شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
عندما تمتزج العنصرية واللطف في نهار تركيّ مشمس

عندما تمتزج العنصرية واللطف في نهار تركيّ مشمس

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

أقف أمام المحطة منتظراً حافلة لن تأتي. الجوّ غريب، كيف للشمس أن تشرق في إسطنبول في هذا الوقت من العام؟

اقتربت سيدة أنيقة وسألتني أن أشرح لها العبارة المكتوبة على الموقف، ولم تسعفني لغتي التركية بفهم ما هو مكتوب، لذا شرحت لها ما اعتقدت أنني فهمته، وكالعادة جاء السؤال المعتاد، المصمّم لهذه المدينة: "من أين أنت؟".

كثيراً ما ادّعيت أنني من جنسية أخرى تحاشياً لمواقف عنصرية، في أوج الحملة التي شُنّت على السوريين والعرب في تركيا خلال العام الماضي، ولا ألوم نفسي، إذ إن "التنصّل" من جنسيتي طلباً للسلامة لن يقضّ مضجع دمشق، ولن يدفع عيني حلب للبكاء ولن يجف نهر العاصي، لا شيء سيتغير.

لا ألوم نفسي، إذ إن "التنصّل" من جنسيتي طلباً للسلامة لن يقضّ مضجع دمشق، ولن يدفع عيني حلب للبكاء ولن يجف نهر العاصي، لا شيء سيتغير

ومع عدم استشعاري لخطر وشيك، ومع "اللطف" البادي على محيّا السيدة، ابتسمت وأجبت: "شام دان، سوريليم" (سوري من دمشق). صمتت السيدة وأدارت وجهها، ويبدو أنها شعرت بتأنيب الضمير، فعادت وابتسمت نصف ابتسامة وقالت: "ليكن... كلنا إنسان!"، ثم أكملت حديثها حول الحافلة ومواعيد وصولها وانصرافها، وكاد أن يذهب حديثها إلى السياسة ودور رئيس بلدية اسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو في حياة المجتمع الإسطنبولي ودوره في "ازدهار المدينة وتطورها"، وهو أمر مضحك في الحقيقة.

استمرت ابتسامتي طوال دقيقتين ثم استأذنت بالانصراف قبل أن أسمع الجملة التالية المعتادة: "لا تبدو سورياً"، والتي يتبعها إجابتي المعتادة: "كيف هو شكل السوريين؟"، فيسود الصمت.

فكّرت بالتناقض الذي وقعت به تلك السيدة التي لم تستطع إخفاء عنصريتها ولطفها في آن معاً، أليس غريباً أن تجتمع صفتان متناقضتان في شخص واحد؟ بمعنى آخر كيف يمكن للإنسان أن يكون كريماً وبخيلاً في الوقت ذاته؟ أتعتقدون مثلي أن الأمر جدير بالاهتمام؟

أجزم أن آلاف السوريين تعرضوا لموقف مماثل في مئات المدن، وسط ارتفاع أسهم اليمين في العالم وتنامي العنصرية والشعبوية وارتفاع أصوات الحمقى عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

أليس غريباً أن تجتمع صفتان متناقضتان في شخص واحد؟ بمعنى آخر، كيف يمكن للإنسان أن يكون كريماً وبخيلاً في الوقت ذاته؟ أتعتقدون مثلي أن الأمر جدير بالاهتمام؟

للوهلة الأولى لا يبدو أن السيدة تعاملت بشكل عنصري، إذ إن الكلمات التي قالتها لا تعني شيئاً، بل بالعكس هي كلمات صحيحة في معناها العام والواضح "كلنا إنسان"، الفارق في ردّة الفعل وطريقة الكلام والتردّد لا أكثر، وهو ما يتفق على الأقل مع التعريف الذي جاء في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري "يقصد بتعبير التمييز العنصري أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة".

بالمناسبة، يتفق موقف السيدة التركية مع "عنصريتنا" في بلادنا العربية، لنتذكر سوياً كم مرة سمعنا عبارة "مسيحي بس منيح"، أو "سمرا بس مجذّبة".

وموقف السيدة يتفق بالمناسبة مع "عنصريتنا" في بلادنا العربية، لنتذكر سوياً كم مرة سمعنا عبارة "مسيحي بس منيح"، أو "سمرا بس مجذّبة"، أي لها جاذبية ولا تملك القدر ذاته من الجمال الذي يتيح لها المقارنة بالفتاة البيضاء الجميلة بسبب لونها، وإلى آخره من العبارات المُباحة والتي يتم التسامح معها على اعتبار أنها "لغوة"، أي مجرد كلمة تُنطق ولا يعني الاعتقاد والإيمان الكامل بمعناها الحرفي.

ومن هنا تدخل العنصرية في دائرة مغلقة ذات تأثير عميق في تفكير الإنسان، ويخفف من المعنى القاسي والمؤلم للفعل نفسه دون انتباه ووعي، ويتحول إلى "لغوة" مُباحة يمكن قولها دون خوف ولا وجل من أي ردة فعل سلبية، وهناك مئات الدراسات والأبحاث الدّالة على تأثير اللغة والمصطلحات المستخدمة على الإنسان وأفكاره وتصرفاته.

لا أدّعي أن الموقف كان قاسياً بالمقارنة مع من تعرّضوا للضرب في وضح النهار وأمام الناس لمجرد أنهم سوريون، في تركيا خلال العام 2022 على الأقل، وفي مصر إبّان الفوضى في عام 2013، وفي لبنان مرات عدّة وغيرها، لكنه كان ملفتاً أنه جاء بطريقة لطيفة من سيدة أنيقة في نهار مشمس في شباط، حيث من المفترض ألا تشرق الشمس وألا نشعر أننا في يوم ربيعي يستحق نزهة طويلة في حديقة عامة.

كل ما سبق دفعني للتساؤل التالي: هل تعني ردّة فعل السيدة أنها غير لطيفة؟ وهل ينفي لطفها تصرفها الذي أصنّفه تصرفاً عنصرياً كاملاً؟ كلاهما لا ينفي الآخر وكلاهما نقيضان فكيف اجتمعا؟ بالتأكيد قد يكون الإنسان لطيفاً في حياته العامة ولكنه لن يكون كذلك ضد من يمارس عليه عنصريته على الأقل.

يُقال إننا قوم لطفاء لكننا برغم ذلك عنصريون، ويمكن لنا، بعد 13 عاماً من الكارثة التي حلّت بنا كسوريين، أن ندرك بشاعة التصرف عندما نتفوّه أو نفكّر بعبارة عنصرية ما حتى لو كانت صادرة من شخص لطيف

يحب الأتراك الأطفال ويبدون لهم في الأماكن العامة والمواصلات على الأقل تقديراً واحتراماً ومحبة، ومن الطبيعي للغاية أن تقف امرأة عجوز في الشارع أمام طفل وتقرأ له المعوذتين (سورتي الفلق والناس من القرآن) وتدعو له بحمايته من الحسد وأعين الناس، وحصل ذلك معنا كعائلة عدة مرات، ثم يأتي السؤال المعتاد: "من أين أنتم؟"، لكن عندما يتعلق الأمر بابنتي يأتي الجواب مختلفاً: "أنتم سوريون أما هي فلا، هي تركيّة"، علماً أننا لا نحمل الجنسية التركية ولسنا مرشحين لها أصلاً، ويبقى اللطف نفسه والمحبة الظاهرة القادمة من خالة في الشارع قائمة، لكنها ربما لا تدرك أن إجابتها ومحبتها تظهر كفعل عنصري ولو كان غير مقصود، يسرق ابنتي من أصولها وجذورها ويصادر حقها بالانتماء إلى هذه الأصول أو رفضها حتى.

بالمناسبة زوجتي تنحدر من الجولان، أي أنها مُصنّفة وفق شريحة واسعة من المجتمع الدمشقي على أنها "نازحة"، وكأنها تهمة وعار، ولم تكن رحلة نزوح عائلتها إجبارياً بعد غزو بربري إسرائيلي على قريتها، تماماً كما اللاجئين السوريين اليوم في أنحاء العالم.

يُقال إننا قوم لطفاء لكننا برغم ذلك عنصريون بدراية أو بدون، ويمكن، لنا بعد 13 عاماً من الكارثة التي حلّت بنا كسوريين،  أن ندرك بشاعة التصرف عندما نتفوه أو نفكر بعبارة عنصرية ما حتى لو كانت صادرة من شخص لطيف.

في النهاية مضينا، السيدة وأنا، في اتجاهين مختلفين، وأغفر لها فهي لا تعلم أنها ربما تصرفت بشكل عنصري، لكنني لا أغفر لنفسي أنني بعد سنوات لا أتحدث التركية بطلاقة على الأقل حتى تكون ابتسامتي ذات طابع تركي أو أوروبي وربما أوكراني تنجيني من لطف عنصري في نهار مشمس!

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard