شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
هزيمة الأعداء بالزغاريد الفلسطينية

هزيمة الأعداء بالزغاريد الفلسطينية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الاثنين 7 أغسطس 202310:52 ص

رغم أنه أصبحَ مشهداً معتاداً "أن نرى أمّاً تُزغرد في وداع ابنها الشهيد"، إلا أن هذا المشهد ربما يجب ألا يكون كذلك، فالفقد قاس على الأمهات على اختلاف أسبابه. لذلك، إذا تأمّلنا هذا المشهد الذي يتكرّر كلّ ساعة في فلسطين المُحتلّة بعينٍ "غريزة الأمومة"، سيبدو مشهداً من فيلم سينمائي فنتازي، تكون فيه الأمّ غير الأمّ، والابن غير الابن، والحياة غير الحياة، أما إذا تأمّلناه بعين "فلسطينية" سنجدهُ منطقياً للغاية، فالشعوب المقهورة إن لم تستطع هزيمة عدوّها بالسلاح، تهزمه بالزغاريد.

ويُمكن القول إن هذا المشهد -على منطقيته وعدم منطقيته- يفتحُ أبواباً متواصلة من الأسئلة: كيف يحدث ذلك؟ من أين تأتي الأمهات بهذه الشجاعة، وبماذا يفكرن في اللحظة التي يطلقنَ فيها الزغاريد وهنّ يودّعن أبناءهن للمرة الأخيرة؟ وهل يعكس هذا المشهد وغيره من المشاهد المتكرّرة في اليوم الفلسطيني، واقعاً يتّصل فيه الفرح بالحُزن اتصالاً وثيقاً؟ ربما هذا ما يفكّر فيه الكثيرون، مع كلّ زغرودة تُنذِر بشهيدٍ جديد يودّع البلاد رافعاً دمه.

احتمال الموت أعلى من احتمال النجاة!

الأمّ التي تزغرد في وداع ابنها، ليست شُجَاعة، ولكنها غالباً تُدرك أنّ احتمال الموت في فلسطين أعلى من احتمال النجاة دائماً، فــ "هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلّف وفلسطين تأخذ"، كما يقول غسان كنفاني في روايته "أم سعد"، وإذا قمنا بتأمّل ما تقوله الأمهات في الوداع الأخير، سنجد جملة "فدا فلسطين" تتكرّر كثيراً في اللقاءات الصحفية والمقابلات وغيرها، وهذا ليس دليلاً على الشجاعة، بل دليل على الإدراك، إدراك أنهنّ "يخلّفنَ وفلسطين تأخذ".

يُمكن القول إن هذا المشهد -على منطقيته وعدم منطقيته- يفتحُ أبواباً متواصلة من الأسئلة: كيف يحدث ذلك؟ من أين تأتي الأمهات بهذه الشجاعة، وبماذا يفكرن في اللحظة التي يطلقنَ فيها الزغاريد وهنّ يودّعن أبناءهن للمرة الأخيرة؟

وعلى سبيل المثال: إن زغاريد أم الشهيد الأسير فادي الدربي، بعد استشهاد ابنها -جراء الإهمال الطبي- وسط الجنود الإسرائيليين الذين كانوا حولها في المستشفى، ربما لم تكن شجاعة بقدر ما كانت مُقاومَة، فقد كانت تزغرد والدموع تنهمر من عينيها، في مشهد تراجيدي نقلته الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، في مقالها الذي جاء بعنوان: "لا تطلبوا من أم الشهيد أن تزغرد"، وربما يجب أن نستجيب لمطلب شيرين، فالأمهات عندما يزغردن يقطعن من لحمهنّ الحي لمقارعة العدوّ الذي يبتسم.

قهر الأعداء بالفرح في اللحظات الحزينة

في رواية "أعراس آمنة"، يقدّم الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، تفسيراً مهماً يُمكن الاعتماد عليه لفهم دوافع الزغاريد في جنازات الشهداء، حيث يقول: "الذي يجبرنا على أن نزغرد في جنازات شهدائنا هو ذلك الذي قتلهم، نزغرد حتى لا نجعله يحس لحظة أنه هزمنا، وإن عشنا سأذكّرك أننا سنبكي كثيراً بعد أن نتحرّر!"، ويُمكن البناء على هذا التفسير من أجل فهم حالة التّشابك التي يعيشها المُجتمع الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، كما يُمكن تعميمها على الكثير من المشاهد الأخرى، التي يُبرِز فيها الفلسطيني قدرته على المضيّ قدماً في الحياة، وإمكانيته الدائمة على منع العدوّ من شعور الانتصار.

فرغم التضييقات اليومية في القدس، ما يزال الفلسطينيون يتواجدون يومياً في البلدة القديمة، ورغم وقوفهم على الحواجز لساعات طويلة إلا أنهم يتنقلون من مكانٍ إلى آخر في كلّ يومٍ وكلّ ساعة، ورغم يقينهم أنّ الحجارة لن تؤثر في ناقلات الجند والدبابات، إلا أنهم يلقونها حتى لا يشعر العدو بأنه استطاع هزيمتنا، وهكذا في الزغاريد أثناء توديع الشهداء، حيث باتت الزغاريد رسالة تُوجّه كلّ يوم، مفادها: "تسقط الأجساد، لا الفكرة".

تحويل الزغاريد إلى سمة اجتماعية

لم يعد هناك خيار آخر أمام أمّ الشهيد غير أن تُزغرد، ومع كلّ جنازةٍ جديدة تزغرد أمّ جديدة، وهنا يُمكن الإشارة إلى أن حثّ الناس الأمّ على الزغاريد هو وسيلة دعم، فهُم بذلك يجعلون ألم الفراق أقلّ ثقلاً، رغم أن لا شيء يجعل الموت أخفّ، حتى أن مشاركة نساء العائلة والصديقات والناس في الزغاريد تُعدّ مواساة جماعية للفقد، ومع اعتياد هذا المشهد مع كلّ شهيدٍ يرتقي، وفي كلّ مدينة وكلّ مخيم وحارة وزقاق؛ تحوّل الأمر ليصبحَ سمة اجتماعية خاصّة بالمجتمع الفلسطيني، وربما لم يعد مدهشاً بالنسبة للكثيرين.

لم يعد مستغرباً أن يسمع أيّ عابر سبيل زغاريد فرحٍ وحزن في الحارة نفسها، فبينما تزفّ أمٌ ابنها إلى عروسه، تزفّ أمٌ أخرى ابنها إلى مثواه الأخير

حتى أن هذه السمة يتمّ دعمها في كلّ مرة والتأكيد عليها، سواء في الأغاني أو الأفعال أو الأقوال، فنجدُ فرقة جذور العاشقين تغني قائلة: "زغردي يام الجدايل زغردي، وزيني فخر الأصايل بالودع، وازرعي الحنة على الصدر الندي، واربطي عصبة على كل الوجع". ونجد أمّ الشهيد سامر الشافعي تزغرد على الهواء المباشر لابنها الشهيد، ليس ذلك فقط، بل تحمل نعشه لتودعه إلى مثواه الأخير، ونجد أيضاً شقيق الشهيد محمد حرز الله، يقف في مستشفى رفيديا بنابلس ليقول للجميع: "يلي جاي يعزيني يروح، واللي جاي يهنيني فيه أهلاً وسهلاً".

التشابك في الواقع الفلسطيني

إنّ اجتماع الحُزن مع الفرح في الواقع الفلسطيني، يشكّل تناقضاً غريباً، ويحمل دلالات كثيرة يمكن الاتكاء عليها لمعرفة من أين جاء وصف "شعب الجبّارين". فمع الارتقاء اليومي للشهداء، وعدم وجود فاصل بين الحزن والفرح، لم يعد مستغرباً أن يسمع أيّ عابر سبيل زغاريد فرحٍ وحزن في الحارة نفسها، فبينما تزفّ أمٌ ابنها إلى عروسه، تزفّ أمٌ أخرى ابنها إلى مثواه الأخير، وبات مشهداً متكرّراً أن يمرّ موكب شهيد في الطرف الأيمن للشارع، وموكب عريس في الطرف الأيسر للشارع، في مشهدٍ سينمائي تماماً، يدلّ على حجم التشابك والاتصال بين مفردتي الحزن والفرح والأمل واليأس في فلسطين، ويمكن الاتكاء عليه لمحاولة فهم هذا الشعب الذي لا يتوقّف عن الموت، ولا يتوقّف عن الحياة، في آنٍ واحد، فلا اختيار لديه إلا أن يُسيّر الحياة كما تسير، فيفرح في النصف الأول من الساعة ويحزن في النصف الثاني منها.

خاتمة

ما بين المواساة والتحدّي وعدم الانهزام والشجاعة ومواجهة العدوّ، تظلّ زغاريد الأم الفلسطينية في وداع أبنائها؛ حالة تستحقّ التأمل من أجل فهم تركيبة الإنسان الفلسطيني الجديد، التي يتشابك فيها الحزن مع الفرح والأمل مع اليأس، في تناقضٍ لا يكون منطقياً حتى في الأفلام السينمائية، ولكنه بات منطقياً جداً في واقعٍ فلسطيني لا منطقي، تطغى فيه لغة "الفقد" على لغة "الحياة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard