شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
كيف حُكِيَتْ النكبة؟

كيف حُكِيَتْ النكبة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والحقيقة

الاثنين 15 مايو 202310:56 ص

تندرج هذه المادة ضمن ملف "75 عاماً من النكبة... الحلم وسط المأساة"

منذ الالتفات الأكاديمي للتاريخ الشفوي بصفته مصدراً تاريخياً، في سبعينيات القرن الماضي، والهدف الأساسي كان التعرّف إلى مرحلة أو تجربة تاريخية بعيون أصحابها والاقتراب من الذاكرة الشخصية المفعمة بالتجربة اليومية للحياة العادية، والتعرّف على التاريخ المهمش أو غير الموثق.

فالرواية الشفوية لها أهمية استثنائية في التعرّف على ما تتجنّب الوثائق الرسمية ذكره، مثل التاريخ الحديث للسود في أمريكا أو تاريخ المحرقة، وفي الحالة الفلسطينية، كان للتاريخ الشفوي أهمية بالغة، بعد تدمير وسرقة وضياع الجزء الأكبر من المصادر المكتوبة الفلسطينية، فكان العمل على التاريخ الشفوي استثنائياً في المنطقة، من ناحية كَمّ الشهادات المجمّعة، وتنوّع مقاربات العمل عليها، وموضوعات دراساته، بسبب تجربة الاقتلاع في النكبة واستمرار التهجير الفلسطيني.

ولعب الزمن الدور الحاسم، حين شعر الجيل الثالث والرابع من الفلسطينيين بأن ذاكرتهم مهدّدة برحيل الجيل الذي يعرف الحياة في فلسطين قبل النكبة، أو محاولة لتحرير الحاضر، بفهم الماضي القريب الذي لا زلنا نعيشه، أو وعي بالمنفى الجديد بعد عام 1993 بإرجاء العودة، تسبّب باستبدال الكتابة بالرواية الشفوية من خلال التسجيل.

لعب الزمن الدور الحاسم، حين شعر الجيل الثالث والرابع من الفلسطينيين بأن ذاكرتهم مهدّدة برحيل الجيل الذي يعرف الحياة في فلسطين قبل النكبة، أو محاولة لتحرير الحاضر، بفهم الماضي القريب الذي لا زلنا نعيشه

المهم أنه في نهايات القرن الماضي، بدأ ما أسماه بشارة دوماني "حمّى الأرشفة"، حين اتسعت أعمال التاريخ الشفوي لتشمل الأفلام الوثائقية، والدراسات حول الشهادات الشفوية عن فلسطين قبل النكبة، وحدث النكبة نفسه.

بعد صمت طويل طال نصف قرن، تدفّقت شهادات النكبة بوتيرة أربكت الراوي والمستمع، بتعبير سليم تماري، الراوي الذي أطلق قصته المكبوتة، والمستمع الذي لم يعرف كيف يفسرها.

قضيت أياماً كثيرة مؤخراً في الاستماع إلى الشهادات الشفوية للمهجرين عام 1948 في موقع فلسطين في الذاكرة، ولم أستطع منع نفسي من تذكر حكايا جدي في طفولتنا عن القرية والتهجير. كانت جميع الشهادات بطريقة أو بأخرى تتشابه في بضع أشياء.

معظم الشهادات الموجودة هي لأناس عاديين: مزارعين، تجار، مقاتلين، مخاتير، شيوخ... تبدأ المقابلات بسؤال المحاور للشاهد عن اسمه الكامل، وتاريخ ميلاده، ثم عن القرية/المدينة/البلدة التي وُلد فيها، وفي هذه المرحلة تتشابه أغلب الشهادات: يعيد الشاهد بناء البلد (والبلد عند الفلسطيني هي القرية، والبلاد هي فلسطين)، باستفاضة وحماسة لا يمكن عدم ملاحظتهما، يُسأل الشاهد عن موقع بيته من سكة القطار، فيحكي عن ابن عمه الذي يعمل في السكة، وجيرانهم الذين يعملون في الزراعة، وعن نزاع بينه وبين جارهم وهم أطفال حول قن دجاج.

يحاول بالاعتماد على ذاكرته إعادة تشييد الفردوس المفقود، بوصف تفاصيل الحياة اليومية، واستحضار الماضي من خلال لقطات عذبة للحياة فيه، يستبعد كل تناقض في خلقه لصورة المدينة/القرية.

ينقطع سرد فسيفساء الحياة اليومية حين تبدأ الأسئلة عن بداية لحظة النكبة، تصبح الإجابات على قدر السؤال أو أقلّ، يتخلّل سرد الشاهد صمت بين كل جملة، وتنتبه رغماً عنك للطابع الدرامي الذي يسيطر على رواية الشاهد، وكأن المذابح والتهجير لا تحتوي على الدراما الكافية، يصبح منظور السرد هو الحرب من أعلى، يتحدث الشاهد بصيغة الغائب عن تحركات العصابات، القتال، المذابح والنزوح، ويغيّب، بطريقة لا واعية، نسيج الحياة اليومية الذي يحيط بهذه الأحداث، يؤطرها ويفسّرها، وحتى حين يحاول المقابل النفوذ إلى هذه التفاصيل اليومية، يصطدم باستغراب الشاهد أو بنسيانه للتفاصيل.

ينقطع سرد فسيفساء الحياة اليومية حين تبدأ الأسئلة عن بداية لحظة النكبة، تصبح الإجابات على قدر السؤال أو أقل، يتخلّل سرد الشاهد صمت بين كل جملة، وتنتبه رغماً عنك للطابع الدرامي الذي يسيطر على رواية الشاهد، وكأن المذابح والتهجير لا تحتوي على الدراما الكافية

كيف من الممكن فهم هذا السكوت؟ يناقش جيورجيو أغامبن في كتابه "بقايا أوشفيتز: الشاهد والأرشيف" حكايا الناجين من المحرقة، ويقول إن إحدى صعوبات تأريخ المحرقة هو صعوبة اضطرار الضحية لأن يكون شاهداً، حيث يشعر الشاهد بالعار، ولا يأتي العار هنا من الإحساس بالذنب، بل هو ما يسميه أغامبن "عار أن يكون قد حدث ما كان ينبغي ألا يحدث".

كانت النكبة حدثاً فاصلاً في تاريخ الفلسطينيين الحديث، ليس بمعنى أن لحظة النكبة حدث منفصل عما سبقها من عمليات اجتماعية وتاريخية، لكنها كانت تتويجاً لهذه العمليات، وحدثاً قاطعاً لتاريخ لفلسطين، وبلا شك حدثاً صادماً بكل المعاني الممكنة: بالمعنى التاريخي ذي العلاقة بلحظة النكبة، خسارة الأرض، ما قبله وطن وبيت، وما بعده خيام وتشرد، وبمعنى الحاضر بما يكابد الكثير من اللاجئين الفلسطينيين من حياة قاسية وتمييز قانوني ومؤسساتي في بعض دول اللجوء.

تظهر لنا هذه الصدمة حين يحاول الشاهد ترميم ذكرى النكبة: هل كان هناك أصلاً حياة يمكن وصفها بالعادية في "الهجيج" (يشير الفلسطينيون إلى نكبة 1948 بسنة الهجيج وهو الهروب من الخطر المؤكد باللهجة الفلسطينية) أو هل هي لحظة موت بالمعنيين الحرفي والرمزي، لا أثر لما هو عادي في ظله، وإن كان هناك ما هو يومي وعادي، هل كان بإمكانهم الانتباه لذواتهم، وتذكر أنفسهم، وهم يحضرون تلك المجازر ويشهدون خسارة كل ما بنوه، وحلموا به، وخططوا له؟

ما نعرفه من الشهود (من نظراتهم وصمتهم أكثر من كلامهم) أنه كان حدثاً فوق اللغة، صادماً بالطريقة التي تورث الخرس لحظة محاولة استعادة الحدث، وأن محاولة التذكر، أو تحمل مسؤولية الشهادة، تكون عبئاً إَضافياً فوق عبء حضور النكبة للمرة الأولى.

تظهر لنا هذه الصدمة حين يحاول الشاهد ترميم ذكرى النكبة: هل كان هناك أصلاً حياة يمكن وصفها بالعادية في "الهجيج" (يشير الفلسطينيون إلى نكبة 1948 بسنة الهجيج وهو الهروب من الخطر المؤكد باللهجة الفلسطينية) أو هل هي لحظة موت بالمعنيين الحرفي والرمزي، لا أثر لما هو عادي في ظله؟

وربما تكون هذه الصدمة/الارتباك قادمة من كون فعل التذكر الذي يفترضه وضع الشاهد الذي يتطلب نهاية الحدث، ووجوده فقط في الذاكرة من أجل ترتيبه، ومحاولة إضفاء المنطق التسلسلي عليه، أي خلق سرديته التي تتطلب بداية تؤدي لنهاية، وهذه النهاية التي حظيت بها المحرقة، من كونها حدثاً تاريخياً، ذكرى مأساوية حصلت وانتهت، التي أتاحت لها أن تصير نصباً تذكارية وموضوعاً للدراسة والتأمل. وهو ما لم يُتاح للنكبة، التي كان الهجيج بداية لبنية مستمرة، وحدث مفتوح يوميّ ومُعاش إلى الآن، من استهداف متواصل لكل ما هو فلسطيني، والنهب المتواصل للأرض من خلال بناء المستعمرات. أي حاضر قائم، تكون محاولة خلق سردية منه بصعوبة الإمساك بالمياه، ومحاولة ترتيبه أو إضفاء المنطق عليه تكون أصعب من محاولة تذكر حدث صادم، لأن الشاهد لا يزال يعيشه.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard