شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
بعد 67 عاماً من الاستقلال... لماذا لا تزال تونس مديونةً لمؤسسات النقد الدولية؟

بعد 67 عاماً من الاستقلال... لماذا لا تزال تونس مديونةً لمؤسسات النقد الدولية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأربعاء 5 يوليو 202304:45 م

بعد 67 سنةً من استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي، ما زالت تتخبط في الإشكاليات الاقتصادية التي ما فتئت تتراكم سنةً بعد سنة؛ وضع متأزم تسبب في غرق تونس في الديون الخارجية ليبلغ حجم الدين العمومي نهاية العام الماضي 35.5 مليارات دولار، كما ارتفعت نسبة الدين العمومي لتونس من الناتج المجلي الإجمالي إلى 78.5 في المئة وفقاً لمعطيات وزارة المالية.

الدين الخارجي يغذي المخاوف من سياسة التبعية الاقتصادية التي تنتهجها تونس، والتي من شأنها أن تهدد سيادة البلاد وتعمّق حالة الارتهان للخارج.

هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية متّبعة منذ الاستقلال، باءت غالبيتها بالفشل، على غرار تجربة التعاضد في ستينيات القرن الماضي وتجارب ما بعد الثورة.

ليبرالية واشتراكية تونسية... سياسات لم تأتِ أُكُلها

يقول المؤرخ والكاتب عبد اللطيف الحناشي، إن تونس واجهت منذ الاستقلال العديد من الصعوبات ذات الطابع الاقتصادي تبعاً للأوضاع البائسة التي خلّفها الاستعمار على جميع الأصعدة، خاصةً من خلال قيامه بضغوط في اتجاه عرقلة الاقتصاد التونسي منذ بداياته، تحديداً بعد أن قامت الدولة التونسية بفصل العملة التونسية عن الفرنك الفرنسي، واعتمدت الدينار والمليم. كما أشار إلى أنه في بداية الستينيات ونتيجةً لحرب بنزرت، كانت العلاقات مع فرنسا شبه منقطعة وأدت هذه السياسة بعد سنة 1964، إلى تأميم الأراضي الفلاحية التي كانت ملكاً للمستوطنين الفرنسيين، كما عملت فرنسا على منع استيراد السلع والبضائع التونسية، خاصةً منها الفلاحية، كالخمور وزيت الزيتون.

أكد الحناشي في حديثه أن ما حدث أثّر على السياسة الاقتصادية التونسية بشكل عام، والتي كانت في البداية ليبراليةً، واعتمدت بشكل خاص على التعاون الدولي مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبعض الدول الأخرى التي حاولت أن تساعد تونس مثل بلجيكا، إلى جانب التعامل مع مؤسسات النقد الدولية، خاصةً منها البنك الدولي، لكن هذه المساعدات لم تؤدِّ إلى حلول ناجعة في معالجة الأزمة التي عاشتها البلاد إلى أن تم في مؤتمر بنزرت سنة 1964، اعتماد ما أُطلق عليه "الاشتراكية الدستورية"، والتي تعني تعايش القطاعات الثلاثة الخاص والعام والتعاضدي. وهذه السياسة لم تتمكن من النجاح بالرغم من الدعم القوي من قبل بعض الدول الإسكندنافية التي كانت رائدةً في هذا المجال.

ولفت المتحدث إلى أن تجربة التعاضد، بعكس ما يدّعيه البعض، هي تونسية في الأصل أتى بها محمد علي الحامي (من الأفضل ذكر صفته) سنة 1924، عند عودته من ألمانيا إلى تونس، حين بدأ بتأسيس التعاونيات التي هي شبيهة بالتعاضديات. وتابع أنه سنة 1964، تم إقرار هذه السياسة، لكنها فشلت لأسباب عديدة منها أسباب ذاتية خاصة بتونس، ومنها أسباب ساهمت في تعطيل هذا التوجه برغم مساندة رئيس الدولة لهذا التوجه التعاضدي.

وأكد عبد اللطيف الحناشي، أنه بعد فشل تجربة التعاضد تم الانتقال إلى التجربة الليبرالية التي اعتمدت "سياسة الانفتاح الاقتصادي"، وأصدرت قوانين تسمح بدخول مؤسسات أجنبية إلى تونس وتقديم العديد من التسهيلات لها، وسهّلت للمستثمرين الأجانب إنشاء مصانع مثل مصنع النسيج وغيره، وتزامن ذلك مع ظرفية متميزة، ففي ذلك الوقت تونس كانت منتجةً للبترول، ونتيجةً لحرب تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1973، والحصار الذي قام به العرب، ارتفع سعر البترول وهو ما ساعد هذه السياسة على النجاح.

بعد فشل تجربة التعاضد تم الانتقال إلى التجربة الليبرالية التي اعتمدت "سياسة الانفتاح الاقتصادي"، وأصدرت قوانين تسمح بدخول مؤسسات أجنبية إلى تونس

وبيّن المتحدث أن هذه السياسة يُنظر إليها في الوقت الحالي نظرةً إيجابيةً على اعتبار أنها نجحت خلال عقد من الزمن من سنوات السبعينيات إلى الثمانينات، لكنها في الواقع ولّدت العديد من المشكلات الاقتصادية والمالية والسياسية، خاصةً بعد تردّي العلاقة مع ليبيا على المستوى السياسي، بسبب التراجع عن اتفاقية جربة، ثم توتر العلاقة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، وهو ما أدى إلى ما يُعرف بـ"الخميس الأسود".

ويضيف الحناشي أن تونس "دخلت على المستوى الاجتماعي في حلقة الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وتم تحرير الاقتصاد التونسي بشكل شبه كلي، وتطوير القوانين، وهذا ما ساعد على تحقيق نمو اقتصادي لكنه كان رخواً وهشاً ولم يكن متيناً. لذلك توترت العلاقة مع نقابة اتحاد الشغل، وأيضاً توترت العلاقة مع دول الجوار كالجزائر وليبيا، التي كانت تُعدّ الفضاء الحيوي للاقتصاد التونسي، وهذا بدوره أدى إلى أزمة سنة 1980. أما على المستوى السياسي فقد برزت معارضة شديدة للأمر داخل الحزب الاشتراكي الدستوري".

تاريخ من الارتهان للخارج

دأبت تونس على سياسة الارتهان للخارج قبل الاستعمار، كما بعد الاستقلال. ففي كل مرة فشلت فيها سياسات الدولة في خلق نموذج اقتصادي ريادي يدفع عجلة النمو، كانت تلجأ إلى الاستدانة من البنوك الخارجية، وفي ظل مواصلة العمل بسياسات تفشل في كل مرة في خلق الثروة، كان حجم الديون يتضخم حتى يصعب سداده.

أكد المؤرخ محمد ذويب، أن تونس تبنت مباشرةً بعد سنة 1956، سياسةً اقتصاديةً تعتمد على تنشيط القطاعات الحيوية، وذات قدرة على التشغيل، لأن الاقتصاد آنذاك كان في غالبيته تابعاً لفرنسا؛ فالمصانع الكبرى والبنوك والشركات والأراضي الفلاحية الخصبة والشاسعة كانت ملكاً للأجانب، ثم في بداية الستينيات نجحت تونس في استرداد مساحات شاسعة من الأراضي، إما عبر الشراء أو التأميم أو تلك التي اختار أصحابها التخلي عنها. وتبنّت تونس منذ 1964، سياسة التعاضد القريبة من النهج الاشتراكي، ولكن هذه التجربة لم تتم دراستها جيداً، لذا فشلت في إحداث نقلة نوعية نحو الأفضل، وتخلت عنها تونس سنة 1969، ومباشرةً إثر ذلك تبنّت تونس سياسةً ليبراليةً رأسماليةً تواصلت حتى أيامنا هذه.

تونس كانت تستدين من البنوك منذ ما قبل دخول الاستعمار الفرنسي حتى، وظلت على هذا النهج. والإشكالية في الأموال التي تستدينها أنها لا تذهب إلى القطاعات الحيوية

ورأى ذويب في حديثه إلى رصيف22، أن الاقتصاد بقطاعه الفلاحي والصناعي والخدماتي، ينخره الفساد ولا تشرف عليه الدولة، بل تتركه غالباً بيد الخواص الذين لا تعنيهم الدولة ولا الشعب، بل تعنيهم مصالحهم الخاصة فقط، بالإضافة إلى أن أغلب القطاعات ظلت بيد عائلات نافذة بعينها ومرتبطة بالسلطة منذ قرون، وهي التي تتحكم فيه وفي توجهه. لهذا لا يمكن الحديث عن اقتصاد وطني بكل ما للكلمة من معنى، بل عن اقتصاد ريعي رأسمالي.

كما لفت المتحدث إلى أن تونس كانت تستدين من البنوك منذ ما قبل دخول الاستعمار الفرنسي حتى، وظلت على هذا النهج. والإشكالية في الأموال التي تستدينها أنها لا تذهب إلى القطاعات الحيوية ذات القدرة على إحداث الثروة، بل إلى الخواص والبنوك والإصلاحات والرواتب، ولذلك بقي الاقتصاد التونسي رهناً للخارج.

من جانبه، يرى المؤرخ عبد اللطيف الحناشي، أن مسألة "الارتهان للخارج" لا يمكن معالجتها من زاوية تونس فقط، بل من زاوية تاريخية واسعة تمتدّ منذ القرن الخامس عشر، وتطور الرأسمالية، والوضع السياسي التاريخي لتونس التي كانت "جزءاً من الدولة العثمانية التي بدأت تؤول إلى السقوط، ومنذ ذلك الحين بدأت البلاد تفقد سيادتها منذ سقوط الجزائر في 1830، وتونس معها سيادتها الاقتصادية والسياسية وبدأ التسرب الاقتصادي والمالي الأجنبي إلى الإيالة التونسية. وسنة 1857، تاريخ عهد الأمان الذي سمح للأجانب بالإقامة وبالتملك وبالاستثمار. ومن هنا بدأ الغزو وكانت عملية تأزيم الأوضاع في تونس عمليةً مخططاً لها من قبل الاستعمار الفرنسي".

تونس "تخلّفت" عن ركب الاستقلال الاقتصادي

كثيرة هي الدول التي حصلت على استقلالها بالتزامن مع استقلال تونس، أو حتى بعده، لكن الفجوة بين النمو الذي حققته العديد من البلدان على غرار كوريا الجنوبية، وبين تونس، عميقة جداً. وهو ما يؤكد أن تونس لم تحسن التصرف خلال العقود التي تلت الاستقلال على المستويين السياسي والاقتصادي، ولم تتمكن من مجاراة الدول الأخرى في التقدم وتحقيق نمو اقتصادي يقي البلاد من مخاطر الاستدانة والارتهان للخارج.

الأزمة الاقتصادية التونسية ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية متّبعة منذ الاستقلال، باءت غالبيتها بالفشل

وقد أفاد أستاذ الاقتصاد رضا شكندالي، في حديثه إلى رصيف22، بأن الديون الثنائية، أي ديون تونس لدى الدول، ليست كبيرةً ولا تمثّل جزءاً كبيراً من الديون التونسية، وهذا ما يجعلها في منأى عن الذهاب إلى نادي باريس، لكن الإشكالية تكمن في الديون متعددة الأطراف لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والتي يُعدّ حجمها كبيراً جداً.

ولفت الشكندالي، إلى أن الإصلاحات التي سيتمّ دعمها من قبل صندوق النقد الدولي تستوجب 5 مليارات دولار تقريباً والبنك سيضخّ 1.9 مليارات دولار على أربع سنوات، وتالياً لا بد من تدخّل بعض الدول للمساهمة ودعم هذا البرنامج بتمويلات، وهذا ما كانت قد أشارت إليه مؤسستا "فيتش" و"موديز" للتصنيف الائتماني، ملاحظاً أن التجربة المصرية دفعت الجهات المقرضة إلى مراجعة حساباتها قبل إقراض الدول العربية.

يقول المتحدث إنه لا مجال للمقارنة بين تونس والدول الأخرى التي استقلّت معها في الفترة نفسها، لافتاً إلى أن الدول الإفريقية على غرار إثيوبيا، التي كانت تونس ترسل إليها معونات ومساعدات متمثلة في طائرات محملة بالمواد الغذائية، قفزت على مستوى النمو الاقتصادي، وأصبحت تتبوأ مراكز متقدمةً. أيضاً كوريا الجنوبية وتايوان كانت تونس في بعض الفترات أفضل منهما اقتصادياً، لكن اليوم لا مجال للمقارنة بينها.

في عهد محمد مزالي تراجعت الأمور ولم تشهد انتعاشاً إلا مع الهادي البكوش وحامد القروي في الثمانينيات والتسعينيات، ثم ظلت تونس على المنوال الاقتصادي للهادي نويرة نفسه، وهذا ما تسبب في تراجع الأمور

ويرى الشكندالي، أن النتائج الاقتصادية اليوم نتيجة لسياسات اقتصادية غير حكيمة وغير مجدية ونتيجة لتجارب فاشلة، مشيراً إلى أنه بعد الثورة تونس انتهجت ثلاث سياسات اقتصادية مع صندوق النقد الدولي، أوّلها السياسة النقدية الحذرة التي أدت إلى الرفع من نسبة الفائدة، وهي كلفة إضافية للمستثمر المحلي والأجنبي، وأضعفت الاستثمار والنمو الاقتصادي. كذلك سياسة الصرف المرنة التي أدت إلى تراجع قيمة الدينار التونسي وأثقلت كاهل المؤسسات التونسية التي تستورد المواد الأولية ومواد التجهيز، وتالياً كانت سياسةً قاتلةً خاصةً على مستوى التضخم المالي الذي ارتفع كثيراً جرّاء تراجع الدينار. أيضاً السياسة الجبائية التي اضطرت البلاد إلى رفع الجبايات 5 نقاط منذ الثورة، إذ كانت في حدود 20 في المئة، وأصبحت 25.4 في المئة، مشدداً على أن هذه السياسات التي تنتهجها تونس خنقت النمو الاقتصادي وتسببت في تراجعه بصورة كبيرة.

وعن المنوال التنموي بعد الاستقلال مباشرةً، قال أستاذ الاقتصاد: "في الستينيات لم تكن السياسة الاقتصادية المنتهجة خياراً، بل كانت الدولة مجبرةً على العمل في ظل غياب القطاع الخاص الذي كان مكوّناً من الفرنسيين الذين غادروا البلاد إبان الاستقلال، فأصبحت مجبرةً على الاستثمار مع إنشاء الشركات العمومية والبنية التحتية. وبالنظر إلى غياب القطاع خاص كانت الجباية ضعيفةً، وتالياً كانت الدولة مجبرةً على الاقتراض، وهذا ما جعل تجربة التعاضد تفشل لأن الاقتراض الخارجي آنذاك لم يكن مصاحَباً بزيادة كبيرة على مستوى الثروة، فالثروة الحقيقية يخلقها القطاع الخاص، وتالياً كانت هناك إشكالية كبيرة على مستوى المديونية".  

وعدّ الشكندالي أن تجربة التعاضد نجحت في المرحلة الأولى، وأدت إلى نمو اقتصادي كبير على مستوى الإنتاج الفلاحي، لكن سوء التصرف أفشل التجربة، فالتعاضديات كانت تقدَّم كمكافئة للمحاربين والمجاهدين الذين دحروا الاستعمار من دون السير وفق مبدأ الكفاءة.

وتابع: "صادفت الوزير الأول الهادي نويرة ظروف خارجية ممتازة خاصةً أن أسعار النفط ارتفعت 4 مرات وكذلك أسعار الفوسفات، وتونس كانت تصدّر الفوسفات والبترول، لكنه في الآن نفسه غيَّر المنوال الاقتصادي إلى نسق يعتمد أساساً على اليد العاملة الرخيصة. فحينها كانت نسبة البطالة في صفوف أصحاب المستويات الضعيفة مرتفعةً، واستقطب المستثمرين، وهو ما ساهم في نجاح التجربة التي حققت أعلى مستويات نمو اقتصادي، لكن في عهد محمد مزالي تراجعت الأمور ولم تشهد انتعاشاً إلا مع الهادي البكوش وحامد القروي في الثمانينيات والتسعينيات، ثم ظلت تونس على المنوال الاقتصادي للهادي نويرة نفسه، وهذا ما تسبب في تراجع الأمور بما أن البطالة لم تعد في صفوف أصحاب الشهادات الضعيفة بل أصبحت في صفوف الشهادات العليا، وهذا يستوجب تغيير النمط الاقتصادي لكن هذا لم يحدث والمنوال القديم اهترأ وتالياً أنتج الخيبات".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard