شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
أواجه الحياة بأنف أصغر وقلب أرشق

أواجه الحياة بأنف أصغر وقلب أرشق

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 19 مايو 202310:58 ص

عشت العقد الأول من عمري في قلق، والثاني بسجن والثالث ضاع في محاولات الهروب، والرابع شهد الغضب وكسر القيود.

بالأمس، وبعد رحلة ساعتين بالسيارة لاستلام بحثين من أستاذي المشرف على رسالتي، وقبل أن أصعد على الدرج، قالت لي ابنتي بأكثر طريقة عشوائية، كما لو أنها تقترح ماذا سنأكل اليوم على العشاء: "أنا سعيدة لأنك تعملين في مهنة تحبينها بعد طفولتك التعيسة".

الحكيمة والفيلسوفة الصغيرة مرة أخرى تعرّيني من القناع الذي أحاول الاختباء خلفه كأم عالمة بكل الأمور وقادرة على المستحيل. سألت نفسي بعدها: هل كانت بالفعل طفولتي تعيسة؟

عندما تعلمت الاستغناء عن الحب

المكان: سيارة لادا خضراء في إحدى شوارع مصر الجديدة

الزمان: إحدى مساءات النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين.

كنت في الثامنة عندما قلت لأمي: "يجب ألا نظهر مشاعرنا للناس حتى لا يستغلوها أو يظنّوا أننا ضعفاء"، لا أعلم من أين أتتني هذه الفكرة التي كانت مبدأ اتبعته فترة طويلة من عمري، ربما حتى ثماني سنوات مضت.

عشت السنوات العشر الأولى من عمري في منزل العائلة الذي يضم خمسة أطفال آخرين من أبناء الخالات،  كنت الأكبر سناً ودودة الكتب، وتعلمت أن الصمت أفضل كثيراً للحماية من السخرية اللاذعة.

كنت شفّافة، لا يراني البالغون إلا عندما أرتكب الأخطاء، لهذا أعامل الأطفال كبالغين، كيلا يشعروا أنهم شفافون مثلما كنت، وأخذت قراري الكبير الأول: لا أحتاج لأن أصبح محبوبة حتى أكون سعيدة

 مع أم غارقة في همومها الثقيلة، وأخت أصغر تنظر للحياة من عدسات وردية، كان عليّ الانكماش داخل نفسي لأجد الهدوء والأمان. العالم بالخارج كان فوضوياً، أيام متشابهة ولكن غير متشابهة، لا يوجد استقرار، أحلام بغد قادم أفضل، بلا حركة حقيقية على أرض الواقع، وعزلة عن الجيل الأصغر من الأطفال اللاهين، وعن الجيل الأكبر الذي تحكم علاقاته ديناميكيات متغيّرة وعداوات قديمة يمكن الشعور بها رغم الابتسامات الزائفة.

كنت شفّافة، لا يراني البالغون إلا عندما أرتكب الأخطاء، لهذا أعامل الأطفال كبالغين، كيلا يشعروا أنهم شفافون مثلما كنت، وأخذت قراري الكبير الأول: لا أحتاج لأن أصبح محبوبة حتى أكون سعيدة، لا أرغب في اهتمامهم، أنا أفضل بدونهم، وبدأت كرة ثلج  من العدائية الباردة تكبر يومياً حولي، اتهموني بالغرور والتعالي وانكمشت بداخلي أكثر وأكثر.

عندما تعلمت إدارة ظهري لآراء الآخرين

المكان: شقة في إحدى مدن السعودية

الزمان: بدايات الألفية

في الثامنة عشر أخبرني أبي: "عيونك أصبحت ميتة، لم أعد أستطيع قراءتك أو فهمك"

في الثامنة عشر أخبرني أبي: "عيونك أصبحت ميتة، لم أعد أستطيع قراءتك أو فهمك". لم يعلم وقتها أني شعرت بخليط من النصر والحزن. أنا من قتلت الحياة في عيني، توقفت بقرار شخصي عن أن أصبح حاضرة في تعبيرات جسدي ووجهي، وضعت بيني وبينهم جداراً واقياً.

السنوات العشر الثانية من عمري عشتها في السعودية، المكان المثالي لأبي ليتحكّم في حياة رعاياه، ليصنع من القواعد الوهابية التي سيطرت على المملكة في هذه الفترة سجناً يخنق به روحي التوّاقة للحرية.

عشت مراهقة مقموعة خلف العباءات السوداء الواسعة، والحديد على النوافذ، والشرفات الممنوع استخدامها حتى لأغراض التشمّس،  والدراسة في المنزل وعدم الاختلاط مع أشخاص من سنّي ولو من نفس الجنس، ومراقبة المحتوى الذي أقرأه أو أشاهده.

سنوات من الأيام المتشابهة، ومكتبة صغيرة أحملها حرفياً على ظهري عند التنقل من مدينة إلى أخرى، لأن حقائب العائلة ممتلئة وهناك حدود عليا للوزن المسموح لكل فرد. توسلت لهم بترك ملابسي خلفي، لم أكن أهتمّ بها، ولكن لا أستطيع الاستغناء عن كتبي، تلك كانت مجرّد صيحة في الفراغ،  فكان علي وضع كتبي في حقيبة سوداء كبيرة، أملأها حتى يصعب إغلاقها وأضعها فوق ساقي في الطائرة أو السيارة.

حقيبتي السوداء العملاقة كانت رمزاً لكل أمل أحمله في حياتي، نافذة على واقع مختلف، على مستقبل قد أتحكّم في مساره. حلمت مع كل صفحة أن أصبح كاتبة مثل هؤلاء الأشخاص الذي أقرأ لهم، أخبرتهم أني أرغب بترجمة كتاب من الإنجليزية للعربية، فسخر أبي لأن ذلك مجهود كبير مستحيل أن أقوم به، كتبت عشرات الصفحات من النصوص الركيكة، وأنا أحلم بشكل مهووس بغد أحقق فيه أحلامي، وأقطع من الصحف الإعلانات الخاصة بأكاديمية لدراسة الصحافة كانت شهيرة وقتها، وأضعها على جدران غرفتي.

في الوقت نفسه، كان أبي يعد لي مستقبلاً آخر، لم يناقشه معي لأنه لم يكن بحاجة لذلك،  كنت وأختي مرآه لأحلامه عن نفسه، أدوات لإبراز نجاحه، وجاءت الطامة الكبرى عندما لم أحصل على درجة كبيرة في الثانوية العامة لتحقيق هذه الأحلام التي حتى اليوم لا أعرف تفاصيلها.

السنوات العشر الثانية من عمري عشتها في السعودية، المكان المثالي لأبي ليتحكّم في حياة رعاياه، ليصنع من القواعد الوهابية التي سيطرت على المملكة في هذه الفترة سجناً يخنق به روحي التوّاقة للحرية

 لم أفهم لماذا كل هذا الحزن على شيء غير واضح المعالم، بدت نسبة النجاح في الثانوية العامة كما لو أنها هدفاً بحد ذاته وليست وسيلة أو خطوة لمستقبل حقيقي، بالنسبة له كنت المخرّبة التي حطمت أحلامه، وبالنسبة لي كانت تلك النقطة التي قرّرت بها أني لست مسؤولة عن أحلام أي أحد، ولن أبالي أبداً برأي أي شخص بي، وهو القرار الملتزمة به حتى اليوم.

عندما قلت "لا" بصوت كالرعد

المكان: طاولة الطعام في شقتي بعد الزواج

الزمان: 2014

عندما كان عمري ثمانية وعشرين عاماً و11 شهر ويومين، جلست على مائدة الطعام،  فتحت ملف وورد وكتبت فيه نصّاً بعنوان "عزيزتي الزوجة"، أندّد فيه بكل تفاصيل الحياة الزوجية المثالية كما يراها المجتمع، رفعت راية العصيان على كل قواعد "الزوجة المثالية" التي تم برمجتي عليها منذ الطفولة، وعبر حوالي الـ 600 كلمة، أخرجت غضبي من كل شيء، بداية من زوجي وابنتي وحتى السماء.

في الحادية والثلاثين قلت "لا "أخرى كبيرة، قمت بخلع الحجاب الذي ارتديته بلا تفكير حقيقي منذ اثنتي عشرة سنة تقريباً

في الثامنة والعشرين كنت قد تخرّجت من كلية لا أتذكر اليوم أسماء المواد التي درستها فيها، تركت عملي المكتبي شديد الملل هرباً إلى الزواج الذي ظننت أنه المراد، زوج محب، وابنة جميلة ولكني كنت مثالاً ممتازاً على ما أسمته طيّبة الذكر، النسوية بيتي فريدان، في كتابها "اللغز الأنثوي"، والذي لخّصت فيه أزمة النساء غير العاملات، الضائعات في الروتين اليومي للعناية بأسرهن وحسرتهن على أحلام لن تتحقق في هذه الحياة.

لم أعد أحتمل، فبدأت في هذه اللحظة بالضبط حياة جديدة، أنهيت النصّ الخاص بي، وأرسلته لمحرّرة لأحد الصحف الورقية، أعجبها وقرّرت نشره على الموقع الإلكتروني للجريدة، وطلبت مني صورة شخصية. لم أصدق أن الأمر بهذه السهولة، قمت بوضع رابط المقال على حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي، فظنّ أهلي أن هذا مجرّد تشابه أسماء، لا يمكن أن تكون هذه "علياء" التي تخصّنا.

كانت هذه أول "لا" أقولها في نهاية العشرينيات وقبل بداية الثلاثينيات، خلال العامين التاليين، تنقلت من موقع إلكتروني إلى آخر، كتبت في كل المجالات التي أحبها، بدأت بشكل تطوّعي ثم تحول التطوع إلى عمل ومسيرة مهنية، وعندما يخبرني أحدهم ماذا تعملين أقول له بصوت عال: "كاتبة".

عندما أصبح أنفي أصغر بمعجزة غير مفهومة

المكان: غرفة أحد الفنادق تطل على البحر الأحمر

الزمان: 2023

وأنا في الثامنة والثلاثين، وقفت أمام المرآه أنظر إلى نفسي مستغربة، ألتفتّ لزوجي وقلت له: "أشعر أن أنفي أصغر". يضحك ويخبرني إنه بذات الشكل منذ عرفني من 17 عاماً، أرجع مرة أخرى للمرآة. لا ليس هذه أنفي، لو كان هذا شكل أنفي فلماذا كنت أخجل منه طوال حياتي واعتبره أحد عيوب وجهي التي لا يمكن مداراتها، بل فكّرت يوماً ما بإجراء عملية جراحية لتصغيره.

أقف الآن وأنا على أعتاب الأربعين وأتخيّل العقد القادم: عشت العقد الأول من عمري في "قلق"، والثاني بـ"سجن" والثالث "الهروب"، والرابع "الغضب"، فهل يكون عنوان العقد الخامس "السلام"؟

عدت إلى صوري القديمة، نعم نفس الأنف الموجودة الآن هي الموجودة بالماضي، ما تغير ليس أنفي، بل عيوني التي أصبحت لا ترى عيوبي بمنظار مكبر.

في الحادية والثلاثين قلت "لا "أخرى كبيرة، قمت بخلع الحجاب الذي ارتديته بلا تفكير حقيقي منذ اثنتي عشرة سنة تقريباً، أخذت القرار ونفّذته خلال أسبوع، بعدها بشهر بدأت حمية غذائية، وفقدت 25 كيلوجراماً من الوزن الزائد، قبل نهاية هذا العام كنت شخصاً آخر، أشبه نفسي كما تخيّلتها دوماً، كسرت آخر حاجز بيني وبين الصورة التي يجب أن يراني بها الجميع، لم أعد غير صورتي الأصلية.

هل كان ذلك سهلاً؟ بالتأكيد لا، هذه الصورة لم ترضِ أغلب الناس، الذين ارتاحوا لوضعي في قالب المرأة الثلاثينية الممتلئة والمحجبة، قد لا يتخيل أحد أن فقدان الوزن الزائد جعل علاقتي بالآخرين تضطرب ربما أكثر من خلع الحجاب، لم أعد الذكية غير الجميلة التي اعتادوا التعامل معها، ارتبكوا وشعروا بالذعر في البداية ولوقت طويل، وذلك أغضبني بشدة.

خلال السنوات التالية أخذت الكثير من القرارات الصحيحة والخاطئة، درست ما تمنيت دراسته منذ الطفولة، عملت بالمهنة التي أحبها، ووضعت نفسي تحت ضغط عصبي وبدني غير طبيعي، فقدت عضواً من جسدي نتيجة لهذا الضغط، وهدّدني طبيب بموت مبكر إذا استمريت على ذات النمط من الحياة، فتركت عملاً مسيئاً، وبدأت في رحلة لاستكشاف نفسي والبحث عن الهدوء.

اليوم وأنا في الثامنة والثلاثين لم يصغر فقط أنفي بمعجزة، بل صغر شيء آخر أهم: "غضبي"، أبحث عنه في داخلي لا أجده، سامحت من يمكن أن أسامحهم، وأخرجت آخرين من حياتي متمنية لهم كل خير ولكن في فضاءات أخرى بعيدة عني.

أقف الآن وأنا على أعتاب الأربعين وأتخيّل العقد القادم: عشت العقد الأول من عمري في "قلق"، والثاني بـ"سجن" والثالث "الهروب"، والرابع "الغضب"، فهل يكون عنوان العقد الخامس "السلام"؟

ملاحظة: منذ عامين وخلال تخفّي الجميع خلف الكمامات خوفاً من فيروس غير مرئي يدعى كوفيد، أخبرتني صديقتي: "عيونك تضحك، تظهر ابتسامتك حتى لو وجهك مخفي". أطمئنكم، عادت عيوني تضحك ولكن للأشخاص الذين يستحقون فقط.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard