شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
لن أثبت لإسرائيل أن زوجي هو والد طفلنا

لن أثبت لإسرائيل أن زوجي هو والد طفلنا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الأحد 30 يوليو 202310:30 ص
Read in English:

Why I refuse to prove to Israel that my husband is my child's father

في كلّ مرّة يبتسم ابني، الذي يبلغ من العمر أياماً معدودات، في مهده الصغير في الجليل الأعلى، يحلو لي الاعتقاد بأنه يرى ابتسامة والده البعيد جسدياً عنه، وغير القادر على التواجد بجواره بسبب سياسات إسرائيل العنصرية تجاه كلّ ما هو فلسطيني، قبل أن تأتي أمي لتحكي لي عن المعتقدات المختلفة، من كون الطفل في هذا العمر، عندما يبتسم وحده، يرى الملائكة، فهم يقومون برعايته وحبه حتى يشتد عوده ويبدأ بتمييز الأصوات والألوان والأشكال من حوله، لكني في خيالي الخصب أرغب بتخيّله يرى ابتسامة والده الجميلة ووجهه البشوش، وأن يحس بحنية يده على رأسه وجسده.

خلال شهور الحمل التسعة، والتي قضيتها كاملةً بعيدةً عن زوجي الفلسطينيّ، الممنوع من دخول البلاد لمجرّد أنه يحمل رقماً وطنياً فلسطينياً، كنت أعاني. ليست معاناة من تلك اللطيفة التي يحلو لنا تجاوزها بعد أيام قليلة، في كلّ يوم خلال مراحل الحمل، كنت أشعر بأني لن أكمل، لن أستطيع الاعتياد على جنينٍ يكبر في بطني بعيداً عن والده، ولن أتمكن أبداً من شرح فكرة أنني لم أرَ والده الا لبضعة أيام، سافرت فيها متحاملةً على حملي الصعب ليشعر زوجي بحركة الجنين في بطني، حتى يتمكن من تشكيل ذاكرة حية، حقيقية، للأيام التي كبر فيها ابنه بعيداً عنه، وحتى نتمكّن لاحقاً من سرد الحكاية على غسان الصغير، الذي جاء إلى العالم يحمل هويةً مركبة، لأم من الجليل وأب من غزة، وجدا الطريقة الوحيدة ليكونا سوية بالهجرة والمنفى والاغتراب.

لم تسهّل عليّ المعاملات الحكومية، تحت حكومة اليمين المتطرّف التي تحكم إسرائيل اليوم، فترة الحمل، بعد تسجيلي للزواج في الدوائر الحكومية، أكّدت الموظفة في الداخلية بأن الحكومة لن تمنح زوجي أبداً لمّ شمل لأنه من غزة، "يعني لو كان من الضفّة كان ممكن". بجملةٍ بين اقتباسين، وضعت أمامي الفروقات التي زرعتها وغرستها إسرائيل في المجتمعات الفلسطينية الثلاثة المختلفة.

في كلّ مرّة يبتسم ابني، الذي يبلغ من العمر أياماً معدودات، في مهده الصغير في الجليل الأعلى، يحلو لي الاعتقاد بأنه يرى ابتسامة والده البعيد جسدياً عنه، وغير القادر على التواجد بجواره بسبب سياسات إسرائيل العنصرية تجاه كلّ ما هو فلسطيني

لم تكتفِ بذلك، بل حاولت جعل الأمور أكثر تعقيداً عن سؤالي عن هوية الأب، وما الذي يضمن لهم بأنّ زوجي هو والد الطفل، "فإحنا لا نعترف بالزواج خارج إسرائيل، وعقد زواجكم في البلاد لم تمر عليه سنة، وزوجك ما بقدر يجي يشهد إنه الأب". في كلّ مرة اعتقدت بأنّي أعرف الوجه القبيح لهذا المكان وواجهته بكلّ قوتي، أكتشف أني لا زلت أجهله.

غربة في البيت

قالت لي العديد من الصديقات، عندما عرفن بأني حامل نهاية عام 2022، إنّ التواجد بجانب الأم خلال الحمل وأشهر الولادة الأولى أهم بكثير من التواجد بجانب الزوج. كانت الصديقات يحاولن التخفيف عن الحزن والبؤس الذي شعرت به لحظة معرفتي بالحمل وعدم قدرتي على احتضان زوجي والشعور بالفرح معه. تخيلت دوماً هذه اللحظة منذ زواجنا، رغم ابتعاد فكرة الإنجاب خلال السنوات الأولى للعلاقة، أن يدخل البيت وأحكي له، أن نبكي سوياً، أن نفرح سوياً، أن نزور الطبيب ونرى صورة الجنين في الرحم ونسمع صوت دقات قلبه للمرة الأولى سوياً، لكن كلّ هذا لم يحدث. ظللت أذهب وحدي طيلة الأشهر اللاحقة، إلى مستشفى رمبام في حيفا، إلى العيادة في عكا ومجد الكروم، وإلى الولادة في الناصرة، وأنا أحكي لطفلي غسّان داخل رحمي بأننا سنكون قريباً مع بابا، ولن تنجح السياسة بتفريق الحب والعائلة التي تعبنا من أجلهما.

أطبق البيت على صدري طوال الشهور الأولى. يُحكى دائماً في الدراسات عن الحمل والولادة عن اكتئاب ما بعد الولادة، ولكنهم لا يتطرّقون بشكلٍ كافٍ إلى اكتئاب الحمل، وآثاره النفسية على الحامل والجنين. لم أتمكن خلال الشهور كلها من العمل، كان النهوض صباحاً من الفراش أشبه بالعذاب، البقاء في الحمام طوال اليوم بسبب الاستفراغ، عدم الشعور بطعم الطعام، عدم الرغبة بشرب القهوة أو تناول الحلويات، والتفكير بشكلٍ مستمر عن موعد انتهاء الحمل، وهل سأستطيع حبّ ابني كما تتحدّث النساء الأخريات عن حبّ الأبناء؟

تحوّلت غرفتي خلال شهور الحمل إلى كابوس مرعب، الغرفة التي رغبت بها طوال سنوات حياتي، مكتبة كبيرة تغطي الحائط، كتبي مرتبة بحسب قراءاتي المختلفة، خزانة ملابس صغيرة نتشاركها أنا وأختي، الأثاث باللّون الأبيض، والإضاءة بلونٍ أبيض، بحيث تجعل الأجواء تتشابه مع الغرف التي كنت أشاركها لأصدقائي دوماً على مواقع التواصل. لكنها فجأةً باتت كريهة، لا تعجبني رائحتها، أنظّفها بشكلٍ مستمر، وأرغب في الهرب منها إلى حضن كريم زوجي، إلى بيتٍ صغير في برد أوروبا القارص.

حين جاء غسان، ووضعوه للمرة الأولى على حوضي ثم صدري، وشعرت بسخونة جسده الخارج من جسدي، وبرائحته التي تشبه حقل أزهار، وبطراوة جسده الصغير، بقيت أرتجف لساعات. لم أبكِ ولم أتمكن من تركهم يأخذوه من يدي، كنت أشاهد أختي تقف بجانبي والبكاء يغلبها، كذلك أمي، أما أنا، فكنت مصدومةً من الحبّ الذي تدفق من داخلي بشكلٍ مباغت، وبالرغبة في الحياة التي عادت إليّ، بعد شهورٍ طويلة من الرغبة في الامحّاء والاختفاء للأبد، بحيث لا يراني أحد ولا يعرفني أحد.

مرّت أشهر، مرّت سنة، سنعود قريباً ونحكي في المساء عن تجاربنا اليومية، عن الأشياء التافهة، سنستمع سوياً للموسيقى، سنكتب ونقرأ بصوتٍ عالٍ، سنمسك بيد ابننا الصغير، وسنسير الطريق بعيداً عن الحواجز العسكرية وطائرات إف 16 والمنع الأمني

سفر قريب

أحكي لنفسي كلّ يوم حكايةً قبل النوم، عن عائلة سعيدة تعيش بشكلٍ عادي، بدون أسئلة حول الهوية ومكان اللقاء والحواجز الكثير في الطريق، بيتٌ تدخله الشمس في الصباح والحبّ في المساء، كلبٌ يجلس على كرسي في الحديقة يراقب الطيور المهاجرة في الخريف، وطفل كبُر وصار يلعب في غرفة الجلوس ولا يرغب في النوم باكراً للذهاب إلى المدرسة.

أحكي هذه القصة كلّ يوم لابني في مهده الصغير، أخبره عن الطائرات الكثيرة التي سنضطر للركوب فيها والتنقل ليتمكن من لقاء أجداده، عن الحواجز والسياسات التي ستمنع والده من المجيء معنا إلى البلاد، وعن السياسات والعقبات التي ستمنعني من أن أكون رفقته مع والده عند أهله، لعلّه عندما يكبر لا تغلبه الأسئلة مثلنا، ولا يتوه في الطريق.

أعدّ الأيام كلّ يوم، أضع علامة "إكس" على الأيام التي تمر في التقويم، أقول: مرّت أشهر، مرّت سنة، سنعود قريباً ونحكي في المساء عن تجاربنا اليومية، عن الأشياء التافهة، سنستمع سوياً للموسيقى، سنكتب ونقرأ بصوتٍ عالٍ، سنمشي في المساء بينما مطر خفيف ينهمر، سنمسك بيد ابننا الصغير، وسنسير الطريق بعيداً عن الحواجز العسكرية وطائرات إف 16 والمنع الأمني.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

"نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المهجر/ الشتات/ المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard