شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
وعود بالدعم المالي وبالتعاون... هل تميل تونس إلى إيطاليا على حساب فرنسا؟

وعود بالدعم المالي وبالتعاون... هل تميل تونس إلى إيطاليا على حساب فرنسا؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الخميس 15 يونيو 202311:35 ص

عرض الاتحاد الأوروبي على تونس مساعدات ماليةً تفوق قيمتها مليار يورو، لدعم ميزانية الدولة "بمجرد التوصل إلى اتفاق لازم". وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال الزيارة التي قادتها إلى تونس برفقة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ونظيرها الهولندي مارك روته، أن الاتحاد مستعد لمنح تونس مبالغ ماليةً لمساعدتها في إدارة الحدود ومعالجة قضية الهجرة غير النظامية.

حزمة المساعدات أعلنت عنها ميلوني، خلال زيارتها الأولى إلى تونس يوم 6 حزيران/ يونيو الجاري، وتأتي هذه الزيارات المتواترة لرئيسة الوزراء الإيطالية في سياق الضغط الإيطالي على صندوق النقد الدولي لتخفيف شروط القرض على تونس، خاصةً أن الرئيس قيس سعيّد كان قد صعّد من لهجته تجاه الغرب، معرباً عن "رفضه للإملاءات الغربية"، وسط مخاوف إيطالية من انهيار مالي في جارتها جنوب المتوسّط، في الوقت الذي تشهد فيه تونس، التي تُعدّ نقطة وصول رئيسية للمهاجرين عبر البحر المتوسط، أكبر موجة هجرة غير نظامية.

تحالف ضدّ المهاجرين

في ظرف أسبوع واحد، زارت جورجيا ميلوني، تونس مرّتين وتمحورت لقاءاتها مع الرئيس سعيّد حول ملفين رئيسيين اثنين هما ملف الهجرة غير النظامية، وملف المفاوضات التونسية مع صندوق النقد الدولي.

ويبدو أن العلاقات الثنائية بين البلدين في أوجها، فقد تحدّثت ميلوني عن دعم بلادها لتونس للحصول على قرض جديد وعن ضرورة مراعاة صندوق النقد الدولي للوضع الاجتماعي والاقتصادي فيها، كما دعت ميلوني إلى زيادة دعم تونس في مجال الهجرة غير النظامية وعقد مؤتمر في هذا الصدد.

بدوره أعرب الرئيس سعيّد عن ترحيبه بميلوني، في قصر قرطاج، كما وصفها بالمرأة "التي تقول بصوت عالٍ ما يفكر فيه الآخرون في صمت".

في ظرف أسبوع واحد، زارت جورجيا ميلوني، تونس مرّتين وتمحورت لقاءاتها مع الرئيس سعيّد حول ملفين رئيسيين اثنين هما ملف الهجرة غير النظامية، وملف المفاوضات التونسية مع صندوق النقد الدولي

فازت ميلوني، زعيمة اليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية سنة 2022، وكانت قد دعت خلال حملتها الانتخابية إلى منع سفن الإنقاذ من الرسوّ في شواطئ إيطاليا وإلى فرض حصار بحري على البحر المتوسط لوقف ما وصفته بـ"غزو المهاجرين"، لذا استُقبلت خلال قدومها الأخير إلى تونس، بوقفة احتجاجيّة تحت شعار "ميلوني غير مرحب بك في تونس"، نظّمها حقوقيون طالبوا بكشف مصير المفقودين في الهجرة غير النظامية وإيقاف عمليات الترحيل القسري للمهاجرين.

ورأى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن توالي زيارات المسؤولين الأوروبيين لتونس جزء من مسار قديم متجدد لابتزاز تونس وانتهاز هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمزيد من التعاون في سياسات تصدير الحدود واحتواء الهجرة.

في هذا الصدد، يشدد الرئيس سعيّد على أن تونس لن تصبح حرس حدود لدول أخرى، وعلى أن الحلّ لن يكون على حسابها.

لعلّ القفزة الإيطالية التي مكّنتها من تبوؤ المرتبة الأولى كشريك تجاري مع تونس خلفاً لفرنسا، ومحاولات تمتين العلاقات الأخيرة التي تقوم بها حكومة ميلوني، كفيلة بتأييد ما يروّج حول التنافس الحاصل بين البلدين الأوروبيين

في المقابل، كان سعيّد قد انتقد ارتفاع عدد المهاجرين من جنوب الصحراء في تونس، عادّاً أن ذلك يندرج في إطار مؤامرة تستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد، ما أثار غضباً في الداخل وفي إفريقيا ولدى المجتمع الدولي، الذي تخوّف من أن يؤدي هذا الخطاب إلى انتشار خطاب الكراهيّة تجاه مهاجري جنوب الصحراء.

شراكة مثيرة للجدل

تطرح الشراكة التونسية مع دولة يحكمها اليمين المتطرف، أكثر من تساؤل حول أسبابها وتبعاتها، خاصةً على المهاجرين غير النظاميّين. ويرى المحلل السياسي والدبلوماسي السابق عبد الله العبيدي، أن لا وجود لتقارب بين البلدين، بل هناك مشكلة هجرة غير نظامية، وتسعى إيطاليا إلى تجنيد جهات أوروبية للتباحث حول حلول مالية لتونس، حتى في حال عدم موافقة صندوق النقد الدولي على منحها القرض، وذلك ليستقر الوضع، لأن في اختلاله واهتزاز التوازن في البلاد تزداد أعداد الهجرة غير النظامية.

ورأى العبيدي في حديثه إلى رصيف22، أن لا مجال للحديث عن تقارب أيديولوجي بين تونس وإيطاليا، بل هناك تكثيف علاقات وزيارات ميلوني المتتالية هدفها السيطرة على موضوع لم تتم السيطرة عليه.

رأى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن توالي زيارات المسؤولين الأوروبيين لتونس جزء من مسار قديم متجدد لابتزاز تونس وانتهاز هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

كما نبّه إلى ضرورة التمييز بين الدولة الإيطالية والحكومة الحالية، أي المنظومة الحاكمة، لأن تونس ليست في تقارب مع ميلوني، بل لديها علاقة عريقة مع إيطاليا تمتد لقرون.

بدوره، يرى الدبلوماسي السابق أحمد ونيس، أن إيطاليا لديها مصاعب لا يمكنها التغلّب عليها إلا بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتونس، ومن جهتها تعرف تونس مصاعب من نوع آخر لا يمكنها التغلّب عليها إلا بالشراكة مع الدول الشريكة وصندوق النقد الدولي.

ولفت ونيس، إلى أن الجديد بين دولتي تونس وإيطاليا، هو أنه وقع الربط بين القضيّتين فلا يمكن لإيطاليا أن تنجح وبصفة ناجعة في مقاربتها إلا بإشراك تونس، وتونس لا يمكنها أن تشترك في علاج القضية الإيطالية إلّا بضمان حل لقضاياها ومصاعبها، فقد توحّدت المصاعب الإيطالية والتونسية ولدى الاتحاد الأوروبي، ودفعت إلى تبنى تصوّر للتخلص من هذه المصاعب المشتركة وتعاون واسع جديد بين أوروبا وتونس في صالح تونس وإيطاليا.

هناك مصالح وطنية ضيّقة اتفق عليها الجانبان وتبنّيا الغايات المهمة التي لا يمكن لأي طرف تحقيقها إلا بمشاركة الطرف الآخر

كما رأى الديبلوماسي السابق أن قضية الأيديولوجيا غير مطروحة، بل هناك مصالح وطنية ضيّقة اتفق عليها الجانبان وتبنّيا الغايات المهمة التي لا يمكن لأي طرف تحقيقها إلا بمشاركة الطرف الآخر، فأصبح التعاون معمقاً وإدراكه دقيقاً، مضيفاً: "تونس ليست دولة لا يسار ولا يسار متطرف. حكومتنا أيضاً يمينية. ومن جهة الإيطاليين أصبحت الحكومة يمينيةً. وفي العالم بأسره اليمين بصدد التمدد وتشكيل حكومات عديدة، لكن المقاربة المنتهجة هي تحليل الصعوبات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية التي تواجه أي حكومة وكيفية معالجتها".

إيطاليا الشريك الأول لتونس

خلال لقائها بالرئيس قيس سعيّد، كشفت جورجيا ميلوني أن قيمة التبادل التجاري بين تونس وإيطاليا تجاوز 7 مليارات يورو، وأن إيطاليا هي الشريك الاقتصادي الأول لتونس بوجود 900 شركة تعمل في تونس.

وقد تجاوزت إيطاليا فرنسا، الشريك الاقتصادي التقليدي لتونس، لأول مرة منذ نحو 150 سنةً، فقد أكد المرصد التونسي للاقتصاد، أن سنة 2022 هي الأكثر نشاطاً وديناميكيةً في مجال التغييرات التي طرأت على التجارة الخارجية لتونس، فبعد أن كانت إيطاليا المورِّد الأول لتونس بدل فرنسا سنة 2017، تجاوزت إيطاليا فرنسا لتصبح الشريك التجاري الأساسي على مستوى حجم الصادرات والواردات.  

وتُظهر الأرقام التي نشرتها وكالة الأنباء الإيطالية "نوفا"، أن التجارة بين إيطاليا وتونس في النصف الأول من سنة 2022، سجلت زيادة بـ27.24 في المئة، وقد استوردت إيطاليا سلعاً من تونس قُدِّرت بزيادة بلغت 20.8 في المئة على أساس سنوي، بينما تطورت الصادرات الإيطالية بنسبة 33.4 في المئة.

وبالمقارنة بين العلاقات الثنائية الإيطالية التونسية التي تعزّزت، يلاحَظ تراجع أو فتور في العلاقات التونسية الفرنسية خاصةً بعد تعهّد فرنسا بترحيل 10 آلاف تونسي يقيمون على أراضيها بصفة غير قانونية، وكذلك تعمّدها "إذلال" التونسيين في الحصول على تأشيرات السفر إليها، بهدف الضغط على تونس لترحيل مهاجريها غير النظاميين.

وفيما يُبرز الجانب الإيطالي حرصه الشديد على مساعدة تونس في تخطي العقبات الاقتصادية التي تمر بها والدفع نحو تمويلها، فإن الجانب الفرنسي لم يقم إلّا بخطوات محتشمة في هذا الصدد.

من جهته، يرى ونيس أن فرنسا سبقت دولاً أخرى في تقديم المساعدة لتونس على الرغم من أن التعاون بين البلدين لا يعتمد أزمة فرنسية على غرار إيطاليا التي وجدت نفسها أمام أزمة لا يمكن أن تتغلب عليها إلا بالتعاون مع تونس. كما شدد على أن فرنسا لم تفقد مكانتها اقتصادياً وتاريخياً في تونس، وأنه لا وجود لمزاحمة بين إيطاليا وفرنسا بل هناك شراكة حقيقية واتحاد سياسي بين الدول الأوروبية جميعاً.

أما العبيدي، فيرى أن إيطاليا تبحث عن حل لمشكلاتها، وحتى وعود الاتحاد الأوروبي بتقديم مليار يورو لتونس غير واقعية، لأن هذه المساعدات على المدى الطويل في السياسة ويمكن أن يمتد لعقود. كما أشار إلى أن تونس قدّمت طلب قرض لصندوق النقد الدولي والحديث عن مساعدتها لنيل الموافقة على القرض غير منطقي، لأن الصندوق مؤسسة دولية لها قانون أساسي وترتيبات يجب الامتثال لها.

تنافس إيطالي فرنسي قديم متجدد

إن التنافس الإيطالي الفرنسي على تونس ليس بالأمر المستحدث، فلطالما كانت البلاد التونسية محور هذا التنافس خلال القرن التاسع عشر، ولعلّ القفزة الإيطالية التي مكّنتها من تبوؤ المرتبة الأولى كشريك تجاري مع تونس خلفاً لفرنسا، ومحاولات تمتين العلاقات الأخيرة التي تقوم بها حكومة ميلوني، كفيلة بتأييد ما يروّج حول التنافس الحاصل بين البلدين.

وفي سياق توطّد العلاقات بين الحكومة التونسية ونظيرتها الإيطالية اليمينية المتطرفة، يرى المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، أن تونس لا تختار التعاون مع الحكومات أو مع الدول بناءً على التوجهات العقائدية والسياسية لأنه لو حصل ذلك لوجدت تونس نفسها قد أوقفت علاقاتها مع عدد كبير من الدول، منبهاً إلى أن الحكومات التي تتعاون معها تونس يجب أن تخضع لشروط أهمها شرط تحقيق المصلحة وعدم المساس بالحقوق الأساسية.

ويضيف الجورشي، في حديثه إلى رصيف22، أن التعامل مع الحكومة اليمينية في إيطاليا يجب ألا يؤدي إلى الخضوع للضغوط الإيطالية على تونس، وأن لا تستفيد هذه الحكومة من الأوضاع السلبية التي تعيشها تونس منذ فترة، متابعاً: "حاولت تونس في الاتفاق الأخير أن تدافع من خلال دبلوماسيتها عن بعض الأفكار. لكنّها في الأخير خضعت لمقاييس وأولويات تنعكس سلباً على مصالحها واستقرارها في المرحلة القادمة، ومن بينها قضية المهاجرين والطريقة التي تبنّتها رئاسة الجمهورية وهي قضية فيها الكثير من الرهانات التي تنعكس سلباً على المستقبل، لأن تونس أيّدت بهذا الاتفاق التعامل البراغماتي الذي لا يراعي حقوق المهاجرين والإنسان، وبهذا هناك نوع من التنازل على جزء من السيادة ونوع من التسرع في هذا التوجه الذي يمكن تجاوزه وعدم التورط فيه".

وأضاف الجورشي، أن فرنسا تمر بأزمة هيكلية نتيجة سوء إدارة أوضاعها السياسية والاقتصادية وهي الآن تخسر مواقعها وعلاقاتها بأطراف واسعة في إفريقيا، وهي في حدّ ذاتها تميل تدريجياً إلى السقوط في كفة أقصى اليمين. ولفت المتحدث إلى عدم وجود خلافات كبيرة بين فرنسا وإيطاليا، وإنما يوجد تنافس بين الطرفين على أشياء كثيرة من بينها تونس، وهذا يذكرنا بالتنافس القديم الفرنسي الإيطالي على تونس قبل الاستقلال.

وختم المتحدث بالتأكيد على أن ما يجري الآن هو نتيجة عوامل داخلية حاولت الدبلوماسية التونسية أن تستفيد منها لكن الوضع يتجه إلى الإبقاء على العلاقة المتينة مع فرنسا وتكوين علاقات متينة أكثر مع إيطاليا.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard