكثير لمستقبل البلاد مهما كانت فرص التغيير المتبقية له قليلةً وقاسيةً وصعبةً.

أما ما يخص شريحة المتعاطفين الثانية، أي المغردين الأتراك، فيمكن وصف حركة التعاطف بأنها حركة مهمة لأنها تأتي رداً على حملات عنصرية متكررة منذ شهور مضت ضد السوريين.

تبدو الجمل السابقة مثاليةً، أعلم، لكن ما حدث كان حقيقياً، والصوت كان عالياً وأوصل رسائل منّا نحن، وإلينا، كسوريين، بأن أصواتنا يمكن أن تصل في حال عرفنا كيف نتصرف ومع من ووفق قواعد ثابتة وخطوات متتالية تأتي بناءً على فهم الواقع والظروف، وسأشرح لاحقاً في هذا المقال المقصود من هذه النقطة.

أما ما يخص شريحة المتعاطفين الثانية، أي المغردين الأتراك، فيمكن وصف حركة التعاطف بأنها حركة مهمة لأنها تأتي رداً على حملات عنصرية متكررة منذ شهور مضت ضد السوريين، بل إنها حالياً في طور التطور لتشمل العرب، وكل ما ليس تركياً، بما يشي بأنها حملات ممنهجة يمكن لها أن تهدم كل ما حاولت تركيا بناءه خلال سنوات طويلة، من قوة ناعمة في الأقاليم المحيطة بها، سواء في المنطقة العربية، أم في البلقان أو غيرهما، أو في قطاع السياحة والاستثمار الخارجي والتعليم وغيرها، ضمن ظرف عالمي يشهد تصاعد الخطاب الشعبوي، وظروفاً داخليةً حساسةً للغاية اقتصادياً وسياسياً، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لأنها تعيد صورةً مختلفةً للسوريين في تركيا يمكن البناء عليها عبر الأتراك أنفسهم قبل أو إلى جانب السوريين.

الآن نحن أمام مفترق طرق بعد الحادثة وانتشار المقطع المصور لأحمد كنجو، وهو التصوير الذي شهد حملة تعاطف تذكّرنا قليلاً بما حصل بعد انتشار صورة الطفل إيلان على الشاطئ، مع فارق الفاجعة والألم، وهذا لا يعني أن ما حصل لكنجو ليس مؤلماً.

الطريق الأول، هو تعامل جميع الشرائح مع حالة التعاطف على أنها "تريند"، انشغل به العالم ليومين، ثم يُنسى كأنه لم يكن، وتالياً فنحن نفوّت فرصةً موجودةً، لا أقول إنها ذهبية وسط المناخ العام الموجود حالياً في البلاد، لكنها فرصة إن لم تُستغلّ فستظهر بعدها ردات فعل أكثر قسوةً تجاه اللاجئين، كأنها نوع من الانتقام، سواء للحفاظ على المكتسبات أو للضغط أكثر في هذا الملف، وسواء من قبل المعارضة أو الحكومة أو المسؤولين عن الحملات الممنهجة من سياسيين ووسائل إعلام.

من شأن هذا التواصل وتوضيح الحقائق، أن يسفرا بشكل ما عن حملات مضادة تُظهر وجهاً آخر للسوريين الذين تم تصوير شرائح كثيرة منهم في تركيا على أنهم جاهلون ومجرمون، أو فقراء قليلو الحيلة ينتظرون المساعدات القادمة من الدول والمنظمات، أو على أنهم مجتمع سُنّي لجأ إلى تركيا المسلمة، بل يملكون حباً للإخوان المسلمين

أما الطريق الثاني، فهو استغلال حالة التعاطف للبناء عليها عبر نقاط عدة، أولها أن نبدأ بأنفسنا ونحاول معالجة أخطائنا طوال السنوات الماضية في تركيا. نعم لا نتحمل كسوريين مسؤولية هذه الحملات أو مسبباتها وحدنا، خاصةً أن لملف العنصرية هنا جذوراً متشعبةً ومعقدةً سياسيةً وتاريخيةً أيضاً، ولكن لا يمكننا أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونعتمد على شماعة المظلومية، ونختبئ خلف دعاء "اللهم إنّا مغلوبون فانتصر". علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نواجه أخطاءنا ونواجه الحقيقة ونعمل على تغييرها نحو الأفضل ولدينا كل الإمكانات لذلك حتى لو كانت المهمة صعبةً.

ثاني التحركات، وهناك من بدأ بالفعل بالسير بها منذ مدة، هي محاولة التواصل مع أكبر قدر ممكن من ممثلي المجتمع التركي، من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني لا تملك ولاءً أو تبعيةً أو غيرهما من الصفات، لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وليس من الضرورة أن تكون معارضةً شرسةً، فالمعارضة نفسها لا تمثل جميع الشرائح، وهذا لا ينفي أن نتواصل مع جمعيات مناصرة أو تابعة للحزب نفسه، طالما أنها يمكن أن تحقق فائدةً ما للسوريين.

من شأن هذا التواصل وتوضيح الحقائق، أن يسفرا بشكل ما عن حملات مضادة تُظهر وجهاً آخر للسوريين الذين تم تصوير شرائح كثيرة منهم في تركيا على أنهم جاهلون ومجرمون، أو فقراء قليلو الحيلة ينتظرون المساعدات القادمة من الدول والمنظمات، أو على أنهم مجتمع سُنّي لجأ إلى تركيا المسلمة، بل يملكون حباً للإخوان المسلمين.

وبالرغم من أن هذه الشرائح التي ذكرتها موجودة بالفعل، لكنها حكماً لا تمثل الحقيقة ولا السوريين بأكملهم، وهناك فنانون وصحافيون ورجال أعمال وكُتّاب وشعراء وليبراليون وعلمانيون ومؤمنون وإخوان مسلمون، وتالياً في حال وضحت الصورة عبر هذه الحملات، ربما يذهب الواقع نحو الأفضل وسيختلف الأمر بطبيعة الحال.

أعلم أن الكلام سهل، لكنني أقول إن أولى الخطوات هي أن نتوقف عن المظلومية والكلام ونتوجه إلى الفعل، ونتعامل وفق عقل جمعيّ يدرك ويعرف المخاطر التي يواجهها السوريون والتي ستزداد بطبيعة الحال مع ازدياد الاحتقان في البلاد، وإن لم نتصرف اليوم بعقل جمعيّ يراعي مصالحنا كسوريين، وندرك تأثيرنا في تركيا، اقتصادياً وسياسياً، فببساطة سيكون المقبل أشد سوءاً وسواداً وقسوةً علينا جميعاً بغض النظر عن خلفياتنا الثقافية والسياسية. وبالمناسبة، أحمد نفسه، وعلى صغر سنه، أشار إلى الأمر نفسه، وخاطب السوريين ببساطة: نستطيع فعل الكثير!

إن أولى الخطوات هي أن نتوقف عن المظلومية والكلام ونتوجه إلى الفعل، ونتعامل وفق عقل جمعيّ يدرك ويعرف المخاطر التي يواجهها السوريون والتي ستزداد بطبيعة الحال مع ازدياد الاحتقان في البلاد

إذاً علينا ببساطة ألا نكتفي بالـ"تريند"، وأن نسعى في اتجاهات مختلفة بعيداً عن الاستقطابات السياسية والأيديولوجية التي سقطت فيها بعض الجماعات (يمكنك معرفة أي منها بمجرد ذكر كلمة جماعات)، ومن يتبعها من سياسيين لتصوير ثورة السوريين على أنها ثورة سنيّة فقط، وربطت مصير السوريين ومستقبلهم، في تركيا أو في سوريا، بحزب واحد، وللحقيقة بات من المعروف أن هذه الجماعات وتابعيها لا يريدون سوى مصالحهم مهما كان الثمن، تماماً كما النظام السوري، في حين أثبت لنا أحمد أنه يمكن لنا فعلاً أن ننجح ونزيح هؤلاء وغيرهم عن كاهلنا... بالفعل لا بالسفسطة والبيانات المحابية للضامنين والممولين ولكل من يشبههم طائفياً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard