شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
وصفة الشاكرية الأقدم والأشهى... وأصل طبيخ اللحم باللبن في بلاد الشام

وصفة الشاكرية الأقدم والأشهى... وأصل طبيخ اللحم باللبن في بلاد الشام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الخميس 8 ديسمبر 202201:30 م


 من حول الحليب إلى لبن؟ من قام بهذا البوح؟

كان ذلك في الألف الخامس قبل الميلاد، فعلوها بأن وضعوا الحليب في معدة خاروف مفرّغة، وربطوها إلى خصورهم، وسعوا بها جيئة وذهاباً، لتساعد حرارة أجسادهم (37) البكتيريا النافعة الموجودة في المعدة بتحويل الحليب إلى لبن. هكذا قال طاماس الكنعاني وكاماس النهري في كتاب "الفلاحة النبطية".

شكراً لمن اخترع الـ"عك" وجاء باللبن

كانت هذه العملية تسمى العك أو العكة، وأحياناً يطلق عليها اسم الشكوى، أما الأداة فهي المعدة المفرغة التي يُخض فيها الحليب لتخرج عناصره.

هكذا خرج اللبن إلى الحياة، وكلمة "لبنو" باللغة الأكادية تعني الحياة البيضاء، تسمية تعبر عن قيمة اللبن في حياة البشر في تلك الأيام، وعن وقعه الجميل في نفوسهم، فإذا اعتبرنا أن الشعوب مسؤولة عن تسمية إبداعاتها ومنتجاتها بما يليق، فإننا نستنتج من التسمية مدى سعادة أجدادنا في تلك الأيام بما صنعت أيديهم وأبدع تفكيرهم.

الإبداعات المطبخية في بلاد الشام تكونت منذ القدم من المكونات التي توفرت من تربية المواشي والزراعة، لذا نجد القمح واللبن في أقدم الوصفات وأشهاها

للبن استخدامات كثيرة اليوم في مطبخ منطقتنا، تعود إلى زمن ترافق وجوده فيه مع وجود عناصر أخرى وأهمها القمح وما اشتق منه.

وجود هذه المكونات الأساسية التي توفرت من الزراعة، ومن تربية المواشي، ساعد عقول من سكنوا هذه المنطقة لاستنباط وتأليف وحياكة لوحات مطبخية ساهمت -كرد فعل حضاري للاستقرار- بدق المداميك الأولى في بناء مطبخي جميل ترافق فيما ترافق مع رقي اجتماعي عام، شمل الأزياء والحلي والموسيقى والتفنن بما يليق بثقافة الاستقرار.

العكيكة... جدة الشاكرية

من هنا نتعرف على طبخة العكيكة، وهي طبخ اللحم باللبن، وبشكل أدق هي طبخ اللحم بمخيض اللبن وهو آخر ماء يخرج من اللبن، إذ كان يسلق به اللحم وينام على حموضته، لذلك أيضاً سموه الكثي أو الهكط، أو وكما تقال بالعامية أبو شحادة.

لماذا أبو شحادة؟ لأنه آخر مخيض اللبن وأطيبه، ولأن البشر قديماً من سكان المنطقة لم يكونوا ليهدروا شيئاً من منتجاتهم أو طعامهم، ولن تجد حتى اليوم جدة من جداتنا تقبل بإلقاء الطعام.

كل فكرة هدر الطعام هي فكرة جديدة على البشرية ظهرت بعد الثورة الصناعية وتأسس اقتصاد ضخم يقوم على الصناعات الغذائية الكبرى، التي حولت الطعام إلى سلعة بدلاً من منتج وجعلت الوصول إليه أسهل بكثير من صناعته، والمقصود بصناعته صيده، زراعته، طبخه أو تخزينه.

لم ترض جداتنا أيضاً وهن يهززن الـ"عكة" وكأنهن يهدهدن لأطفالهن وقت النوم، بأن يستغنين عن أي مفرز أو ناتج من هذا اللبن، فظهرت في عالمنا أشهى المذاقات، كالزبدة، والقريشة، والشنكليش، وطبعاً الكثي، وكلها مواد استخدمت منذ تلك الأيام وسيكون لها حصتها واحترامها لاحقاً. 

لم تقبل جداتنا وهن يهززن الـ"عكة" كمن يهدهدن أطفالهن وقت النوم، بأن يستغنين عن أي مفرز أو ناتج من اللبن، فظهرت في عالمنا أشهى المذاقات، كالزبدة، والقريشة، والشنكليش، وطبعاً الكثي

أما عن وصفة العكيكة، فقد كانت الجدات يكثفن اللبن بنشاء القمح الخشن ويدسمنه بلحم الخروف وتحديداً السرسبة أو الرقبة، فيسلقن هذه الجميلة حد الاستواء، ثم يضعنها في الكثي حتى ينام ملئ جفنيه، ويشرب ماء شفتيه، حب لا ينتهي بين اللحم واللبن وعرابه البرغل.

العكيكة هي جدة الشاكرية، ولا علاقة لشاكر ولا لأمه بالشاكرية، ولا لمحاولاته لخطب ود محبوبته كما يشاع. فلقد أتت التسمية من كلمة "شكرو" بالآرامية أي الحمد والامتنان، كون هذه الوليمة إن صح التعبير هي سيدة الطبخ باللبن.

وصفة العكيكة: كانت الجدات يكثفن اللبن بنشاء القمح الخشن ويدسمنه بلحم الخروف وتحديداً السرسبة أو الرقبة، فيسلقن هذه الجميلة حد الاستواء، ثم يضعنها في الكثي، هو حب لا ينتهي بين اللحم واللبن وعرابه البرغل

لكن لا نقول أبداً بأن الشاكرية أو جدتها العكيكة وحيدة في عالم طبيخ اللبن، ولا نقول أن العقل في تلك الأيام لم يبتكر استخدامات أخرى لمنتجه النبيل، فقد تناوله القدماء سائلاً كمشروب منعش، مكتشفين لاحقاً أن لهذا المستحضر فوائداً ومنافعاً انعكست بالتجربة على حياتهم اليومية وأدائهم وصحة أجسادهم، فهو مغذ تارة ومعالج تارة أخرى. كما تناولوه مع زيت الزيتون كنوع من أنواع المقبلات وكفاتح للشهية، وأحياناً نثروه فوق ما يسمى اليوم بالمنسف (بعض أنواع المناسف).

الوصفة الأصلية، من غير حمية 

لنتعرف على شاكريتنا كمقادير وطريقة صنع، متذكرين من خلالها ما أبدعته عقول وحضارة من سكنوا بلادنا، متمنين أن نكون ورثة نبيلين غير عاقّين للمذاقات الشهية التي أورثونا إياها.

المقادير:

• 1000 غرام لبن ويفضل أن يكون لبن غنم.

• بيضة أو 50 غرام نشاء الذرة.

• 500 غرام من لحم الخاروف (يفضل رقبة أو موزات).

• 100 غرام ألية خاروف مطحونة.

• 200 غرام بصل جوانح.

• ملح.

• فلفل أسود.

• رشة نعنع يابس في بعض المناطق وفي دمشق الطرخون الأخضر.

• باقة عطرية لسلق اللحم (ورق الغار، الهيل، الفلفل الأسود، بصلة كاملة ويمكن وضع جزر وضلوع البقدونس).

الطريقة:

• نضع اللحم في الماء حتى يبدأ بالغليان، نزيل كل الرغوة (الزفرة) التي ستظهر على وجه الماء، بعدها نضع الباقة العطرية مع القليل من الملح، ونترك اللحم على نار هادئة حتى يتم الاستواء الكامل.

• نخفق اللبن أولاً ليصبح متجانساً، ثم نضيف البيضة أو النشاء على اللبن البارد، ونخفقها جيداً مرة أخرى، حتى يصبح لدينا مزيج متماسك تماماً.

• على نار هادئة نضع اللبن، ونحرك باستمرار وباتجاه واحد فقط من بدء العملية حتى نهايتها ليبقى اللبن متماسكاً.

• عندما يبدأ بالغليان، نسكب عليه قليلاً من ماء سلق اللحم الحار، ونتركه ليغلي على نار هادئة.

• في مقلاة نضع اللية حتى تذوب، ثم نضع عليها البصل مع رشة ملح، ونحرك جيداً حتى يصبح شفافاً، ثم نضيف لها اللحم بعد أن نصفيه من المرق، مع رشة فلفل أسود، نخلطهم جيداً ونتركها لتأخد لوناً ذهبياً.

• نسكب البصل واللحم على اللبن ونترك الخليط ليغلي قليلاً.

تُقدم بعد أن نرشها بالنعنع اليابس أو الطرخون الأخضر، إلى جانب الأرز. وفي بعض المناطق تضاف لها القليّة أو الطشّة وفق طريقتها المتوارثة، وهي عبارة عن سمن محمى جيداً موضوع عليه النعنع اليابس، يسكب بعدها فوق إناء الشاكرية فور التقديم.

في أبجدية الطهي وضعنا أحرفنا الأولى، أعتقد جازماً أنها أبجدية الحب. قد يعبر الطهي عما في داخلنا كما يعبر الشعر أو الموسيقى، ولست نادماً يوماً انني رقصت مع الطاجن.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard