شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
الأب وليم سيدهم… مصر تودِّع راهب التحرير

الأب وليم سيدهم… مصر تودِّع راهب التحرير

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!


قبل سبع سنوات كان يوقّع كتابه "يوميات راهب في الثورة". في حفل التوقيع كان الراهب اليسوعي الذي يرأس إدارياً وروحياً جمعية النهضة العلمية والثقافية "الجيزويت" يستنكر ما يفرضه النظام عبر القانون من تحريم للحديث عن الثورة والدين في الجمعيات الأهلية، في تساؤل أظهر- مثل الكتاب- ما في عقل الرجل من قناعات، وكيف أنه مثلما ينتصر للحقوق؛ يدعو أيضاً للتغيير طالما في صالح الفقراء والمهمشين، وهو ما أثبته عملياً حين كان أول راهب يحضر في ميدان التحرير في العام، في وقت كان سواه من رجال الدين على اختلاف هيئاتهم ومسوح كهانتهم مسلمين ومسيحيين يدعون الناس لالتزام الطاعة وعدم الخروج على الحاكم التي تتساوى عندهم مع الخروج على طاعة الله، إلا من الشيخ الشهيد الراحل عماد عفت الذي اغتيل خلال أحداث مجلس الوزراء.

الراهب الإنجيلي المنتمي إلى الطائفة اليسوعية، ابن قرية الفن "جراجوس" في محافظة قنا، قلب الصعيد المصري، بدا لأعين المصريين غريباً ومختلفاً عن الصورة التي اعتادوها لرجال الدين.

في وقت كان سواه من رجال الدين على اختلاف هيئاتهم ومسوح كهانتهم مسلمين ومسيحيين يدعون الناس لالتزام الطاعة وعدم الخروج على الحاكم التي تتساوى عندهم مع الخروج على طاعة الله، بدا الراهب الإنجيلي المنتمي إلى الطائفة اليسوعية، ابن الصعيد لأعين المصريين غريباً ومختلفاً عن الصورة التي اعتادوها لرجال الدين

لكنه هو، الأب وليم سيدهم، الراهب المؤمن بـ"لاهوت التحرير"، اختار مسلكاً مختلفاً منذ عقود، وبنى وطوّر فيه من دون أن يحيّد عن المسار المسيحي الملتزم، حتى انتهت رحلة جسده بوفاته أمس الأول الجمعة، 12 مايو/ أيار، تاركاً سيرة ثرية وتساؤلات عمن سيُكمل بعده المشوار بنفس عزيمته وروحه الثورية.

في حضن الاستنارة

في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وحين كان الطفل وليم سيدهم لم يبلغ الثانية من العُمر، استقبلت قريته جراجوس بمحافظة قنا رهبان يتعاملون بروح مختلفة مع المحيطين عما اعتاده مسيحيو القرية من رهبان الكنيسة القبطية المصرية، وعبر الخروج للطبيعة والمشاركة في الرحلات والتمثيل، تعّلم وليم على أيدي الرهبان الجيزويت "إنجيليون"، أموراً تتعلق بالبيئة والفن والسينما والمسرح، ما استمر معه حتى مراهقته؛ الأمر الذي ظل يتذكره باعتباره "ميلاد في حضن الاستنارة والانفتاح".

كان للرهبان الباسمين أثر على الطفل، إذ رأى فيهم رجال دين خارج إطار الصورة التقليدية المعتادة، فلا يقودون الناس في العبادات ويقدمون لهم الوعظ فحسب، بل يختلطون بهم ويشاركونهم الأعمال اليومية على اختلافها، فاحتفظ بالتجربة في وعيه حتى انتقل من جراجوس إلى القاهرة حيث درس المرحلتين الإعدادية والثانوية، ثم يدرس الفلسفة وعلم النفس في جامعة القاهرة.

على الصعيد الديني، دخل سيدهم عالم الرهبنة اليسوعية في منتصف السبعينيات ودرسها، ليُقدم لنفسه إجابات عن تساؤلات حاول معرفتها من الآخرين بخصوص رجال الدين من قبيل "عدم الانفتاح والعمل مع الشباب"، إذ كان الردّ عليه يكون بانتقاد لأنه "يتحدث من الخارج. وأنه لو يُريد التغيير؛ فلينضم ويُغيّر"؛ ليستجيب لهم ويدخل العالم مُلتزماً بالرهبنة اليسوعية ويتعامل مع الناس بمبادئها من قبيل احترام الآخر وثقافته والتحاور معه.

استكشف سيدهم من خلال قراءاته عالم "لاهوت التحرير" الذي وُلد نتاج تلاقح بين مبادئ الكاثوليكية والتيارات اليسارية ويرفض انعزال الرهبان في صوامعهم عن العالم، بل يضعهم في قلب النضال السياسي والاجتماعي والفكري من أجل حقوق الناس وخاصة المهمشين 

الكنز في الرحلة

في حب اليسوعية، انتقل الشاب إلى فرنسا، حيث بدأ دراسة الرهبنة في الجامعة اليسوعية في باريس. وهناك عاش مرحلة ثرية، تعلّم فيها مناهج البحث و"التأويل عند ابن رشد" في معهد السوربون، كما استكشف على يد يسوعيين من أمريكا اللاتينية عالم "لاهوت التحرير" الذي وُلد نتاج تلاقح بين مبادئ الكاثوليكية والتيارات اليسارية ويرفض انعزال الرهبان في صوامعهم عن العالم، بل يضعهم في قلب النضال السياسي والاجتماعي والفكري من أجل حقوق الناس وخاصة الفقراء والمهمشين منهم، ويُعرَّف بأنه "حركة تحاول تفسير الكتاب المقدس من خلال بلاء الفقراء"، وهو ما طبّقه على نفسه كما وثّق مُحبّيه وتلامذته.

كنز وليم الممثل في رحلته وإيمانه بمبتدئ لاهوت التحرير، دفعه لمشاركة تلك الرحلة مع الآخرين، حين عاد إلى مصر وانتقل من الدراسة إلى التدريس بعد تعيينه في النصف الثاني من الثمانينيات مُدرِّساً للفلسفة والدين والتكوين الإنساني بمدرسة العائلة المقدسة بقلب القاهرة.

خارج أسوار المدرسة، كان لوليم نشاطه الاجتماعي عبر تعليم الأميين، في انعكاس لما يوجبه لاهوت التحرير على "أتباع المسيح الحقيقيين" من مبادئ تتمثل في السعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتغيير السياسي والاجتماعي، والتآزر مع الطبقة العاملة، "لاسيما وأن المسيح نفسه كان فقيراً، واهتم بالفقراء والمنبوذين".

مع العمل الرسمي والنشاط الاجتماعي، كانت الثقافة حاضرة، وانعكست من خلال تأليف وترجمة كُتب مُرتبطة بفكره، كان منها "لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية"، و"لاهوت التحرير في أفريقيا"، و"لاهوت التحرير. رؤية عربية إسلامية مسيحية"، ليؤكد بشكل عملي ما كان يقوله دائماً بأنه "غير مُخترع" لهذه السلوكيات المتعلقة باللاهوت، بل "تسلّمها من آخرين ويحاول إعادة إنتاجها بعلاقاته مع الشباب"، هؤلاء الذين كان يشاركهم أعماله ويشجّعهم لإنتاج أعمالهم.

داخل بيت الفن في جوار الكنيسة التي تتوسط شارع رمسيس وتقع على تخوم عدة مناطق شعبية، حمل سيدهم مسؤولية الشباب والمكان، الذي يضم عدة مدارس وأنشطة مثل السينما، والمسرح، والرسوم المتحركة، ونادي كتاب الطفل، ومجلة الفيلم، والورش الحُرّة، التي تستهدف الشباب وتولي الاهتمام بالمهمّشين

أبواب الجيزويت

بمجرد إعلان خبر وفاة الأب وليم، لم يأت النعي والتعازي فقط من جهات دينية كان الرجل منفتحاً عليها سواء كاثوليكية أو إنجيلية تحدثت عن سيرته الدينية وأشارت إلى إسهامته الفكرية أيضاً، بل ومن شباب- ليسوا مسيحيين فقط- كان لإسهامته هذه أثرها عليهم حين احتواهم في بيته الكبير الذي فتح أبوابه لهم منذ أسسه وآخرون معه عام 1998 تحت اسم جمعية النهضة العلمية والثقافية "الجيزويت".

داخل البيت الذي يتوسط شارع رمسيس ويقع على تخوم عدة مناطق شعبية متماسة مع منطقة وسط القاهرة، حمل سيدهم مسؤولية الشباب والمكان، الذي يضم عدة مدارس وأنشطة مثل السينما، والمسرح، والرسوم المتحركة، ونادي كتاب الطفل، ومجلة الفيلم، والورش الحُرّة، التي تستهدف الشباب وتولي اهتمام بأي شخص من المهمّشين من كل نوع "بما فيهم المثقفين اللي درسوا حتى الدكتوراة ومش قادرين يتحققوا أو يلاقوا مكان يعملوا فيه"، حسبما صرّح في لقاء أُجري معه بعد أن صار أميناً عاماً للجنة المصرية للعدالة والسلام.

الجزويت بالنسبة لـ"أبونا وليم"- كما صار لقبه بين الشباب- لم يكن مُجرّد مشروع أو فكرة نفذّها، بل كان رحلة أخرى كالرهبنة اليسوعية، ومن خلالها بُني الجسر بين الدين والفن.

للجيزويت ممثلا في مقره بشارع رمسيس تاريخ طويل مع الفن، فقد شهد مقره في الكنيسة التي تتبعها مدرسة العائلة المقدسة تصوير أفلام باتت من عيون السينما المصرية كـ"الحفيد" الذي كان بطله عبد المنعم مدبولي، كما كانت المدرسة محل استضافة نجوم مثل فريد شوقي ونور الشريف.

أتى هذا النجاح كثمرة لإيمان وليم بالرهبنة اليسوعية التي تهتم بالثقافة والفن؛ فلا يرى هو أي تناقض بين كونه رجل دين وبين أن يكون على علاقة بالمثقفين والفنانين، لاسيما وأنه ابن جراجوس القرية المشهورة بأعمال الفُخّار، الذي يحترف أفراد من عائلته العمل به.

لهذا، نجحت جمعية النهضة اعلمية والثقافية "الجزويت" وتشعب نشاطها الفني والثقافي والمجتمعي، سواء بالانتشار في أقاليم مصرية أو عبر تعدد أنشطتها حد تخريج دفعات شباب - مصريين وغير مصريين- من المدارس الفنية التابعة، وأبرزها مدرسة السينما التي تأسست بهدف تعليم التعبير البصري، أو مسرح الشارع (الجسدي) الهادف إلى مُخاطبة الجمهور في أي مكان دون حواجز مادية، في تطبيق لنفس فكرة الرهبنة اليسوعية ولاهوت التحرير عن التواضع والانفتاح من دون قيود عبر كل سبيل مشروع كالفن.

ومع نجاح أفكار سيدهم، لم يكن غريباً أن يأتي نعيه من فنانيين، منهم من وصفه بأنه "جزء أساسي ومهم من تاريخ السينما المستقلة في مصر"، وكذلك مثقفين عاشوا معه لحظات رأوه حتى في العصيب منها- كحريق مسرح استوديو ناصبيان- كان دائماً على ثباته وإيمانه بحتمية النجاح.

الإيمان بحرية الرأي ورفض القيود كان يبدو في أحاديث سيدهم الرافضة لأيديولوجيات وجماعات مثل الإخوان المسلمين، حد وصفه إيّاها بـ"البلاء" واتهامه لها بأنها "جعلت الدين عبارة عن شكليات ومرحلة من مراحل القفز على السلطة"

ضد القيود

رغم أحاديثه التي كانت تأتي بسعادة عن احتواء الجزويت للشباب الذين كان يصفهم بـ"عصب عمل الجمعية" وفخره بنجاحها، إلّا أن الرحلة لم تخلو من الكدر.

أبرز أشكال هذا الكدر تمثّل في القيود التي كان يُعانيها وليم من قوانين وإجراءات مصرية تخصّ عمله السينمائي أو المسرحي في الشارع؛ ما يستلزم استخراج العديد من التصاريح مع كل فعالية، وهو ما كان يرى أنه يُغني عنه أن الجزويت نفسها جمعية بتصريح.

أحد المكدّرات أيضاً كانت بالنسبة له هي المحظورات التي شكا منها فيما يخصّ منع الجمعيات الأهلية في أمرين هما الدين والثورة، اللذين كان يراهما أساساً للحياة والعيش بحرية، لاسيما المتعلقة بالتعبير عن الرأي، وهو ما كان يؤمن به بشدة، سواء كما وثّق في حسابه على فيسبوك بكتابته عبارة "فلسطين عربية وتيران وصنافير مصريتان".

الإيمان بحرية الرأي ورفض القيود كان يبدو أيضاً في أحاديثه الرافضة لأيديولوجيات وجماعات مثل الإخوان المسلمين، حد وصفه إيّاها بـ"البلاء" واتهامه لها بأنها "جعلت الدين عبارة عن شكليات ومرحلة من مراحل القفز على السلطة"، ومن قبلها بدا في مواقف ربما كان أبرزها على الإطلاق خروجه للشارع في 25 يناير ضد سلف الإخوان، مبارك.

مع الثورة

"عندما قامت ثورة 25 يناير 2011، وكنت توّاقاً لأرى مصر دولة حرّة ديموقراطية، طرحت على نفسي هذا السؤال كما طرحه عليّ أكثر من شخص. وهو منذ متى تكون عندي هذا الحس السياسي؟" هكذا دوّن وليم على غلاف كتابه "يوميات كاهن في زمن الثورة. لاهوت التحرير بالمصري".

جاء الكتاب بعد سلسلة من الكتب التي تناول أبونا وليم سيدهم لاهوت التحرير في دول وقارات عدة، وربما لم يكن يتصور قبل الثورة أن يكون هناك كتاب عن لاهوت التحرير في مصر، إلا أن الثورة قدمت له تلك الفرصة.

خرج الأب وليم إلى الميدان مع المتظاهرين، من دون أن يكون مُحملاً بأفكاره الروحانية فحسب، بل وبذكريات طفولته التي بدأت من "العدوان الثلاثي" الذي عاصره وهو في التاسعة من عمره، وما تلته من حروب وأحداث، انتهاءً بثورة يناير التي قرر إشراك الآخرين في تجربته فيها وتفاعله معها

في ذلك الكتاب قصّ وليم حكايته مع ثورة 25 يناير، والتي ربما كانت مشاركته فيها سبب تحوّله إلى أحد الرموز السياسية حد نعيه من جانب جهات سياسية مثل الحزبين "الاشتراكي المصري" و"العيش والحرية" باعتباره "صاحب تاريخ نضالي من أجل تعليم الفقراء ونشر أفكار لاهوت التحرير".

في يناير/ كانون الثاني 2011، مُرتدياً ملابس مدنية وقُبعة عليها علم مصر مكتوب بجواره عبارتي "ثورة التحرير" و"شباب 25 يناير"، خرج الأب وليم إلى الميدان مع المتظاهرين، في تطبيق عملي لأفكار هذا اللاهوت، ولقناعته التي بدأ بها الجزويت من أن الفن وسيلة مهمة لإعطاء الحرية للتعبير.

خرج الرجل للشارع ليس مُحملاً بأفكاره الروحانية فحسب، بل وبذكريات منذ طفولته بدءً من "العدوان الثلاثي" الذي عاصره وهو في التاسعة من عمره، وحتى وما تلاه من حروب وأحداث، انتهاءً بثورة يناير التي قرر إشراك الآخرين في تجربته فيها وتفاعله معها.

وربما فعل الأب هذا الأمر أملاً منه في نشر ثقافة يفتقدها وهي "قبول الاختلاف" الذي أحزنه عدم وجودها حين خرج إلى الشارع؛ ما رآه كان سبباً في الصدام والعنف. الذي كان عبر الفن والثقافة- وبفعاليات لا تفرق بين المسيحية والإسلام- لا يحاول التغلب عليه فقط، بل ويطمح إلى الوقاية من الصراعات عبر المحبة التي صارت مرتبطة باسمه… أبونا وليم سيدهم.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard