شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
يفرحون بصمت ويموتون بصمت... إنهم سوريون فحسب

يفرحون بصمت ويموتون بصمت... إنهم سوريون فحسب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الجمعة 28 يوليو 202312:05 م
Read in English:

Echoes of home: Syrians' silent longing for a time long gone

عجيب كيف نحتفظ بذاكرة الأماكن ونحملها معنا أينما كنّا. يقول لي الشاعر محمد ناصر الدّين إنّ فلسطين كلّها عنده هي ريشات الطّاووس الّتي تحدّث عنها غسان كنفاني في "عائد إلى حيفا". لا فلسطين قبلها ولا بعدها. يعود سعيد في الرواية إلى حيفا، فيصف مدخل المدينة ومدخل الدار وملمس الجدران والدّرج ورائحة البيت، لكنّه حين يصل إلى المزهريّة، يجد ثلاث ريشات، ويستهجن متذكّراً أنّه قبل سنوات كثيرة كان عددها ست.

من بين ذاكرة حيفا كلّها، وتجنيد ولده لصالح الجيش الإسرائيلي، لا يأبه الرّجل إلا لذاكرة مزهريّة أو قدح صغير للزينة كانت قد وضعته زوجته في زاوية الصّالون. غسان هو من حمل ذاكرة فلسطين إلينا، ريشات الطاووس هي فلسطين.

ينقسم المكان الذي قضيت فيه طفولتي في الجنوب إلى قسمين، القسم المترف بمبانيه العالية الّتي يسكنها أهل المكان الأصليون، والقسم الآخر يسكنه اللّاجئون في القرى السوريّة البعيدة. يبدو المشهد كفجوة هائلة في الزّمن،. كالفجوة الّتي تقع بين مفرق الشياح وعين الرّمانة. هو مفرق واحد يقسمه طريق صيدا القديمة المزدحم دائماً بسيّاراته.

أنظر إلى الشياح وإلى المباني الناطحة الّتي بُنيَت في المقدّمة لتنافس مباني عين الرمانة بمنظرها، أنا الّتي سكنت وراء هذه البيوت في الشيّاح، في منزل أعلى السّطح يتهاوى على نفسه ويأكله ذباب وزبالة المكان. أعرف أنّهم بنوا واجهة الشيّاح للمنافسة فقط. كلّ ما وراء الواجهة كان صامتاً، يحكي مجزرة الحرب وآثارها ويرفض التّخلّي عن ذاكرتها. الشيّاح في وجه عين الرمانة، مبانِ تنطح الأخرى بترفها، أمّا في الظّلّ، في الأسفل، فيقبع المنسيّون دائماً.

أذكر جيّداً صوت أغنية علي الديك الّتي خرجت في الرّبيع الماضي من أحد الهواتف في المبنى المجاور لبيت جدّي في الجنوب. خرجت البنت مرتديةً فستان عرسها الأبيض المشوب بنقش ورودٍ صغيرة. يصحّ وصف الفستان بالموضة القديمة، بل الميّتة، ولكنها كانت سعيدة به، وكانت ترفعه عن الأرض لتحميه من غبار الأرجل الّتي كانت ترقص حولها وتصفّق لها ولعريسها بسكون تام. كانت الساعة التّاسعة، وكانوا سوريين يحتفلون بعرسهم صامتين حتّى لا يسمع جيرانهم اللبنانيون وباقي النّاس صوت أفراحهم.

خرجت البنت مرتديةً فستان عرسها الأبيض، وكانت ترفعه عن الأرض لتحميه من غبار الأرجل الّتي كانت ترقص حولها وتصفّق لها ولعريسها بسكون تام. كانت الساعة التاسعة، وكانوا سوريين يحتفلون بعرسهم صامتين حتّى لا يسمع جيرانهم اللبنانيون وباقي النّاس صوت أفراحهم

لم يضعوا أغنية علي الدّيك على "سبيكر" صغير حتّى، شغّلها أحدهم من هاتفه ليبقى الصوت منخفضاً، فلا يتذمّر الجيران من احتفالهم ويعايرهم بالحرب الواقعة في المكان الذي يرفضون العودة إليه لسبب ما. أن يحتفل الإنسان بصمت، أن يصفّق دون أن يطبق كلّ أصابعه على بعضها تجنّباً لصوتها العالي، وأن تخرج فتياتهم من الدّيار مزفوفات على صوت هاتف قديم، هذا ليس الخيار الأفضل لهؤلاء. هذا كلّ ما هو متاح، بأقلّ قدرٍ من الحياة، ولكنّها حياة، نصف حياة، لابأس!

في مواجهة بيت جدّي مبنى تسكنه عائلات سوريّة كثيرة. لم يكن مسموحاً لنا قطع تلك المسافة والذّهاب باتجاه تلك المباني، باعتبار أنّها لم تعد لنا وأنّ ساكنيها لا يشبهوننا. أمام المبنى مساحة صغيرة للّعب، كنا نلعب هناك في صغرنا، عندما كبرنا وتخلّينا عن اللعب صارت "السطيحة" فارغة. في العيد رأيتهم يجلسون في تلك "السطيحة". تجلس الأمهات ويتربّعن على الدّرج يتحدّثنَ بهمس، بينما يركض الأولاد في المساحة الصغيرة حولهن ويحدّقون بنا ونحن نتجهّز لركوب السيارة الّتي سنقضي فيها زيارات العيد. أشاهدهم وأفكّر: كيف يحتفل هؤلاء، لماذا لا يلعبون مثلنا، لماذا لا يحتفلون بالعيد بصخب أكبر؟

فكّرت دائماً أنّ معضلتنا الأكبر هي فقداننا للطبيعة المحيطة بنا في المدن، بالتّالي فقداننا للعلاقة مع الأرض والتراب. في الشّام حدائق واستراحات ومساحات واسعة للتّسكّع. لا يمكن للسوريّ إلا أن يخرج من منزله ليجلس في الطّبيعة مرتين في الأسبوع على الأقلّ. يقولون إنّ في "يبرود" منتزهاً قديماً جرفته الحرب، وجرفت كلّ المقاعد والأشجار وذاكرة النّاس القدامى معها، رغم ذلك لايزال المكان عامراً، يجتمعون في المكان الّذي تهاوت أساساته ولم يعد يجوز إطلاق اسم "المكان" لينطبق عليه.

لم يتخلّ هؤلاء عن طقوسهم في العَيش هنا، كنت أراهم يتجمّعون كلّ يوم حول المستديرة الّتي أنشأتها أحزاب المنطقة. مستديرة صغيرة مزروعة بالعشب الجاف، يتوسّطها نافورة مياه تُضاء في الليل. وكان قد وضع مسؤولو المنطقة مقعداً واحد هناك. كان يبدو للفرجة أكثر من الجلوس، لإتمام "ديكور" المكان فقط. يجلسون هناك، يكسرون قدسيّته الّتي أعطيناها له عبثاً.

تنقّلت كثيراً في بيروت. كالرّحالة عشت في بيوت كثيرة وفي مناطق عديدة. أترك البيت وأسكن بآخر، في أماكن مختلفة بهويّتها وطائفتها وناسها. مع ذلك، ما زالت ذاكرتي الّتي حصّلتها من طفولتي في الجنوب تلاحقني دائماً. ما زلت على عوائدي، أحملها معي حيثما أدور.

أتذكّر حجاب رأسي الأوّل، ودعاء أبي حمزة الثمالي في ليلة القدر، أتذكّر صبية في النبطية وهي تمشي مرتدية كولون "شبك" ضيّقاً على فخذيها، وأم كلثوم وأنا أسمعها بعد كلّ إفطار في رمضان. أتذكّر صوت الشيخ يوسف وهو يقرأ في صباحاتنا العزاء في عاشوراء، والجمل الخالدة الّتي أرسلها لي أحدهم وأنا جالسة على الكنبة البنّيّة في بيتنا الأخير في الجنوب.

أعيش على الذّكرى لأنّني قلت إنّني سأعود يوماً لزيارة ذلك البيت أو شرائه، فأحتفظ بمكان ما من ذاكرة الطفولة الّتي لم يستطع والدي الاحتفاظ بها لأجلنا. قضينا عمرنا بالإجار، أُجّرت ذاكرتنا من مستأجر إلى آخر. ما يبقيني على قيد الحياة هو معرفتي أنّ أحدهم سيأجّرني ذاكرتي مجدّداً يوماً ما، وأنّ الأماكن القديمة مازالت موجودة، مازال هناك أمل في العودة إليها.

لم يضعوا أغنية علي الدّيك على "سبيكر" صغير حتّى، شغّلها أحدهم من هاتفه ليبقى الصوت منخفضاً، فلا يتذمّر الجيران من احتفالهم ويعايرهم بالحرب الواقعة في المكان الذي يرفضون العودة إليه لسبب ما

تركت جدّتي بيتها التي سكنته منذ عام زواجها في 1988. تركته بعد أن زوّجت أبناءها، وأجّرته لأسرة صغيرة لم تكتمل بعد. زرناه للمرّة الأولى بعد سنة كاملة، فوجدنا جدران البيت متشقّقة ويبدو عليها الوجد العتيق. بدا البيت خالياً رغم الساكنين الجدد وروحهم التي تمشي ذهاباً وإياباً بين الحيطان. ولكنّه تشقّق، كأنّه مهجور ومسكون بالقلق العجيب. تتشقّق الجدران حين تحنّ لناسها، تنكسر الأماكن وقد تقع الزلازل الّتي لا يتدخّل بحدوثها الفعل الإلهي بل الحنين.

ماذا يملك السوريون للحنين؟ سألت غيث صديقي الحمصيّ، فقال إنّها الذكرى. بحر، جبل، شبك، صحراء، ظلام، بطارية، زحمة محطة البنزين، فرن الخبز، وبدلات عسكرية من كلّ الاتّجاهات. هذا كلّ ما استطاع تذكّره.

يحاولون ترجمة ذكرياتهم مع سوريا هنا بأقلّ قدرٍ من الضجيج ليبقى شعور المكان يرافقهم. يتمسّكون بها كي يتركوا لأنفسهم أسباباً جديرة بالاستمرار. هذا الحنين الذي يبدّد الأمل بالعودة يوماً، رغم أنّهم يعرفون يقيناً أنّ سوريا لم تعد لهم، وأنّه لم يعد بأيديهم بناء ذكريات جديدة حتّى لو رجعوا. لابدّ من العودة إلى المفقود دائماً، لاحتماليّة جعله موجوداً ومغروساً وحميميّاً مجدّداً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard