شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
كيف يطبخ الأردنيون المنسف في الغربة؟... رحلة البحث عن البدائل

كيف يطبخ الأردنيون المنسف في الغربة؟... رحلة البحث عن البدائل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

في الفرح وفي الترح، في عيد الفصح وعيد الأضحى، وفي مواسم الانتخابات البرلمانية والبلدية، وفي كل لقاء عشائري، وعند استقبال الضيوف وفي كل جمعة يقدّم المنسف في الأردن.

فهو الطبق المتفق عليه والذي يصلح لكل زمان وظرف ومكان، يمكن اعتبار المنسف وسيلة تعبير أردنية، أو جملة توضع في مكانها الصحيح دون اجتهاد، إنه طريقة حياة بسيطة ومعقدة في آن واحد، إذ لا يجوز التغيير في أصول طهوه وتقديمه، ولا يمكن إحداث تغييرات لمكانته في الهوية الوطنية الأردنية، ولا يمكن لطبق آخر أن ينافسه في المكانة وفي القدرة على تجميع الناس.
المنسف وجبة طعام رئيسية في بادية الشام الواقعة بين الأردن وسوريا، وقد انتقل إلى بعض الدول المجاورة مع تغييرات في طريقة الإعداد -والمكانة- بالطبع، لكنه ظل أردني الهوية والفكرة، وفيه ثبات للطعم قل نظيره، وهذا يعود لالتزام الجميع بمكونات المنسف الرئيسية من لحم الخراف، واللبن المجفف (الجميد) أو اللبن المخيض، والسمن البلدي، و"حواجة" المنسف، والأرز القصير الحبة، وخبز الشراك الأصلي والصنوبر أو اللوز المحمص، وكل ما يزيد عن هذه المكونات هو بدعة، لكن كل ما يقل عنها هو نقصان في الطعم وتقزيم لمعنى هذا الطبق، لكن ماذا يفعل الأردنيون في الغربة إذا أصابهم الحنين؟ 

"أغش... نعم أغش" 

تقول غصون رحال، وهي أردنية مقيمة في بريطانيا، لرصيف22: "منسف الغربة علامة  فارقة،  إن لم يجده الأردني في غربته سيخترعه، لكن الاختراعات مهما كانت متقنة، فهي تخلو من رائحة ونكهة الوطن، وضحكات العائلة والأصحاب. اختراعات تشبه التيمّم حين ينقطع الماء. فالمنسف  أكبر من  وجبة، إنه الحضن الكبير الذي يسع الجميع،  والابتسامة التي ترتسم على وجوه  الملتفين حول "السدر" كتفاً بكتف،  ورقصات الأصابع وهي تتلقف كرات الأرز واللحم نحو الأفواه بدقة متناهية".  
المنسف هو الطبق المتفق عليه، يمكن اعتباره وسيلة تعبير أردنية، أو جملة توضع في مكانها الصحيح دون اجتهاد، إذ لا يمكن لطبق آخر أن ينافسه في المكانة وفي القدرة على تجميع الناس 

وتضيف: "ومثل غيري من المغتربين توصلت إلى اختراعي الخاص لطبخ المنسف كلما عنّت على بالي دعوة الأردن إلى بيتي، ألجأ إلى طبخ المنسف بما توفر من مكونات، فالجود من الموجود، لذا استعمل لبناً تركياً أو يونانياً كوني لا أحضر  معي جميداً من الأردن بسبب عدم السماح بحمل الطعام في حقائب السفر إلى بريطانيا، وأضيف إلى اللبن ملعقة من النشاء من باب الاحتياط لضمان  تماسكه، ثم أضربه بالخلاط ثم أغليه على النار مع التحريك، وأسلق قطع اللحم مع  البصل والبهارات وورق الغار وحبات الهيل، ومن باب التحايل لإيجاد مذاق الدسم الذي يفتقده لحم الخراف البريطاني عديم الليّة أغشّه بربع ملعقة صغيرة من (بهارات السمن) وأستعيض عن خبز الشراك بخبز التورتيلا الرقيق، واستعمل الأرز المصري المتوفر في المحال الباكستانية أو التركية. وعند التقديم أزين السدر باللوز المحمص، والبقدونس، فيبدو وكأنه منسف أصلي ولا أحد غيري يعلم أنه من بره الله هالله، ومن جوّا يعلم الله". 

الحنين إلى الجميد الكركي 

يبدو الأمر ساذجاً إذا تحدثنا عن نوع طعام يبعث في نفوس من يأكله الفرحة أو الحزن والإحباط، لكن الأردني الذي يعرف طعم المنسف الأصلي يمكنه أن يبذل كل ما في وسعه كيلا يقع في فخ الطعم المغشوش، خاصة أن المنسف غير الأصلي لا يُنتقد نقداً بناءً، بل يتم الاستهزاء به والتنكيل بمن طبخه أو طبخته". 
غصون: "من باب التحايل لإيجاد مذاق الدسم الذي يفتقده لحم الخراف البريطاني عديم الليّة أغشّه بربع ملعقة صغيرة من بهارات السمن

مؤخراً وصلت غالبية البضائع العربية إلى أسواق أوروبا، وصار سهلاً أن يجد المغترب لبنة وزيتاً زيتوناً وزعتراً وخبزاً عربياً "شراك" ومخللات، لكن هل سيجد راس جميد كركي؟
رجائي بركات (68 عاماً)، مقيم في بلجيكا منذ 40 عاماً وهو أحد الأعضاء المؤسسين للجالية الأردنية في بلجيكا/بروكسل، يقول لرصيف22: "تجتمع الجالية الأردنية في مقرها كل يوم أحد، وهو يوم العطلة الرسمية هنا، نقوم في غالبية الأيام بإعداد المنسف، فالأردني حين يغادر وطنه للدراسة أو العمل، يحمل معه منتجاً أردنياً اشتهرت به مدينة الكرك ألا وهو الجميد الذي وصلت شهرته إلى العالم، فأين تجد جالية أردنية تجد جميداً أصلياً لتحضير منسف أصلي بلحم الضأن والأرز والسمن والجميد، وها نحن نحضّره في اللقاءات الجماعية وفي الأفراح والأحزان، ليس هذا فحسب بل أن المنسف وصل إلى غابات بلجيكا وأوروبا، فنحن نحضّره في الشطحات وحفلات التنزّه في الطبيعة". 
بعد أن انتقل المنسف من "الشق" أي الخيمة البدوية، إلى غابات أوروبا يمكننا تفهّم حاجة المغترب إلى علبة سمن بلدي ورأس جميد كركي، يضيف رجائي: "اعتاد موظفو الجمارك في الأردن على وجود مكونات المنسف الأردني في حقائب المغادرين. مرة كنت أغادر البلاد، قال لي موظف الجمارك ضاحكاً: شو حامل معك قنابل كركية؟".

البحث عن البدائل 

وصلنا لحقيقة أن المنسف هو طريقة الأردني في علاج الحنين، وطريقته في التودد للآخر، يقول الدكتور  زياد أبو الهيجا، وهو إعلامي مقيم في رومانيا، لرصيف22: "لم تخل حقيبة أي قادم من الأردن إلى رومانيا من الجميد ومختلف أنواع البهارات ، إما للاستخدام الشخصي او كهدايا للأًصدقاء والأحباب، وحين كان ينفد الجميد، كنا نتبادل الخبرات حول البدائل المتاحة كاللبن الرائب أو الشنينة وهي اللبن الحامض المنزعة زبدته، لكن الطعم يظل فقيراً من دون" الشكوة"، وأثناء رحلة التجريب لصناعة منسف أردني استخدمنا نوعاً من الجبن الأبيض وكان الأقرب لطعم الجميد البلدي.
رجائي: "اعتاد موظفو الجمارك في الأردن على وجود مكونات المنسف الأردني في حقائب المغادرين. مرة كنت أغادر البلاد، قال لي موظف الجمارك ضاحكاً: شو حامل معك قنابل كركية للإشارة إلى الجميد"  

حدث هذا في زمن الاشتراكية وقلة الغنائم القادمة من الوطن، أما اليوم فللعرب متاجر ومطاعم خاصة بهم نجد فيها الجميد وغيره من مكونات المنسف بكل سهولة".
لم يكن حظي في الغربة بعيداً عن الأردن، فأنا أعيش اليوم غرب نهرها، وأحصل في المتاجر على غالبية المنتجات التي تمكنني من تحضير المنسف، لكن المرة الأولى التي بحثت فيها عن جميد وجدت الباعة يطلقون عليه اسم (كشك) وحين طلبت من البائع علبة شنينة، عرف أنني أردنية لكنه أعطاني شنينة كاذبة لا يمكن إضافتها للمنسف، وبعد بحث وجهد في النبش عن الشراك وجدت أفضل صانع شراك وصار بإمكاني تحضير وجبة منسف أردنية حقيقية خالية من الاجتهاد والبدائل، وتصلح في الحرب وفي السلم.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard