شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
عندما كنت مجرّد ماعونٍ للجنس

عندما كنت مجرّد ماعونٍ للجنس

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الأربعاء 19 يوليو 202312:12 م

ما من مقدمات في هذه الكتابة، إذ لا مقدّمات للصراخ عند الألم، نحن نصرخ ليلتفت لنا شخص ما ويعرف أننا بحاجة إلى المساعدة. ربما تجاوزت الاحتياج إلى المساعدة، لكنني مازلت أحتفظ بصرخات الألم مكبوتة داخلي، كنت لسنوات مجرّد ماعون للجنس، وعاء يفرغ فيه زوجي السابق شهوته دون الشعور بوجودي أصلاً. أنا لست سوى جسد يتحسّسه لثوان قبل أن يصل إلى الذروة.

لا أحد يعرف جمال الجنس مع الحب سوى امرأة اعتادت أن تكون ماعوناً وأداة جنسية لا أكثر، كنت قد فقدت كل طرق التواصل مع جسدي كأنني لم أعد هنا، لا أحد يراني ولا أرى نفسي. أقف أمام المرآة فلا أرى سوى امرأة قبيحة لا تستحق الالتفات لها ولا لرغباتها. كنت أترك شعر جسمي ينمو وينمو حتى يبتعد عني. كنت أشوّه نفسي ليتركني في حال سبيلي.

هجرت الزينة والتطيّب والملابس الملونة، وبعد وقت من هجرانهم المتعمّد، بت أشعر بالزهد نحو كل شيء، كوّمت أدوات التجميل في الأدراج وأخفيت اللانجيري في حقائب مغلقة أسفل السرير حتى لا أجدها أمامي ولا يجدها هو أيضاً، فيتذكر الجنس ويطلب مني ارتداءه. انغمست في الكتابة والكتابة والكتابة وأعمال المنزل وتربية الأبناء و دراستهم، انغمست في كآبتي ووحدتي وأصبحت بالفعل ماعوناً للجنس، أتصرّف وفق هذا المعنى لا أكثر، أكره لحظات لقائنا وأتذمّر وأختلق الحجج حتى لا نصل للحظة اللقاء أو "لحظة الانتهاك" كما أسميتها.

لا أحد يعرف جمال الجنس مع الحب سوى امرأة اعتادت أن تكون ماعوناً وأداة جنسية لا أكثر. أقف أمام المرآة فلا أرى سوى امرأة قبيحة لا تستحق الالتفات لها ولا لرغباتها. كنت أترك شعر جسمي ينمو وينمو حتى يبتعد عني. كنت أشوّه نفسي ليتركني زوجي في حال سبيلي

بعد سنوات وسنوات من القهر والانتهاك والحزن والألم وفقدان الجسد والنفس والروح، أخيراً انفصلت. انفصلت بقرار واعٍ بعد أن فقدت سنوات من عمري وكنت على شفا أن أفقد نفسي.

الانفصال أول طريق التعافي

بمجرّد انفصالي، وضعت قدمي على أول خطوات التعافي من المشاعر التي كانت مكبوتة بداخلي، بعد أيام طويلة قضيتها في المنزل وحيدة، قبل أن أصدّق أنني تخلّصت بالفعل من هذه الحياة الملغّمة والثقيلة والمشحونة بالقلق والتوتر والوحشة، أصبح الهواء أخفّ والألوان أجمل، وجرح قلبي بدأ في الالتئام رويداً رويداً، ورأيت نفسي بعيون جديدة وكأنني امرأة أخرى.

لا أمل لامرأة ترغب في الانفصال سوى أن تكون مكتفية اقتصادياً

كانت المفاجأة الكبرى لي أنا نفسي هي الحب، عندما وجدت نفسي مازلت قادرة على الحب؛ استقبال الحب وعطاء المحبوب، كل السنوات التي انتُهكت فيها لم تحوّل قلبي إلى القسوة، لكنها جعلته أكثر ضعفاً أو أكثر رقة وأكثر عطشاً للحب. كنت بحاجة حقيقية إلى أن أحب رجلاً يحبني كما أنا، دون طلبات إضافية على شكلي أو تعديلات على شخصي، رجل يحبني كما أنا، يضمّني ويقبّلني ويعانقني، وأنام في حضنه لساعات طويلة دون أن يوقظني شخص أو شيء.

كنت بحاجة فعلاً إلى الكمون في حضن رجل لأشعر أنني أنثاه وأنه يراني كما أحب أن يراني ويرغب فيّ ويشتهيني، ولست مجرّد جسد يلامسه في الظلام ليصل إلى مبتغاه، ثم ينقلب على جانبه الآخر وينام دون أن ينظر إلي. عرفت جمال الحضن وقوة أثره بعدما جربت سحر الجنس مع الحب، لا أبالغ لو قلت إنني لا أتخيل الجنة سوى تلك الحالة، ربما نصل برغباتنا الجنسية حتى أقصاها ونظن أننا انتهينا وليس هناك المزيد لنفعله، لكن مع وجود الحب تتجدّد تلك الرغبة وتشتعل كأنها لم تنطفئ من قبل.

حبك جنني يا اسمك إيه

اكتشفت نفسي كأنثى من جديد مع حبيبي، وأدركت مفهوم الرجولة بنظرة لم أعرفها من قبل، شعرت بالجنون ووصلت إلى قمة المتعة وشهقت شهقات متتالية في كل مرّة كنت فيها معه، كأنني أصالح جسدي وأعوضه عن السنوات التي سُجن وتمّ تجاهله خلالها، مازلت أستطيع استشعار جمال القبلة وحنان اللمسة وقوتها، تعافى جسدي من عطبه ورضخ لاحتياجه للحب والاستمتاع، وقدّم كل ما يمكن لامرأة أن تقدّمه لرجل، فتعافيت أكثر وأكثر، وباتت خطوتي على الأرض أقوى وعيوني أكثر لمعاناً ووجهي استعاد من جديد قدرته على الابتسام.

بعد سنوات من انفصالي أستعيد أحد أهم أسباب رغبتي في الانفصال. كنت صادقة مع نفسي، وقلت إنني بحاجة إلى النوم في حضن رجل أحبه وأشتهيه ويشتهيني ويراني في الظلام قبل النور

ليس الأمر هنا مجازاً، ولكنني بالفعل كنت قد فقدت نفسي وجسدي من كثر التجاهل، فصارت حواسي أضعف. عندما نتوقف عن التلامس مع الآخرين، يتوقف جلدنا عن الشعور، وتتحوّل خلايا الجلد من مركز للإحساس إلى كساء جلدي لا روح فيه، يغطي أوردة وشرايين تضخّ الدم في جسد منهك غير قادر على التواصل، ويحدث العكس تماماً كلما تلامسنا وتعانقنا مع من نحب.

عندما لعق حبيبي إصبعي لأول مرة عرفت معنى أن يكون لأصابعي مشاعر وذاكرة ووظيفة أخرى غير الكتابة وتقطيع الخضروات، عرفت معنى أن يحتفظ جسدي بالحب بين طيّاته، ويحفظ رائحة الحبيب ويميزها من بين كل الروائح، عرفت كيف لامرأة أن تشتهي رجلاً بعينه وتتمنى البقاء بجواره وكأن العالم يبدأ وينتهي بين ذراعيه.

أسباب مقنعة للانفصال

بعد سنوات من انفصالي أستعيد أحد أهم أسباب رغبتي في الانفصال. كنت صادقة مع نفسي، وقلت إنني بحاجة إلى النوم في حضن رجل أحبه وأشتهيه ويشتهيني ويراني في الظلام قبل النور. ربما لم تكن أسباباً مقنعة اجتماعياً، حتى أنني نفسي لم أكن مقتنعة بها من كثرة ما حقننا المجتمع بأسبابه الخاصة للطلاق: "بيضربك، بيخونك، بيشرب مخدرات؟"، كونه لا يفعل أياً مما سبق يجعله زوجاً مثالياً، وأحياناً     يفعل أحدهم أو جميعهم ويدفعنا المجتمع للبقاء رغم ذلك دون النظر للمرأة و مشاعرها ورغباتها وأفكارها.

يقولون لها "حافظي على البيت". أي بيت سنحافظ عليه والمرأة الموجودة به تشعر بالانتهاك والوحشة والتجاهل، كيف تربي أطفالها وترعاهم وداخلها بركان مستعد للانفجار في أي وقت، بركان من الغضب والحزن والرغبات المكبوتة والأمنيات والأحلام المحطمة؟ كيف سأعمّر بيتي وأنا أتهاوى ويأكل الخراب قلبي؟

بعض النساء يقرّرن الاستمرار خوفاً من مواجهة العائلة والمجتمع، وبعضهن مجبورات على الاستمرار بسبب الظروف المادية وعدم قدرتهن على تحمل نفقات الأطفال أو حتى نفقات أنفسهن البسيطة، بعض النساء مجبورات على الاستمرار لعدم توفر مكان آمن لهن ولأطفالهن، ولأن الأهل يرفضون استقبالهن مجدّداً بعد الطلاق، إما بسبب الظروف المادية العسيرة للأهل أو كنوع من أنواع الضغط لتبقى مقهورة في سجن الزوج.

في حقيقة الأمر، لا تجدي النصائح، وأحياناً تصبح الحياة سجناً كبيراً، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يشعر بها الجميع، لكن لا أمل لامرأة ترغب في الانفصال سوى أن تكون مكتفية اقتصادياً وقادرة على تحمل مسؤولية نفسها وأبنائها، لأنه بدون التحرّر الاقتصادي ستبقى المرأة حبيسة قهرها ورهن أفكار ورغبات من يملك المال ليطعمها ويطعم أبناءها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فعلاً، ماذا تريد النساء في بلادٍ تموج بالنزاعات؟

"هل هذا وقت الحقوق، والأمّة العربية مشتعلة؟"

نحن في رصيف22، نُدرك أنّ حقوق المرأة، في عالمنا العربي تحديداً، لا تزال منقوصةً. وعليه، نسعى بكلّ ما أوتينا من عزمٍ وإيمان، إلى تكريس هذه الحقوق التي لا تتجزّأ، تحت أيّ ظرفٍ كان.

ونقوم بذلك يداً بيدٍ مع مختلف منظمات المجتمع المدني، لإعلاء الصوت النسوي من خلال حناجر وأقلام كاتباتنا الحريصات على إرساء العدالة التي تعلو ولا يُعلى عليها.

Website by WhiteBeard