شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
توفي غريباً في المغرب وبقي اسمه على الثلاجات في البيوت الإيرانية… محسن آزْمايِش

توفي غريباً في المغرب وبقي اسمه على الثلاجات في البيوت الإيرانية… محسن آزْمايِش

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ما زلت أتذكر ثلاجة "آزمايش" التي اشتريتها لتكون أول الأثاث في منزلي، حين بدأت بالعيش وحدي بعيداً عن مسقط رأسي. هي ثلاجة قديمة غير حديثة لكنها تعمل جيداً. أما "آزمايِش" فهي ماركة تجارية قديمة وشهيرة لدى العوائل الإيرانية، ولصاحبها محسن آزْمايِش قصة مثيرة للاهتمام.

وُلد محسن آزمايش عام 1925، وهي السنة التي تحولت فيها السلالة الملكية الإيرانية من القاجارية إلى البهلوية، وكانت سنةً مليئةً بالأحداث السياسية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع.

كان والده رجل دين توفي مبكراً، فاضطر محسن إلى ترك الدراسة الابتدائية كي يعيل أسرته الفقيرة، فعمل في محال للحدادة في طهران. مثابرته على العمل صنعت منه عاملاً ماهراً وذكياً. بعد 7 سنوات استطاع أن يبتاع لنفسه محلاً صغيراً في أحد شوارع العاصمة عام 1940.

وقع رأس مال محسن الذي تحول إلى واحد من أهم التجار المقربين إلى الشاه، والذي نال الكثير من المنح الحكومية والامتيازات والقروض البنكية بعد أن أثبت جدارته في التصنيع، في يد الثوار

كانت حينها طهران تعيش أجواء الحرب العالمية الثانية، فبدأ رويداً رويداً بالعمل. كان يعمل يومياً نحو 16 ساعةً. تزوج وقتذاك من ابنة جارتهم، ومع تحسّن أوضاع البلد بعد نهاية الحرب العالمية، بدأت الطلبات تتزايد على محسن الذي حوّل نفسه من عامل بسيط إلى صاحب ورشة صغيرة. الطلبات كانت عبارةً عن صناعة الكراسي والأبواب والنوافذ، فكانت هناك نهضة صناعية كبيرة في البلد لإنشاء الدوائر والصالات والقاعات والمحطات والمجمعات ودور السينما والمتاجر والأسواق الحديثة.

بعدها تحوّل المحل الصغير إلى ورشة عمل تضم عشرات العمال، وبرغم ذلك لم تواكب حياة محسن الشخصية، حياته المهنية، فصاحب العائلةَ قلقٌ كبير لعدم إنجاب الأطفال.

وقع حادث درامي قيل إنه أصبح القصة الحقيقية لفيلم المخرج الإيراني الشهير داريوش مهرجوئي (Dariush Mehrjui)، تحت عنوان "ليلا"، وذلك حين ذهبت بتول، زوجة محسن، لتطلب يد زوجة أخرى له بغية إنجاب الأطفال لهذا المقاول الذي استطاع أن يغيّر حياته وحياة عائلته مالياً، ويكسب له ولهم مكانةً اجتماعيةً لا بأس بها. تزوج محسن ثانيةً، وأنجبت زوجته الثانية أربعة أطفال، وعاش مع زوجتيه.

صادقت الحكومة في مطلع خمسينيات القرن الماضي على مشروع سباكة العاصمة طهران، وقررت أن تمنح العمل في كل حي لمقاول كي يتم الإنجاز بسرعة، ففاز محسن آزمايش، وأبرم عقداً لإنتاج الأنابيب.

بداية جديدة

ذات يوم من أيام العام 1957، وبينما كان محسن يخطط لتنفيذ أحلامه، تلقى نبأً عظيماً؛ ذهب مسرعاً نحو ورشة عمله، ليجدها رماداً بكل ما فيها. أفلس بالكامل ليعود به الزمن إلى أيام العمالة واليتم.

اعتقد أن منافسيه هم من أضرموا النار في ورشته التي كادت أن تتحول إلى مصنع كبير في طهران، ولكن الحكومة ساعدته ليبني ورشته من جديد، في الموقع نفسه، بيد أنه اتخذ قراراً جديداً بتغيير مهنته؛ خلال بضع سنوات، شيّد مصنعاً لإنتاج الأجهزة المنزلية في المكان نفسه: كنبات وأفران ومكيفات وسخانات مياه وثلاجات ومدافئ، وتطور العمل شيئاً فشيئاً في ستينيات القرن المنصرم.

ضم المصنع مئات الموظفين واستحوذت شركة "آزمايش" على جزء كبير من السوق المحلي، فتحوّل حينها صاحب الشركة محسن الذي كان أمّياً قبل ذلك إلى واحد من أهم التجار الإيرانيين، وحقق قفزةً في الأرباح عام 1968.

ملأت دعايات منتجات "آزمايش" شاشةَ التلفزيون الإيراني والصفحات الأولى للصحف المحلية، ثم تطور العمل، فتم بناء مصنع آخر يضم مجموعةً من خطوط الإنتاج في مدينة ساوه (Saveh) وسط البلاد.

بعد ذلك آن الأوان لينتج عملاق الأجهزة المنزلية الإيرانية نماذجَ مختلفةً من منتوجاته، فتطوّر جهاز الثلاجة من نموذج واحد إلى خمسة نماذج، والمكيّف إلى سبعة، وهكذا مع المنتجات الأخرى.

التصدير إلى دول الخليج

وصل محسن وقتها إلى تزويد دول الجوار بمنتجات "آزمايش"، فبدأ بتصدير بضاعته إلى دول الخليج وأفغانستان، حتى قيل إن 40% من سوق الأجهزة المنزلية الأفغانية كانت تؤمَّن من قبل هذه الشركة الإيرانية.

وبرغم أن هذا الطفل اليتيم، ساعد منذ البداية في رعاية أسرته وجعلها متمكنةً مالياً واجتماعياً، إلا أن نفسيته الأبوية والسلطوية كانت مانعاً ليلتحق به إخوته وأعضاء أسرته في إدارة شؤون شركته القابضة، على غرار ما كان سائداً وقتها في سائر المصانع والأعمال التجارية التي كانت تدار من قبل أفراد أسرة واحدة.

مع ذلك لم ينسَ محسن متاعبَه أيامَ كان عاملاً بسيطاً، فقيل عنه إنه كان يمنح رواتب شهريةً بانتظام لعماله، كما كانت الرواتب أكثر من الرواتب المعتادة في  سائر المصانع، كما أنه منحهم القروض، ووفر لهم تكاليف الزواج، حتى أنه كان يعير سيارته الشخصية الفاخرة إلى عمّاله في ليالي زفافهم.

أما سرّ نجاحه الأهم في السوق، فكمن في أسعاره المناسبة، إذ كان يبتاع المواد الخام بكميات كبيرة، وفي النتيجة بأسعار منخفضة، وهذا هو العامل المؤثر في التسعير الجيد للمنتج النهائي.

امتلكت شركة "آزمايش"، نحو 400 وكالة في عموم البلاد، لبيع منتجاتها المنوعة التي تخطت الـ110 آلاف وحدة سنوياً. خطوةً خطوة وصل عدد الموظفين إلى ألفين وخمسمئة شخص.

خسارة في التلفزيونات ونجاح في الثلاجات

في مطلع السبعينيات، قرر التاجر محسن آزمايش، إنتاج جهاز تلفزيون، بعد أن أبرم عقداً مع شركة يابانية، فأنتج نحو 15 نموذجاً من الأجهزة، لكنه خسر في كسب مكانة في سوق التلفزيونات، إذ كان منافسوه قد سبقوه في هذه المهمة. لكنه تدارك الخسارة وسرعان ما توقف خط الإنتاج وعاد إلى ثلاجاته ومكيفاته وبقية أنواع الأثاث.

وضع آزمايِش لكل منتج شعاراً، ومن أهم منتجاته التي لاقت إقبالاً واسعاً، واستطاعت أن تدخل معظم المنازل الإيرانية، كانت الثلاجة، وشعارها في الحملات الإعلانية والترويجية هو: "ثلاجة لكل أسرة إيرانية".

ثم قرر أن يكون مصنعه أول المصانع الإيرانية التي تقدّم "خدمة ما بعد البيع"، فدشّن خدمةً ثابتةً في العاصمة طهران، وخدمةً محمولة لمدن إيران، فقد سابق الزمن وبات رائداً في الصناعة الإيرانية.

مدرسة لتعليم المهن... وزيارة الشاه

حينها، قرر الشاه محمد رضا بهلوي، أن يتفقد مجموعة مصانع "آزمايش" في طهران عام 1973. ثم تفقدت زوجة الشاه الملكة فرح، مدرسة "آزمايش" لتعليم المهن.

وكانت المدرسة من ضمن أفكار محسن لتدريب كوادر مهنية لمصانعه، وتقديم خدمة ما بعد البيع، وسدّ حاجة الأسواق المحلية إلى وجود محال لتصليح الأجهزة الكهربائية وتعديلها.

تمكنت المدرسة من تدريب نحو 330 عاملاً ماهراً سنوياً، كما قام بإرسال بعضهم إلى الدول الأوروبية كي يكسبوا أحدث المهارات الغربية اللازمة لمصانعه.

وقام في عام 1975، بإنشاء مجمع صناعي عملاق في مدينة مَرْودَشت (Marvdasht) جنوب البلاد، لتكون ثالث المدن بعد طهران وساوه، التي تستضيف إنتاج منتجات ماركة "آزمايش". ولم يكن المجمع مشروعاً بسيطاً، بل كان مشروع الحلم بالنسبة للتاجر الإيراني، إذ أراد له أن ينتج مليوناً و400 ألف منتج لكل جهاز من أجهزة المنزل، كي يؤمّن من خلاله السوق المحلي، وأسواق منطقة الشرق الأوسط والبلدان المجاورة، لكنه لم يرَ النور لأسباب تقنية وسياسية.

مصادرة المصانع

بعد مرور 6 سنوات على زيارة الشاه لشركة "آزمايش"، سقطت الأسرة الملكية وانتصرت الثورة الإسلامية مطلع عام 1979، فوقع رأس مال محسن الذي تحول إلى واحد من أهم التجار المقربين إلى الشاه، والذي نال الكثير من المنح الحكومية والامتيازات والقروض البنكية بعد أن أثبت جدارته في التصنيع، في يد الثوار.

تمت مصادرة مصانع الشركة في المدن الثلاث، وبما أنه رجل أمّي، كان قد وضع كل البيض في سلة واحدة، ذهبت أمواله جميعها مرةً ثانيةً، بعد الحريق الذي شبّ في مصنعه قبل عقدين من الزمن، ليعود به الزمن إلى ما كان عليه قبله.

"اليوم تحلّ الذكرى السنوية الـ44 لمصادرة المصانع وثروات رجال الأعمال الكبار في البلد. يمكن القول بجرأة إن هذا القانون قد سدد ضربةً قاسيةً قلّ نظيرها في حق القطاع الخاص. إن محرقة الصناعات الإيرانية لن تُنسى أبداً"، هكذا عبّر رجل الأعمال والناشط المدني، بِدارم سلطاني، في الأول من تموز/يوليو الجاري.

ذهب "التاجر الوحيد" كما لقّبه البعض، إلى الرباط عام 1992، ليلتحق بابنه هناك كي يحصل على رعاية صحية من قِبله، لكنه بعد أشهُر توفي ودُفن في العاصمة المغربية، من دون تكريم على ما قدّمه لوطنه

ترك محسن وطنه وأحلامه ورحل إلى سويسرا خالي الوفاض، حيث أسرته التي تعيش هناك لاستكمال دراسة ابنه البكر في الجامعة.

ومع تدهور أوضاعه المالية والنفسية والعائلية، تدهورت أوضاع مصانعه داخل إيران، لكن لم تكن في اليد حيلة. ازدادت ضغوطه النفسية وازداد معها عنفه وغضبه تجاه أقربائه، فتطلقت زوجته الثانية وتركته وحيداً، بينما لم تترك زوجته الأولى إيران بعد الثورة، وكان وقتها قد ذهب ابنه البكر إلى المغرب ليعمل في الرباط بعد تخرّجه من الجامعة السويسرية.

ذهب "التاجر الوحيد" كما لقّبه البعض، إلى الرباط عام 1992، ليلتحق بابنه هناك كي يحصل على رعاية صحية من قِبله، لكنه بعد أشهر توفي ودُفن في العاصمة المغربية، من دون تكريم على ما قدّمه لوطنه.

واستمرت الشركة في إنتاجاتها بوتيرة ضئيلة حتى جاء عام 2005، حين قرر نظام الجمهورية الإسلامية بيع الشركات الحكومية التي تمت مصادرتها إلى القطاع الخاص، ونال المقربون من النظام الكثير من الامتيازات، وتم بيع ثمرة مجهود أربعة عقود من عمر محسن آزمايش، إلى قائد قوات الحرس الثوري السابق، محسن رضائي، وبعد سنوات أغلقت المصانع أبوابها، وتحولت إلى مخازن للبصل والثوم والتبن. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard