بينما كان أبي يتوعّدني بالقتل والتعذيب، قالت لي مديرة مؤسسة حماية المرأة: أبوك يحبك

الاثنين 12 سبتمبر 202209:38 ص

ربما يكشف تساؤل إحدى الصديقات عن حقوق المرأة الكثير من التشتت والتناقضات في أذهان نساء قطاع غزة وبناته، حين سألت: هل يمكن أن أكون مسلمة وأطالب بحقوق المرأة في آنٍ واحد؟

استوقفني السؤال مع أنه قد يبدو مضحكاً عندما نفكر فيه من جانب الرغبة العامة للمجتمعات الدينية في إقحام الدين في كل شيء، وعدم القدرة على الحركة بدون مشورة الدين، أو فتوى الشيخ، أي عدم القدرة على إيجاد إطار أخلاقي حر ينظم الحياة، ووضع الدين موضع المعرقل لممارسة الحياة المدنية الطبيعية، بينما الأصل في الدين "إنعاش الروح"، وليس التقييد والإخضاع اللذين يتم استغلالهما من قبل الأنظمة الدينية الظلامية.

أما عن التساؤل حول العلاقة بين النسوية والدين والمجتمع، فهو ليس بحاجة إلى إجابة بقدر ما يحتاج إلى وقفة طويلة مع الذات، لأنه ناجم عن سؤال قائم بشكل يومي في أذهان النساء المسلمات عامةً، هل النسوية تشترط انتزاعي من ديانتي وأعرافي، ومجتمعي وعائلتي، لتحقّق لي حريتي كإنسانة؟

وبناءً على المتابعة لعمل مؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة، ومقابلة بعض القائمات على العمل في تلك المؤسسات، يتضح أن هذه المؤسسات الموزعة بين حكومية وخاصة تعمل على استحياء واضح، ودون أدنى مقدرة على تجاوز قيود المجتمع وأعرافه ومعتقداته الدينية، وأنظمته العشائرية والعائلية، أي أن تلك المؤسسات تعالج المشكلة بنفس الأساليب التي أدت إلى وقوع المشكلة!

من يدير مؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة؟

تتوزع مؤسسات حماية المرأة في القطاع وفقاً لدليل المؤسسات العاملة في مكافحة العنف ضد المرأة الفلسطينية بين مؤسسات حكومية ومؤسسات خاصة، وأوضح الدليل أن الشرطة النسائية التابعة لوزارة الداخلية في غزة هي المؤسسة الأول والأم لجميع مؤسسات حماية المرأة، وهذا ما يضع العديد من علامات الاستفهام حول الإدارة العامة الفعلية لمؤسسات ومراكز حماية المرأة، إذ إن وزارة الداخلية في قطاع غزة تعمل لضبط الأمن الداخلي وفق تصورات ورؤى حكومة المقاومة الإسلامية، ولن يكون لديها بطبيعة الحال أي أجندات فعلية للتأكيد على حقوق المرأة إلا وفقاً للرؤية الذكورية السلطوية التي تتبعها جميع أيدولوجيات الإسلام السياسي المتماهية مع النظام الأبوي والعشائري الذي ينظر للمرأة نظرة رجعية، وأقصى حقوقها هي الحصول على وظيفة في مكان ما. أما الحق في تقرير المصير والفردية، والحق في الاختيار والتعبير عن الرأي، والحق في الاستقلالية، فهذه كلها حقوق تنظر إليها السلطة الأبوية على أنها غزو فكري خارجي هدفه إسقاط المجتمع الغزي في براثن الكفر والإلحاد وأحياناً الارتباط بإسرائيل تحت بند العمالة والجاسوسية. وجدير بالذكر أن تلك السلطة الأبوية تمثل القاعدة الفكرية - الاجتماعية لجميع أنظمة الحكم والإدارة في قطاع غزة، بما فيها وزارة الداخلية التي ينبثق عنها قطاع الشرطة النسائية التي تعتبر الحاضنة الأولى لحقوق المرأة في قطاع غزة.

 المؤسسات الموزعة بين حكومية وخاصة تعمل على استحياء واضح، ودون أدنى مقدرة على تجاوز قيود المجتمع وأعرافه ومعتقداته الدينية، وأنظمته العشائرية والعائلية، أي أن تلك المؤسسات تعالج المشكلة بنفس الأساليب التي أدت إلى وقوع المشكلة

أما المؤسسات الحكومية الأخرى لحماية المرأة الأخرى كبيت الأمان التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة شؤون المرأة، فهي تعمل ضمن إطار مقيد بالأعراف والتقاليد والتشريعات الدينية المشددة، أي أنها لا تخرج عن الإطار العام لهيكلية المجتمع الغزي الخاضع للسيطرة الفكرية الدينية المتشددة، والتي تبدو جلياً في الظهور العام للنساء في القطاع، والرفض القاطع لأي سيدة تظهر بدون حجاب وجلباب أو عباءة، واستهجان ذلك المشهد بوصفه خارجاً عن القيم المجتمعية. وجدير بالذكر أيضاً أن العاملات في مجال حماية المرأة أنفسهن لا يجرؤن على فرض شخصياتهن الخاصة فيما يتعلق بالمظهر والفكر والرؤية.

وتحت نفس إطار الحكم الديني لقطاع غزة، والذي تتسيده فصائل المقاومة الإسلامية، التي تشكل بنى الحكومة في غزة، في ظل غياب حضور السلطة الفلسطينية عن المشهد، تعمل مؤسسات خاصة لحماية المرأة مثل: برنامج غزة للصحة النفسية، الذي بدوره يحوّل أي قضية تصله إلى مؤسسات الحماية الأخرى، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وجمعية عايشة لحماية المرأة والطفل، ومركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة الذي يعمل مباشرة مع الشرطة المجتمعية من أجل حل القضايا التي تصله. وعدة مؤسسات ومراكز خاصة أخرى تضع ضمن أعمالها حماية المرأة، ولكن تبقى المشكلة القائمة هي عمل جميع هذه المؤسسات تحت مظلة النظام الأبوي السلطوي، دون القدرة على توفير الحماية الحقيقية للحالات المعنفة والتي تلجأ لمؤسسات الحماية من أجل الحصول على حريتها، وليس على إيقاف التعنيف فقط.

"بينما كان أبي يتوعّدني بالقتل والتعذيب والحبس، أخبرتني مديرة مؤسسة حماية المرأة: أبوك يحبك ويخاف على مصلحتك، لا تحرجي جدك وعمك، إذهبي لعائلتك!". هذه القصة واحدة من مئات القصص التي تعيشها نساء غزة وبناتها بشكل شبه يومي، حين يتعرضن للتعنيف والتهديد والتعذيب، وأحياناً قد يصل الأمر إلى القتل، ثم تتدخل العشائر والعائلات والمخاتير ويتم حل الأمر في جلسة تسمى "قعدة عرب وفنجان قهوة"!

أخبرتني ف. س. وصوتها يرتجف عبر اتصال هاتفي، أنها لن تطيل في الكلام خوفاً من أن يمسك بها أحد أفراد العائلة تجري مكالمة مشبوهة، قالت: "لقد كنت أحلم دائماً بأن أكون عازفة غيتار، وكنت أحياناً أتخيل نفسي في حفل روك آند رولز أمسك بغيتار إليكتريك وأهز المكان بموسيقاي وغنائي".

لقد بدأت القصة عندما قامت ف. س. بشراء غيتار بالفعل، ولم تلبث أن دخلت به البيت حتى حطمه أخوها الكبير قبل أن تخرجه من كرتون التغليف، ووجه حديثه إلى أبيه "هذا ما كان ينقصنا والله! عاهرة في بيتنا". فما كان من أبيه إلا أن وجه إليها عدة لكمات عنيفة أدخلتها في غيبوبة.

هذه القصة واحدة من مئات القصص التي تعيشها نساء غزة وبناتها بشكل شبه يومي، حين يتعرضن للتعنيف والتهديد والتعذيب، وأحياناً قد يصل الأمر إلى القتل، ثم تتدخل العشائر والعائلات والمخاتير ويتم حل الأمر في جلسة تسمى "قعدة عرب وفنجان قهوة

أما الأم والأخوات الأخريات فسيلاقين نفس المصير إن تدخلن في الأمر، ما دفعها إلى اللجوء إلى إحدى مؤسسات حماية المرأة الخاصة، التي استقبلتها بعبارة "الله يهديكِ يا بنتي، غيتار في البيت وأنتِ بنت!".

لم تستطع ف. س. أن تتماسك أكثر من ذلك، وأنهت حديثها معي بجملة موجزة: "بينما كان أبي يتوعدني بالقتل والتعذيب والحبس، أخبرتني مديرة مؤسسة حماية المرأة: أبوك يحبك ويخاف على مصلحتك، لا تحرجي جدك وعمك، إذهبي لعائلتك!"

ربما تكون هذه القصة لفتاة حالمة إلى حدٍ ما، أي أنها عاشت في بيئة أعطتها قليلاً من الحرية لتفكر أو تقرأ أو تسمع الموسيقى بسرية، ولكن هناك قصصاً أخرى لنساء وبنات منعن حتى من قراءة كتاب، أو من الخروج إلى بيوت أقاربهن، أو حتى التفكير!

فأسمهان مثلاً التي لا تستطيع أن تتابع صفحتها على تويتر إلا عندما تكون وحيدة تماماً في البيت، وهذا ما لا يحدث إلا نادراً، أخبرتنا بعد محاولات حثيثة للتواصل معها، أنها ذات مرة تواصلت مع مركز لحماية المرأة، وأخبروها أنه بالإمكان أن تأوي إليهم لفترة حتى يفهموا ما الذي يحدث معها، ويقدموا المساعدة اللازمة، وعند وصولها إلى المركز، وإخبارهم بأن أهلها يمنعونها من القراءة، والخروج، والاستماع للموسيقى، أو حتى الجلوس وحيدة! قالت لها المسؤولة عن المركز "طيب، هل تتعرضين للعنف؟" فصعقت أسمهان، لأن كل ما تحدثت عنه لا يصنف كعنف لدى مؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة.

بدأت القصة عندما قامت ف. س. بشراء غيتار بالفعل، ولم تلبث أن دخلت به البيت حتى حطمه أخوها الكبير قبل أن تخرجه من كرتون التغليف، ووجه حديثه إلى أبيه "هذا ما كان ينقصنا والله! عاهرة في بيتنا

أما وسام الطويل فقد أزاحت الستار عن الحقيقة الكاملة، وقطعت أي شكوك حول طبيعة عمل مؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة. الكاتبة والشاعرة وسام من محافظة رفح، التي أحدثت ضجة عارمة في الرأي العام الغزي قبل أسبوعين، كشفت لنا حالة التماهي والتوافق بين طبيعة المجتمع الغزي المتشدد دينياً بفعل ثقافة السلطة الحاكمة، وبين ما يجري في أروقة مؤسسات ومراكز حماية المرأة.

لم تطالب وسام الطويل بأكثر من حقوقها الأساسية، كالفردية، والاستقلالية، والسفر، لتتم مهاجمتها من أبيها وعائلتها والمجتمع، ومؤسسات حقوق المرأة نفسها، أي أن مجتمعاً كاملاً انتفض وثار على صبيةٍ بعمر 21 عاماً قالت أريد أن أسافر لأكمل دراستي.

ووسط تهديدات والدها المستمرة، وإدعائه بأن جهات معادية له سياسياً قامت باختطافها واقناعها بالتمرد عليه، والكثير من الهلوسات الأخرى، ضغطت المؤسسة الحقوقية التي لجأت إليها وسام وأختها، باتجاه أن ترضخ وسام للواقع وتتخلى عن حلمها، مقابل ضمانات بأن يخضع والدها لعلاج نفسي، ويكف عن إيذائها وحبسها وحثها على الانتحار، وبالفعل لم تستطع وسام وأختها فاطمة أن تواجهان مجتمعاً كاملاً يهاجمهما ويقلل من شأن طموحهما، وينعتهما أحياناً بـ"الساقطات"، وفي ظل عدم تحمل المؤسسة الحقوقية التي لجأتا إليها لمسؤولياتها الكاملة، هزمت وسام، ولكن بهزيمتها حققت انتصاراً عظيماً، إذ كشفت طبيعة سير الأمور في تلك المؤسسات التي يفترض أن تكون نسوية، حيث اتفقت رواية وسام مع ما صرحت به مديرة تلك المؤسسات في مقابلة صحافية بخصوص قضية وسام الطويل، وهو كالتالي:

- ليس من واجب مؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة وتحقيق الحرية للناجيات، وظيفة المؤسسة هي إيقاف العنف فقط.

- المؤسسة تحجب الناجيات اللاتي يصلن إلى أروقتها عن العالم الخارجي، ذلك لسلامة الناجية النفسية.

- المؤسسة لا تجبر الناجية على البقاء حتى وإن كان خروجها من غرف الإيواء يعرض حياتها للخطر، ما دامت الناجية تريد الخروج فهذا قرارها!

بهذا المعنى، فإن تلك طبيعة عمل هذه المؤسسات أقرب إلى أن تكون مؤسسات إصلاح وتوفيق، وليست مؤسسات حماية للمرأة، وهذا عمل العشائر والمخاتير، الذين بطبيعة الحال يستطيعون برعاية وزارة الداخلية أن يتدخلوا في أي قضية تخصّ الناجيات. أما كون المؤسسات تحجب الناجيات وتفصلهن عن التواصل مع الخارج فهذا يعتبر أمراً خطيراً، حيث أن الناجية أصبحت محتجزة داخل مركز الإيواء حتى الوصول إلى حل مع عائلتها، وليس حل قضيتها، أما الطبيعي فهو أن تكون الناجية على دراية بما يحدث في الخارج لتتخذ قرارها بناءً على دراية وعلم بما يحدث.

أما النقطة الأخيرة، التي تتعلق بقضية وسام بشكل خاص، وهي أن وسام لم تكن مجرد معنفة أو ناجية تبحث عن حياة خالية من العنف مع أدنى الحقوق، بل هي صاحبة حلم، ورؤية حول حياة تود أن تعيشها بطريقتها الخاصة، وقد خيبت مؤسسة الحماية آمالها في الحصول على الحماية الحقيقية، ليس ذلك فقط، بل ضغطت المؤسسة مع الشرطة المجتمعية، وبحضور عائلة وسام، باتجاه أن تعود وسام إلى بيتها! وحتماً لم يكن قرار المغادرة من مركز الحماية قرار وسام، بل كان قرار الجميع عدا وسام، التي حتى اللحظة لم نستطع التواصل معها بعد أن وصلت بيتها.

ولما كان قرار وسام وأختها فاطمة على العودة إلى منزل عائلتهن قراراً لم يشاركن في اتخاذه، بل فرض عليهن من قبل الجهات التي تم ذكرها أعلاه (العائلة – المجتمع – المؤسسات الحقوقية ومؤسسات حماية المرأة – الشرطة المجتمعية) فقد كان لدى وسام من الشجاعة والصلابة والإصرار على موقفها ما يؤهلها لتهرب من البيت مرة أخرى برفقة فاطمة، ما يدل على أن مؤسسة الحماية التي لجأت إليها وسام حاولت إغلاق قضية مفتوحة دون أن تعالجها، حتى وإن وضعت بعض الشروط التي لم يلتزم بها الأب المُعنف بالمطلق، فلقد عاد الأب ليستحوذ على حسابات بناته على السوشيال ميديا، ويتحدث للناس على لسان بناته، ويجبرهن على الامتثال لأوامره، مع التهديد المستمر، ذلك التهديد الذي دفعهن للهرب مجدداً، أما عمهن الذي تبنى القضية في المرة الأولى وأخرجهن من مؤسسة الحماية بضمانته الشخصية، فقد تُرك الأمر للوالد الذي بدوره رفض تدخل أي شخص في بناته، حتى وإن كان ذلك الشخص هو شقيقه. كل هذه الأحداث تفرض تساؤلات كبيرة جداً حول عمل مؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة، فليس كل النساء في غزة يستطعن الهرب للمرة الثانية كما فعلت وسام وفاطمة.

والآن تأوي وسام وفاطمة مرة أخرى في إحدى مراكز الإيواء التابع لمؤسسة حماية تعمل بالتنسيق مع الشرطة المجتمعية في قطاع غزة، بعد أن تأكدت الجهات العاملة في تلك المؤسسات أن الأب ليس بحالة ذهنية مستقرة، وكان قد تعهد سابقاً كشرط من شروط عودة بناته إلى البيت بأن يخضع لعلاج نفسي، ولكنه رفض واستمر في تهديداته، وتعنيفه، وسلوكياته غير المفهومة كأن يصرح بأن "إيدي كوهين" الصحفي الإسرائيلي يهدده بخطف بناته! أي أنها تعبيرات مشوشة، أشبه ما تكون بهلاوس تصيب الرجل، كالعبارة التي نشرها عبر صفحته على فيسبوك: "يبدو أن البنات في طريقهنّ للموت بقرارت عليا" تلك العبارة التي اعتبرها كثيرون تهديداً صريحاً بأن الأب ينوي قتل وسام وفاطمة إن رجعن إلى البيت مجدداً…

وإلى هذه اللحظة القضية مثارة ومفتوحة إلى أن يلتزم الأب بعدم إيذاء وسام وفاطمة مجدداً، مع السماح لهن بتقرير مصيرهن كما ترتأي كلٌ منهما، ويعد هذا تحدٍ لمؤسسات حماية المرأة في القطاع، والتي كما ذكرنا مسبقاً أنها لا تخرج في عملها عن إطار السياق العام لحالة الرجعية في المجتمع الغزي، ماذا سيكون قرار تلك المؤسسات عندما يتعلق الأمر بحياة فتاتين تحت تهديد علني بالقتل؟

العالم سيفترسكن إن غادرتن غرفكن!

بينما تأمل نساء غزة أن يجدن الأمان والحماية النسوية الحقيقية داخل أروقة مؤسسات الحماية، أو على أقل تقدير، يأملن في إيجاد مفهوم مغاير للمفهوم الذي يفرضه المجتمع على النساء في غزة "العالم سيفترسكن إن غادرتن غرفكن!" تقوم مؤسسات الحماية بتعزيز ذلك المفهوم، بشكل أو بآخر لأن طبيعة عمل تلك المؤسسات تحت مظلة ورضا المجتمع المتشدد ووزارة الداخلية للحكومة الإسلامية في غزة، يفرض عليها أن تخضع للنظام الأبوي الديني، وحتى إن كان في تلك المؤسسات بعض الشخصيات الخارجة عن الإطار العام لما هو صحيح وما هو خاطئ في القطاع، فتلك الشخصيات حتماً غير قادرة على اتخاذ قرار حر وكامل.

هذا الترهيب من الحرية قد بدأ يسيطر على النساء الحالمات أنفسهن، فتجدهن يسألن أسئلة مثل: هل النسوية تتعارض مع الإسلام؟ هل سيفترسني العالم حقاً إن غادرت منطقتي الآمنة؟

"يبدو أن البنات في طريقهنّ للموت بقرارت عليا" تلك العبارة اعتبرها كثيرون تهديداً صريحاً بأن الأب ينوي قتل وسام وفاطمة إن رجعن إلى البيت مجدداً…

وقد نتساءل ما الذي يجنيه المجتمع الأبوي السلطوي من قمع النساء وتقييدهن وتحجيم مؤسسات حماية المرأة، فتكون الإجابة أن الطبيعة الكارهة للحياة والمتشددة التي يعيش فيها الوعي الكلي للمجتمعات التي تخضع للسيطرة الدينية، هي السبب في قمع النساء، مع أن المجتمع نفسه لا يجني شيئاً من قمع النساء سوى المزيد من الفقر والعنف والرجعية والتوتر، وهذه الحالة التي تعمل السلطات الدينية الظلامية على إيجادها من أجل تبرير وجودها على أنها جاءت من أجل تحقيق الحياة المعتدلة والمتزنة والمرفهة للشعوب، وعندما تخضع الشعوب لتلك السلطات على أمل جني ثمار العدالة والتوازن والرفاهية، فهي لا تجني سوى مزيد من الوبال والدمار والقمع، ليس فقط على مستوى النساء، بل على مستوى حالة المجتمع.

إن حوادث تعنيف النساء وقتلهنّ، والترهيب العام الذي يعايشنه في قطاع غزة، قد أصبح أمراً ظاهراً لا يمكن تجاوز الحديث فيه كقضية رأي عام، وفي ظل وجود مؤسسات حماية للمرأة تقوم بدورها على خجل، ومع مراعاة شعور المجتمع المتزمت والمتشدد، تصبح قضايا تحرر النساء في غزة أمراً صعباً، حيث أن جميع الناجيات التي لجأن لمؤسسات الحماية، يتفقن على أنهن قد أملن مصيراً آخر، وتعاملاً مختلفاً، وإيواءً حقيقياً ليس فقط لأجسادهن، بل لأحلامهن وطموحاتهن وتطلعاتهن لحياة حرة ومستقلة، أو حياة تشبههن على أقل تقدير. لذا لا بد لمؤسسات حماية المرأة في قطاع غزة أن تأخذ مسؤولياتها على محمل الجد، من أجل كسر الصورة النمطية التي تقول إن الفتاة سيفترسها العالم إن خرجت عن سياق السلطة الأبوية، وعلى تلك المؤسسات أن تعمل على تحرير أطرها وأروقتها من السلطة الذكورية الدينية أولاً قبل البدء في العمل النسوي، وحماية المرأة، وإلا فإنّنا ندور في دائرة مغلقة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard