شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الحنين إلى الخرطوم الجاثمة تحت وطأة أحذية العسكر

الحنين إلى الخرطوم الجاثمة تحت وطأة أحذية العسكر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الجمعة 19 مايو 202301:54 م
Read in English:

Khartoum.. The city I fled, the city I love

"اشهق بحزنك واستقم/ وارحل شمالاً/ لا كرامة للنبي بداره".

سعد الياسري

لم أعتقد يوماً بأنّي سأحنّ إلى الخرطوم، وأنا من ظلَّ يشكو مراراً وتكراراً من انحباسي بين نيلَيها من دون فكاك، جراء إحاطتها بسور عالٍ، تراص بنيانه بإحكامٍ بفرية أنّ الصحافة والسياسة "صنائع مركزية"، فيما الأقاليم متلقٍ فقط من دون قدرة على إحداث تأثير.

وبالرغم من خروجي عشرات المرات من العاصمة نواحي الأقاليم لأسباب مهنية وأخرى اجتماعية، خرجت قبل أسابيع لأول مرة نازحاً يهرب بأسرته مع حقائب ومستلزمات شخصية صغيرة الحجم، تاركاً منزله وسيارةً عتيقةً خاليةً من الوقود، ومستلزمات منزليةً ضئيلةً، نهباً للحروب العبثية وآلاف المجرمين الفارين من السجون.

ولم تفلح أيّ من محاولاتي الحثيثة لإقناع أفراد أسرتي الصغيرة بالمغادرة وتركي وراءهم، مواصلاً مهنة البحث عن المتاعب، ومهمة حراسة المنزل؛ وكان كل حوار بيننا ينتهي بعبارة شبيهة بعبارات القادة العسكريين في أفلام هوليود العسكرية: "سنخرج جميعنا، ولن نترك أحداً وراءنا".

ومع اقتراب دوي الرصاص والمدافع من مقرّ سكننا الواقع على مقربة من جسر الحلفايا، الرابط بين الخرطوم وأم درمان، بحسبانه هدفاً للطرفين المتقاتلين، كان القرار النهائي "لنغادر جميعنا"، برغم يقيننا بأن الطريق ذاته محفوف بالمخاطر لكوننا سنضطر إلى عبور الخرطوم الملتهبة من أقصى شمالها إلى جنوبها، قبل أن تلوح لنا ولاية الجزيرة جنوب العاصمة.

لم أعتقد يوماً بأنّي سأحنّ إلى الخرطوم، وأنا من ظلَّ يشكو مراراً وتكراراً من انحباسي بين نيلَيها من دون فكاك، جراء إحاطتها بسور عالٍ، تراص بنيانه بإحكامٍ

الرحلة

وزّعنا بعض الأغذية المعلبة والخضروات المتبقية في المنزل على عدد قليل من الجيران الذين تمسّكوا بالبقاء -حتى خروجنا- في ظل تناقص كبير في مخزون الأطعمة، وانقطاع مياه الشرب، مع توصيتنا من آثر البقاء بمعاينة منزلنا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي الأثناء كانت زوجتي تتلو بعض آيات القرآن على أركان المنزل على أمل أن نجده قائماً بمحتوياته، حين العودة التي نأمل أن تكون قريبةً.

وبعد عبارات الوداع، توجهنا على الأقدام نواحي منطقة الجسر التي تحولت يومذاك إلى محطة رئيسة لنقل الأهالي خارج العاصمة، على خلاف ما عرفناه عنها بأنها محل لنقل الركاب بين مدن العاصمة المثلثة؛ بحري، أم درمان، والخرطوم.

وبعد تكاتف وتكالب كبيرين، مع مئات الساعين إلى الفرار، تمكنّا من حجز ثلاثة مقاعد على متن حافلة نقل ركاب تقصد حاضرة ولاية الجزيرة مدني.

كانت معضلتنا الرئيسة وقتذاك متمثلةً في توفير مبلغ الرحلة، في ظل توقف التطبيقات المصرفية البنكية، ما يعني استحالة الوصول إلى مدّخرات بسيطة هي ما تبقّى من راتب شهر آذار/ مارس، الذي توزعت وريقاته بين رمضان وعيد الفطر على حدٍ سواء.

وبعد نقاش طويل، اضطرت زوجتي إلى بيع خاتم زواجنا، بعد رفضها فكرة بيع جوّالي الشخصي أو حاسوبي النقّال، اللذين هما وسيلة عملي واتصالي بالخارج.

بلغ سعر التذكرة إلى مدني، حاضرة ولاية الجزيرة المجاورة، 30 ألف جنيه، في رحلة كان ثمنها حتى 14 نيسان/ أبريل الماضي، بين 3 و4 آلاف جنيه فقط، والمبرر الذي ساقه أصحاب المركبات للزيادة هو شح الوقود والطريق غير المأمون، ولكن كل ركاب الحافلة عرفوا في قرارة أنفسهم بأنها "تجارة الأزمات".

وكان الدولار قد أغلق عند حاجز الـ600 جنيه مقابل العملة الوطنية في تداولات المصارف الرسمية يوم الخميس 13 نيسان/ أبريل الماضي، وقبل اندلاع الحرب بـ48 ساعةً.

شقّت الحافلة التي تقلّنا مع عشرات المركبات العامة والخاصة طرقاً إسفلتيةً جانبيةً داخل مدينة بحري، تناثرت على جنباتها السيارات المحترقة، والجثث المنتفخة، وبعض عسكر حميدتي الجائلين على أرجلهم أو على متن عربات الدفع الرباعي.

خلال عبورنا، لاحظنا خلو شوارع الحلفايا، وشمبات من الحركة، باستثناء بعض المارة البادية ملامح الرعب في وجوههم أو المنشغلين والمشتغلين بتوفير المياه لأسرهم جراء الأضرار التي أصابت شبكات المياه والكهرباء، ويختلف المنظر قليلاً عند عدد قليل من المخابز العاملة التي تشهد تكدساً واضحاً.

الصورة التي بدت لي أكثر قتامةً من الحرب، جاءت حين عبورنا المنطقة الصناعية التي تضمّ كبريات المصانع المحلية، وبعضاً من فروع المصارف التجارية، إذ انتشرت عمليات النهب والتخريب واسعة النطاق.

ومع انتشار الحرائق رصدنا بأمّ أعيننا السيارات والدراجات النارية، وعربات النقل التي تجرّها الدواب، والأشخاص (شباباً، نساءً، وأطفالاً)، وهم يحملون كل شي قابل للسرقة من المقتنيات والأثث وأنابيب غاز الطهي وصولاً إلى البراميل الفارغة وسط انعدام مظاهر الدولة وسط حالة من الجلبة غير المسبوقة.

والأمر المؤكد أن السودان فقد مخزوناً ضخماً من الغذاء والدواء، وخربت أهم مطاحن غلاله، ومصانع منتجاته الغذائية باتت خارج الخدمة، وفي الغالب الأعم سيمسك معظم أصحاب هذه المنشآت عن تشغيلها مجدداً تجنّباً للخسارة، ومغامرات العسكر، والسلوك الإجرامي الفاشي.

وإبان خروجنا، لاحظت تكالب أعداد كبيرة من اللصوص على أحد أبواب فروع البنوك المشادة لخدمة المصانع العاملة في المنطقة، مع اقترابهم من تجاوز بوابته المغلقة باستخدام أدوات تحطيم وقطع بدائية.

وحين عبورنا إلى منطقة شرق النيل، لاحظنا انتشاراً كثيفاً لقوات الدعم السريع في الشوارع الرئيسة، يتحرك وسطهم عدد من المواطنين القاصدين بعض المخابز والمتاجر في اعتيادية مدهشة.

وخلال تلك الرحلة، لم نلحظ أي ملمح للدولة، ولم نرَ العسكر التابعين للجيش. رأينا فقط قوات الدعم السريع، وارتكازاتهم المقامة في الطرق الرئيسة لتفتيش المركبات، في ظل تساهل كبير، مع اكتفائهم بسؤال وحيد للسائقين عن وجهاتهم قبل السماح لهم بالمرور. على الأقل حدث ذلك وقت مرورنا، بالرغم من حكايات الرعب المبثوثة عن سرقة السيارات والهواتف وحتى القتل على الحواجز الأمنية.

وحين تخطّينا سوبا (جنوب شرق العاصمة)، انتهت آخر المظاهر العسكرية التي رصدناها، والمتمثلة في سيارات الدعم السريع المرتكزة عند مدخل جسرها الرئيس على النيل الأزرق، ليغمرنا إحساس شبيه بالفرحة التي اجتاحت بعضاً من أعضاء البعثة الدبلوماسية الأمريكية عقب مغادرتهم المجال الجوي الإيراني، بعد عملية فرار ناجحة إبان أزمة اقتحام سفارة واشنطن في طهران، إبان ثمانينيات القرن الماضي.

جرعة أمل

غادرنا الخرطوم بحثاً عن الأمن، وخرجنا منها بمخاوف جدية بشأن مستقبل وطن يرسم ملامحه العسكر، ويتحرك المجرمون والسماسرة فيه بكل حرية.

ولم يخفف من وطأة الصورة القاتمة المطبوعة في أذهاننا، احتشاد أهالي القرى بين ولايتي الخرطوم والجزيرة لتوزيع الأطعمة والمشروبات على الفارين من الحرب، وتقديم عروض لاستضافتهم في منازلهم خاصةً أولئك الذين لا يملكون مالاً أو أقارب خارج العاصمة.

أزمات الولايات

تعاني الولايات السودانية بما فيها الجزيرة، من هجرات كثيفة من الخرطوم، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الشقق والمنازل فيها، وسط نشاط كثيف للوسطاء (السماسرة) الآملين في تحقيق مكاسب من معاناة النازحين.

السماسرة يظهرون مجدداً في تجارتَي الوقود والسلع حيث يتراصون في صفوف طويلة بمركباتهم أمام المحطات العاملة، لشراء السلعة الإستراتيجية، أي البنزين، بأقل من 3 آلاف جنيه للغالون، وبيعه في السوق السوداء بـ30 ألف جنيه، ما أدى إلى رفع تعرفة النقل الداخلي، والنقل بين الولايات. وفي الأثناء، شهدت كل المنتجات الغذائية قفزةً كبيرةً في الأسواق جرّاء تنامي الطلب وقلة المعروض.

وتمتد المشكلات لتشمل ضعفاً كبيراً في إمدادات الكهرباء، وانقطاعاً شبه دائم في شبكة الإنترنت.

غادرنا الخرطوم بحثاً عن الأمن، وخرجنا منها بمخاوف جدية بشأن مستقبل وطن يرسم ملامحه العسكر، ويتحرك المجرمون والسماسرة فيه بكل حرية.

حب برغم الخراب

سابقاً، كنت أبحث عن الخروج من الخرطوم لاحتشاد الجيوش والحركات المسلحة فيها، وامتلائها بأكبر كتلة بشرية في البلاد بمن فيهم ممتهني السياسة وأعمال النهب واللصوصية وتجار الأزمات؛ ولكني حالياً آمل في العودة إليها لا لشيء إلا لكوني اكتشفت أني أحب هذه المدينة حتى في خرابها الأخير.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard