شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
مقاطع من حدوتة مصرية اسمها عبد الرحيم منصور (3)

مقاطع من حدوتة مصرية اسمها عبد الرحيم منصور (3)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الخميس 6 يوليو 202312:11 م

حين سألت الفنان صلاح السعدني عن ذكريات أيام الصعلكة والتشرّد مع صديقه الشاعر عبد الرحيم منصور، والذي كان الملحّن بليغ حمدي سبباً في تعرّفه عليه، قال لي: "تعرّفت على عبد الرحيم حوالي سنة 1972، كان يسمع عني قبل ما نتقابل. الكل كان يقول له إنني أشبهه، وبليغ حمدي كان برضه كتير يقول لي لازم أعرفك على شبيهك، شاعر صعيدي اسمه عبد الرحيم منصور.

واتعرّفت عليه فعلاً، وما جابليش سيرة الحكاية دي إلا بعد فترة من تعارفنا. لقيته مرة بيقول لي أما أنا حكايتي معاك حكاية يا سعدني، كلهم كانوا يقولوا إنك شبهي. هو احنا ما كناش شبه بعض في ملامح الوش، لكن في آثار الجوع وسوء التغذية. يعني احنا الاتنين سُفيّفين وجلد على عضم، لكن عبد الرحيم كان عكسي في الطباع، هادي جدا وصوته ما يطلعش إلا في أضيق الحدود. لكن التشابه الأهم بالنسبة لي كان تشابه الروح الإنسانية، عشان كده من أول ما اتعرّفت عليه أصبحنا أصدقاء جداً، وعشنا أيام الصعلكة سوا في شقق كثيرة في القاهرة، أبرزها شقة الفنان والكاتب الكبير عم بهجت قمر الله يرحمه، واللي كانت بالنسبة لجيلي عاملة زي قهوة عبد الله في الجيزة لجيل محمود السعدني.

حين سألت الفنان صلاح السعدني عن ذكريات أيام الصعلكة والتشرّد مع صديقه الشاعر عبد الرحيم منصور، قال لي: "الكل كان يقول له إنني أشبهه، هو احنا ما كناش شبه بعض في ملامح الوش، لكن في آثار الجوع وسوء التغذية. يعني احنا الاتنين سُفيّفين وجلد على عضم"

كانت قعدتنا في شقة بهجت قمر حوالين مكتبه اللي كان مكتب ضخم عشان يتسع لحجم بهجت، ومع إن الأوضة اللي فيها المكتب صغيرة والمكتب واكلها تقريباً، لكن الغريب إنك تلاقى 40 مواطن موجودين فيها. اللى جايب لحمة واللى جايب ملوخية واللى جاى ياكل ويشرب وبس. شقة بهجت خدت من جيلنا كله راقات وراقات، كان عبد الرحيم اترمى في حضن بهجت قمر عن طريق بليغ حمدي نفسه اللي كان اترمى من الأول في حضن بهجت قمر".

عن علاقته ببليغ حمدي، يقول صلاح السعدني: "كانت علاقتي ببليغ بدأت قبل كده بكذا سنة، لما اتعرّفت عليه في بيت عبد الحليم حافظ أنا وعادل إمام. كانت حالتنا المادية كرب، لسه بندور على طريقنا في التمثيل، وبيت عبد الحليم كان بمثابة مأوى إنساني وفني وأكلي وشربي. فاكر إن صديقنا الصحفي الساخر فؤاد معوض، الشهير بفرفور، كان أطلق عليّ أنا وعادل لقب (أمناء الشوربة)، لإن أول ما ندخل بيت عبد الحليم ينادي الفراش ويوصيه بإنه ينزل شوربة وأكل ومشاريب متنوعة، وكان بليغ حمدي واحد من أجمل المكاسب الإنسانية اللي حصلت لي من خلال معرفة عبد الحليم حافظ، واللي يعرف بليغ الرقيق ومرهف الإحساس والمبدع المخلص لفنّه لحد الجنون، يقدر يفهم سر الارتباط الكبير اللي حصل بينه وبين عبد الرحيم منصور اللي كان عنده نفس هذه المميزات.

لما اتعرّفت على عبد الرحيم كنت وقتها موقوف عن العمل بسبب اشتراكي في التوقيع على بيان رفض حالة (اللا سلم واللا حرب) اللي وقع عليه مجموعة من المثقفين والفنانين، فالسادات رفدني من الاتحاد الاشتراكي مع إني ما كنتش عضو فيه أصلاً، بس مجرد إعلان الخبر ده خلّى المنتجين السينمائيين يبطلوا يجيبوني في أي شغل، وما كانتش فترة الهجرة للاستديوهات التلفزيونية بره مصر بدأت.

ولا أنسى إن اللي ساندني وقتها كان سمير خفاجي، اللي عينني مدير فرقة الفنانين المتحدين خلال عرض (مدرسة المشاغبين)، وكانت وظيفتي إني أصالح عادل إمام وسعيد صالح على عبد المنعم مدبولي، وبعدين أصالح عادل إمام وسعيد صالح على بعض، ونخلص المسرحية نطلع على بيت سمير خفاجي اللي كان بهجت قمر وبليغ حمدي ركنين أساسيين فيه، وفي الأيام دي قرّبت جداً من عبد الرحيم منصور وسامي السلاموني، وعشنا حالة صعلكة جميلة، وكنت وقتها هجّيت من البيت وسكنت في أوتيل في شارع قصر النيل، إيجار الأودة بثلاثين جنيه، وأنا مرتبي من المسرح القومي 18 جنيه، بس كانت أسعد لحظات حياتي في النقاشات في الشعر والسينما والأدب مع عبد الرحيم وسامي، ولولاهم ما كانتش التلات سنين الصعبة دي تعدي".

يضيف صلاح السعدني قائلاً: "عبد الرحيم منصور كان إنسان حساس جداً، ويمكن يكون التجسيد الفعلي لتعبير (مرهف الإحساس). كان عايش زي ما قال في أغنيته الجميلة (الحياة للحياة)، أو بحسب تعبير تاني ليه برضه (كله في المواني يا با).. هو كان عايش كده.. كله في المواني. كان بيجمعني مع عبد الرحيم حب الفن وحب الليل والسهر. عبد الرحيم كان في حالة حب دائم، من بنت جميلة لبنت جميلة... زي العصفور بيطير من شجرة لشجرة.

يمكن الواحد في السن دي بيكون مركز أكتر في العلاقات البطنية السطحية، لكن عبد الرحيم كان في حبه شديد الرومانسية وشديد الألم، لما تخلص الحكاية اللي ما كانتش بتطول كتير. لما جت لي شخصية نصر وهدان القط في مسلسل (حلم الجنوبي) استحضرت عبد الرحيم منصور في ذهني ووجداني خلال تجسيد الشخصية، سواءً لهجته الصعيدية الجميلة اللي ما تخلاش عنها في القاهرة، أو تبنيه للقضايا العامة، أو الرومانسية التي تحرّكه وتجعل علاقته بالحياة كلها علاقة رومانسية شديدة الرقة.

بعكس المفهوم العام الخاطئ عن الصعيد، ستجد لدى أهل الصعيد رومانسية شديدة، الواد عبد الرحيم كان كده، الصعيدي الهاملتي المتردّد الحيران والرقيق جداً، عشان كده هتلاقي عنده صور شعرية رومانسية لا يكتبها شاعر غيره، وبرغم الحزن الشديد اللي في أغانيه وأشعاره، ما شفتش عبد الرحيم أبدا وهو بيعيط، ما كانش مكتئب أبداً، كان مقبل جداً على الحياة وكان متأمل أيضاً، لكن لم يكن انطوائي أو مزعج في عزلته، كان حضوره ملموس طول الوقت حتى وهو صامت ومتأمل".

صلاح السعدني: "بعكس المفهوم العام الخاطئ عن الصعيد، ستجد لدى أهل الصعيد رومانسية شديدة، الواد عبد الرحيم كان كده، الصعيدي الهاملتي المتردّد الحيران والرقيق جداً، عشان كده هتلاقي عنده صور شعرية رومانسية"

كنت خلال كتابتي لهذه الشهادة قد التقيت بالأستاذ صلاح السعدني خلال تصويره لأحد المسلسلات التلفزيونية في أحد استوديوهات صوت القاهرة في العباسية، لم أعد أذكر الآن اسم المسلسل لأنني حضرت تصوير أكثر من عمل في نفس الاستوديو، لكنني وجدت في أوراقي التي سجّلت فيها شهادة السعدني، شهادة قصيرة للماكيير الشهير محمد عشوب، والذي كان يقوم بعمل الماكياج لصلاح السعدني في المسلسل، وسمع حديثنا عن عبد الرحيم منصور، ولأنه كان على صلة قوية بالمطربة الكبيرة وردة الجزائرية والفنان بليغ حمدي، فقد حكى لي هذه الحكاية الطريفة التي كان شاهداً عليها: "تقدر تشوف مدى ارتباط عبد الرحيم ببليغ لما تعرف إن عبد الرحيم كان مقيم في بيت بليغ ووردة، وكان ليه أودة مخصوص، ولما بليغ يكون عنده مشاوير ينزل ويسيب عبد الرحيم في البيت. وفاكر إن وردة في الفترة اللي كانت فيها حامل، كان حملها صعب، والدكتور طلب منها إنها ما تتحركش من السرير، فكانت صباح تيجي مخصوص عشان تطبخ لهم، وفي أول يوم جت فيه ما كانتش لسه اتعرفت على عبد الرحيم، لما صِحِي عبد الرحيم شمّ ريحة أكل جميلة، فقابل صباح اللي بصت له باستغراب وهي شايفة واحد لسه صاحي شعره منكوش ووشه عليه أثر النوم، ولقته بيقول لها بهدوء شديد: طابخين إيه النهارده؟

صباح ذهلت وراحت قالت لوردة: مين اللي بره ده اللي بيسألني طابخة إيه؟ وردة قالت لها ده شاعر جميل وصديق بليغ وبيشتغلوا مع بعض على مسرحية، فبليغ موصي إنه ما يسيبش البيت إلا لما يخلص الشغل، فصباح اتصلت ببليغ وقالت له: تعال شوف شكسبير بتاعك اللي انت سايبهولنا بيسألني طابخين إيه النهارده.

من الحاجات اللي برضه فاكرها إن عبد الرحيم بوصفه شاعر ومتأمّل وكده، كان بيسرح كتير على ما يكتب غنوة في المسرحية، فينسى السيجارة اللي مولعها فينزل الطفي بتاعها على الأرض، فوردة تزعّق وتقول له: يا عبرحيم حرام عليك، في اختراع اسمه الطفاية، فيخرج من سرحانه على صوتها ويبصّ لها كده بابتسامته الهادية، ويقول لها: الأرض حنينة علينا برضه، فتتجنن وتتصل ببليغ وتقول له الحقني.

عبد الرحيم بوصفه شاعر ومتأمّل وكده، كان بيسرح كتير على ما يكتب غنوة في المسرحية، فينسى السيجارة اللي مولعها، فينزل الطفي بتاعها على الأرض، فوردة تزعّق وتقول له: يا عبرحيم حرام عليك، في اختراع اسمه الطفاية

من الحاجات اللي برضه أفتكرها وتخصّ عبد الرحيم بس ما كانتش في حضوره، ولكن في حضور الرئيس السادات، لما كنت مرّة معاه هو وبليغ قبل تصوير خطاب تلفزيوني، وكان السادات بيتكلم مع بليغ عن الأغاني الوطنية اللي بيحبها، وجاب سيرة أغنية (وأنا على الربابة باغني) اللي غنتها وردة وكتبها عبد الرحيم ولحنها بليغ، مع إن الحوار ده كان بعد حرب أكتوبر بسنين، لكن كان السادات بيتكلم عن الغنوة بحب شديد، وبيقول ل بليغ: الأغنية دي بتهزني يا بليغ. أغنية عبقرية باسمعها كل مرة كإني باسمعها لأول مرة".

لم أجد في أوراقي المزيد من حكايات محمد عشوب عن تلك الفترة، ربما لأن حديثه كان على هامش حواري مع صلاح السعدني، ومع الأسف لم أتمكن من الذهاب إليه بعد ذلك لسؤاله بشكل مطول عن شهادته على تلك الفترة، لذلك أعود إلى باقي ما دوّنته من شهادة العم صلاح الذي يكمل حكايته مع عبد الرحيم منصور، قائلاً: "علاقتي مع عبد الرحيم كان بها فترات تقارب وتباعد، وكان محورها بليغ حمدي في أغلب الأوقات، ما حضرتش للأسف فترة جوازه لأني كنت بعيد بسبب ظروف السفر خارج مصر لفترات طويلة، خلال تصوير الأعمال الدرامية في استوديوهات الخليج وأثينا ولندن وغيرها، لكن قربنا من بعض تاني خلال فترة فيلم (الزمار) في أوائل الثمانينات، وأذكر إني اتخانقت خناقة خفيفة مع مخرج الفيلم الصديق الغالي عاطف الطيب الله يرحمه، لأني كنت شايف إنه لازم عبد الرحيم يكتب أغنية ويغنيها في الفيلم محمد رشدي أو على الحجار، عشان الفيلم يبقى فيه جاذبية أكتر للمشاهدين، بدلاً من الاكتفاء بمقاطع الشعر اللي كانت مع الأسف ما بتجذبش المتفرج العادي، وكلامي زعّل عبد الرحيم لإنه كان شايف تجربته في الفيلم فرصة للخروج من حدود كاتب الأغاني وتقديم شعره بشكل مختلف، وأنا كنت شايف إنه ممكن الجمع بين حالة الشعر وحالة الغناء، لكن رأيي ما أقنعش عاطف وعبد الرحيم.

فاكر برضه في تصوير مشهد بيجمعني بنور الشريف إن نور بيقول جملة شعر كاتبها عبد الرحيم هي (شعرها زي أسراب الحمام ألمه وأفرده)، ومع تعب التصوير والسهر نزلت علينا حالة ضحك غريبة أنا ونور، وبقينا مش قادرين نمسك نفسنا من الضحك كل ما نور يقول الجملة دي، وعدنا المشهد أكثر من عشر مرات وعاطف يتحايل علينا واحنا مش قادرين، لغاية ما قال هنصور والجملة تتقال في الدوبلاج، وبرضه عِدنا الجملة في الدوبلاج كذا مرة، يمكن دي آخر ذكرى مطبوعة في ذهني لعبد الرحيم، للأسف ما كنتش أعرف إن عبد الرحيم تدهورت صحته في الفترة الأخيرة قبل رحيله، لإنه كان بيخبي التفاصيل دي عن أصدقائه، ويمكن برضه ما خدناش خوانة لأن صحته كانت هزيلة من أول ما نزل من البلد، كان موته بالنسبة لي مفاجأة، خسارتي وخسارتنا كلنا في عبد الرحيم لا تعوّض أبداً".

في حديثه معي رفض صلاح السعدني التعليق على خلافات عبد الرحيم منصور مع عبد الرحمن الأبنودي، ليس فقط لأنه لا يحب أن يغضب الأبنودي، ولكن لأنه لا يحب أن يتذكّر عبد الرحيم إلا بذكريات مبهجة وجميلة، ولكي أستزيد أكثر مما حكاه الأستاذ سيد خميس عن علاقة عبد الرحيم وعبد الرحمن ببعضهما، سألت المخرجة التسجيلية الكبيرة عطيات الأبنودي، التي تزوجت الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي وحملت اسمه، وإن كانت قد تفرقت بهما السبل وأصبحت علاقتهما عاصفة وشائكة بعد الانفصال، فقالت لي: "علاقة عبد الرحيم بعبد الرحمن كانت لغز بالنسبة لي، لإن اللي أعرفه إن بيت عبد الرحيم في قنا قصاد بيت عبد الرحمن، فالاتنين يعرفوا بعض كويس جداً من صغرهم، لكن خلال عشرين سنة جواز بعبد الرحمن في ثلاث أشخاص لم يدخلوا بيتنا أبداً، برغم التاريخ الطويل بينهم وبين عبد الرحمن، هم: عبد الرحيم منصور وأمل دنقل وإبراهيم فتحي الكاتب والناقد اليساري الكبير، واللي أعرفه إن عبد الرحيم جه من الصعيد على عبد الرحمن وبعد كده تفرّقت بيهم السبل لما عبد الرحيم اتجوز من نعيمة اللي كانت بتشتغل في مسرح العرائس واللي كان عبد الرحمن متجوزها، وما كانش ده السبب الوحيد لكن كان في إحساس عند عبد الرحمن إنه عبد الرحيم عامل حالة تتبع لخطاويه بشكل مزعج، بدل ما يحاول إنه يكون نفسه، وأعتقد إنه كان غلطان في الحكاية دي.

وردة في الفترة اللي كانت فيها حامل، الدكتور طلب منها إنها ما تتحرّكش من السرير، فكانت صباح تيجي مخصوص عشان تطبخ لهم، أول يوم لما صِحِي عبد الرحيم شمّ ريحة أكل جميلة، فقابل صباح اللي بصّت له باستغراب، ولقته بيقول لها بهدوء شديد: طابخين إيه النهارده؟

الست نعيمة لما اتجوزها عبد الرحيم كانت بقت فوق الخمسين وما عندهاش أولاد، وكانت ست طيبة جداً وحنينة، وكان الموضوع بيثير ضيق عبد الرحمن لما تيجي سيرته، لكن العلاقات بين الشعراء والفنانين مش دايماً تتفسر بشكل منطقي، يعني ما تقدرش تقول مثلاً إن عبد الرحمن كان بيغير من عبد الرحيم، لإن عبد الرحمن دعم شعراء كتير من الصعيد وغير الصعيد.

هي ليها شفرة إنسانية كده صعب تفكها، يعني مثلاً أمل دنقل عبد الرحمن كان يحبه جداً ويقدّر شعره، وفي بينهم إعجاب متبادل، لكن لا يمكن ييجي لنا البيت، لإن أمل كان صعب شوية في تعاملاته، زي ما يكون بيدافع عن نفسه في وسط المدينة بالحدة الشديدة، وكانوا قبل ما أتجوز عبد الرحمن سكنوا مع بعض هو وعبد الرحمن في شقة في بين السرايات، وكانت انطباعات عبد الرحمن عن التجربة دي مش لطيفة، فكانوا يتقابلوا دايما بره البيوت.

على العكس تماماً كانت علاقة يحيى الطاهر عبد الله بعبد الرحمن. يحيى كان عنده دبلوم زراعة واشتغل في الإصلاح الزراعي، وجه من الكرنك على بيتنا في القاهرة. كنت اتجوزت عبد الرحمن سنة 65 وكان عبد الرحمن يحبه جداً، وعاش معانا في البيت وغسلت هدومه كإنه أخويا. قبلها كان عبد الرحمن وأمل وعبد الرحيم ويحيى، وكل الجيل ده مش بس اللي جايين من الصعيد، كلهم كانوا ساكنين في بولاق الدكرور في شقة تاريخية، كل دول عاشوا فيها.

عبد الرحمن كان ألمعهم والكسيب فيهم، وكان بينفق عليهم في أوقات كتيرة، وما حدش عرف عبد الرحمن كويس يقدر يتهمه بالغيرة بشكل سلبي أو بمحاربة المواهب، بالعكس تماماً، عشان كده تظل العلاقة بين عبد الرحمن وعبد الرحيم لغز بالنسبة لي".

حين عرفت الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي واقتربت منه وتشرفت بصداقته، بدءاً من عام 2004، ظل الحديث عن عبد الرحيم منصور واحداً من الموضوعات القليلة التي لا يحب الحديث فيها، وحين أحاول استغلال اللحظات التي يكون مزاجه فيها صافياً، يتهرب من الحديث بعبارات من نوعية: "ربنا يرحم الجميع. ربنا يصلح حالنا وحالك يا عم بلال"، فأعرف أن الحارة سدّ وأغير الموضوع، وكذلك كان الحال مع المطرب الكبير محمد منير الذي سعدت بصداقته منذ منتصف التسعينيات، وبدأت في عام 2007 في كتابة فيلم روائي عن مشوار حياته، كانت ستخرجه المخرجة هالة خليل وينتجه الفنان سامي العدل، وحين بدأت الجلوس معه لسؤاله عن تفاصيل مشوار حياته، تحدث بمحبة وتقدير عن كل من عبد الرحيم منصور وعبد الرحمن الأبنودي، وعن حظه الحسن ورضا ربنا عليه الذي أتاح له العمل معهما، وحين سألته عما إذا كان يعرف أسباب الخلاف بين عبد الرحيم وعبد الرحمن، قال إنه لا يحب الحديث في الموضوع، وتكرّرت نفس الإجابة حين سألته عن سبب عدم تعاونه الفني مع عبد الرحمن الأبنودي إلا بعد رحيل عبد الرحيم منصور أو في السنوات الأخيرة من حياته، كما لم أجد في أرشيف حوارات الأبنودي الواسع والعريض أي كلام عن عبد الرحيم منصور، أما في أرشيف حوارات عبد الرحيم منصور القليل والنادر، فقد وجدت كلاماً شديد العمومية، قاله عن الأبنودي في حوار أجراه مع الشاعر جمال بخيت في مجلة (صباح الخير) في يناير 1983، حين ذهب إليه ليتحدث عن خطوة جديدة ينوي عبد الرحيم الإقدام عليها، وهي التوقف عن التفرغ الكامل لكتابة الأغنية ليستكمل كتابة وتجهيز دواوينه الشعرية التي توقف عن استكمالها طيلة سنوات، فلم تجد طريقها إلى النشر، وهي دواوين (رباعيات الموت والميلاد، المزامير، مذكرات قناوي، الجزء الأول من ملحمة المغنواتي)، وقد صدر بعضها بعد رحيله بسنوات، ولا زال البعض الآخر مفقودا حتى الآن.

*****

في الأسبوع القادم أختم هذه السلسلة بنشر شهادة عبد الرحيم منصور على كبار شعراء العامية المصرية، والشهادة التي سجّلتها مع صديقه الشاعر ماجد يوسف، بالإضافة إلى شهادة الملحّن الكبير أحمد منيب الذي قدّم مع عبد الرحيم أجمل أغانيه لمحمد منير.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard