شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
كيف يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة؟

كيف يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 15 مايو 202309:53 ص

تندرج هذه المادة ضمن ملف "75 عاماً من النكبة... الحلم وسط المأساة"

لو كانت "النّكبة" إنساناً، لكانت الآن كتلة من اللحم المحشوّ بالذكريات، وبعض الآلام التي لا يهدّها العمر، ولكان سهلاً على أيّ كاتبٍ أن يرصّ الحروف في بضع صفحات، واصفاً المسيرة الصغيرة لهذا الإنسان. ولكنّها لم تكن إنساناً، بل ارتبطتْ بملايين من الناس، ومع اختلاف المسير من جدٍ إلى أبٍ إلى ولد، أصبح من المستحيل أن تكفي صفحات الكوكب البيضاء مجتمعة، لتدوين هذا المسير مختلف الاتجاهات والبلدان والآلام.

لذلك، اتّخذ تدوين النّكبة أشكالاً وأساليب مختلفة، فقد عكف الكتّاب على تسجيل التفاصيل التي شاهدوها بأنفسهم أو رويت لهم أو التي وقعوا فيها وهم يبحثون في الأرشيف، واتّجه السياسيون إلى البيانات والمايكروفونات والخطابات التي يحضر فيها مصطلح "النّكبة" مرفقاً بـ "العودة"، وراح الفلاحون يزرعون المزيد من الأشجار في أراضٍ كثيرة حول العالم، تذكيراً بما حدث ويحدث، واتّجه صنّاع الفيديو إلى إنتاج الوثائقيات والتنقيب في الأرشيف.

هذا على المستوى الفئوي، أما على المستوى الجمعي، الذي تشارك فيه الآلاف والملايين من الأشخاص في داخل الأراضي المحتلة وخارجها، فقد اتّخذ أشكالاً أخرى مختلفة في الشّكل والمضمون، لتدوين هذه "النكبة" التي لم تتوقف رغم مرور 75 عاماً عليها.

شكّلت "النكبة" ما هو أكبر من ذلك في الذاكرة الفلسطينية، وذلك لأنها كانت سنة فاصلة في تواجد الفلسطينيين على قيد الحياة، حيث إنها نقلتهم من زمنٍ قديم إلى آخر مختلف في ظاهره وباطنه

لأنها ليست كغيرها من النّكبات

بعيداً عن رمزيتها الجغرافية والسياسية والاجتماعية، شكّلت "النكبة" ما هو أكبر من ذلك في الذاكرة الفلسطينية، فهي ليست فقط ذكرى مؤلمة بسبب ما ارتكبه الصهاينة من مجازر وعمليات تطهير عرقي ممنهج، ولا بسبب تهجير مئات الآلاف من منازلهم وأراضيهم فقط، ولكن لأنها كانت سنة فاصلة في تواجد الفلسطينيين على قيد الحياة، حيث إنها نقلتهم من زمنٍ قديم إلى آخر مختلف في ظاهره وباطنه، وهذا ما جعل إحياء ذكرى النكبة بالنسبة للفلسطينيين أمراً لا يقلّ أهمية عن تناول الماء والخبز.

يظهر هذا في إصرارهم على الأمل، وتمسّكهم بالذاكرة التي لم تخذلهم أبداً رغم أن القدر والسياسة والخوف والموت خذلوهم، لهذا كان من الطبيعي أن يتعامل الفلسطينيون مع ذكرى النكبة بشكل خاص، ولا يحيونها في 15 أيار/ مايو من كل عام فقط، ولكن على امتداد أيام السنة ومع كلّ شهيدٍ وكلّ حادثة وكلّ ذكرى وطنية، لهذا يمكن القول إن تعامل الفلسطينيين مع هذه الذكرى لا يشبه تعامل غيرهم مع ذكرياتهم المؤلمة.

ويمكن الاستدلال على هذا من التجدّد المستمر في أساليب الإحياء التي اعتمدوا عليها منذ وقوع النكبة وحتى يومنا هذا، فبعدما كانوا يتجمّعون لتذكّر الضحايا وندب الحظ والقدر والذكريات البعيدة، باتوا يستخدمون أدوات ذات جدوى تزعج الاحتلال الإسرائيلي الذي وصل فيه الأمر إلى سنّ قانون يحظر إحياء ذكرى النكبة داخل الأراضي المحتلة عام 2011.

مسير ممتد لـ 75 عاماً

إن المسيرات الحاشدة التي تدعو لها الأحزاب السياسية وغيرها من التكتلات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها في ذكرى النكبة، تعدّ أسلوباً قديماً من أساليب إحياء هذه الذكرى، حيث باتت هذه المسيرات، التي غالباً ما يطلق عليها لقب "مسيرات العودة"، حدثاً وطنياً بارزاً يجمع الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الحزبية والفكرية، ويساهم في تجاوزهم لكل الانقسامات والخلافات الواقعة بينهم، فإنها بمثابة آلة الزمن التي تعيدهم إلى البداية، إلى أصل ما هم فيه اليوم من هجرة واغتراب واختلاف.

كما تشهد هذه المسيرات مشاركة واسعة من قبل الأشبال والشباب الذين عادةً ما يكونوا من منظّميها والداعين إليها، في تأكيدٍ على تمسكهم بحق العودة لفلسطين الكبرى، وفشل رهان قيادات الاحتلال التي اعتقدت أن الأجيال القادمة سوف تنسى ما حدث، وتتعامل مع الواقع دون النظر للوراء. ومن أهم المظاهر التي تميّز هذه المسيرات: الأعلام الفلسطينية، والمجسّمات الخاصة بمفاتيح البيوت التي هجّر منها أصحابها، ومكبرات الصوت التي تحوّلها إلى مهرجانات، بالإضافة إلى اللافتات وصور الشهداء وأعلام الأحزاب الفلسطينية.

من أهم المظاهر التي تميّز مسيرات العودة: الأعلام الفلسطينية، والمجسّمات الخاصة بمفاتيح البيوت التي هجّر منها أصحابها، ومكبرات الصوت التي تحوّلها إلى مهرجانات، بالإضافة إلى اللافتات وصور الشهداء وأعلام الأحزاب الفلسطينية

كأنهم ما زالوا هناك

عندما هجّر الفلسطينيون من مدنهم وقراهم عام 1948، ربما لم يستطيع الكثير منهم حمل كلّ الأشياء التي تعزّ عليهم، ولم يسعف الوقت بعضهم لارتشاف كأس الشّاي التي فصل بينها وبين الامتلاء "نكبة"، وهناك احتمالٌ كبير أنّ أحدهم لم يستطع أن يجلس للمرة الأخيرة تحت الشجرة التي يحبها، ولكن، من المؤكّد أن جميعهم بلا استثناء استطاعوا فعل هذه الأشياء كلها في ذاكرتهم التي لم تخذلهم، ففي مثل هكذا حدث، تصبح الذاكرة سلّة برتقالٍ توضع فيها كلّ المواويل والعادات والتقاليد والفنون وحتى كأس الشاي.

في مثل هكذا حدث، تصبح الذاكرة سلّة برتقالٍ توضع فيها كلّ المواويل والعادات والتقاليد والفنون وحتى كأس الشاي.

لهذا، كانت الفعاليات الثقافية التي لطالما أقيمت في ذكرى النكبة، بمثابة الذاكرة المتحركة التي تنقل الفلسطينيين إلى البلاد دفعةً واحدة، تعيدهم إلى أغانيهم ومواويلهم وقصصهم ومأكولاتهم وحكاياتهم الناقصة، في تمثيلٍ واضحٍ لحياة كانوا مطمئنين فيها، وامتلكوا فيها حكايات مكتملة قابلة للروي في سهرة صيف، لأجل ذلك لم يتوقف الفلسطينيون حتى اليوم عن إقامة المهرجانات والفعاليات الثقافية في ذكرى النكبة، والتي ينصبون فيها الخيام، ويلبسون فيها الأثواب الخاصة بمدنهم وقراهم، ويشربون فيها الشاي، في تحدٍ مباشر للاحتلال الذي لا يتوقف عن الهدم والتنكيل بالهوية الفلسطينية، فهكذا فعاليات تساهم في تعزيز الهوية الفلسطينية وتحافظ على الارتباط الذي صنعته الذاكرة مع البلاد البعيدة.

فعاليات رقمية مستمرة

لسنواتٍ طويلة لم يستطع الفلسطينيون أن يقوموا بحراك متكامل يجمعهم من جميع أنحاء العالم، وهذا بسبب توزّعهم الجغرافي المتباعد بعد وقوع النكبة، ولكن ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، أثّر بشكل مباشر على فعاليات ذكرى النكبة، وأدخل أسلوباً جديداً في مواجهة الرواية الصهيونية، كما أنه أضاف طابعاً نضالياً مختلفاً تماماً، ويمكن القول إن تأثيره كان مفاجئاً خلال السنوات الأخيرة، لاسيما مع قدرة هذا الفعل على اختراق جميع الحدود والوصول إلى أعداد غير محدودة من البشر حول العالم.

لهذا، باتت الفعاليات الرقمية التي تتم عبر منصات فيسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها، حاضرة وبقوّة كلّ عام في إحياء ذكرى النكبة، حيث عكف الفلسطينيون على إطلاق الحملات الوطنية والفعاليات الثقافية عبر الإنترنت التي تسعى للتعريف بالمدن والقرى التي هُجّر أهلها منها، وقد لاقت هذه الحملات تفاعلاً كبيراً ومشاركة واسعة من الفلسطينيين على اختلاف أماكن تواجدهم، وعلى غرار المسيرات والمهرجانات، يتم الاعتماد على العلم الفلسطيني في هذه الفعاليات، بالإضافة إلى الاعتماد على صور توثّق النكبة وأخرى التقطت قبل النكبة بأعوام قليلة.

كانت الفعاليات الثقافية التي لطالما أقيمت في ذكرى النكبة، بمثابة الذاكرة المتحركة التي تنقل الفلسطينيين إلى البلاد دفعةً واحدة، تعيدهم إلى أغانيهم ومواويلهم وقصصهم ومأكولاتهم وحكاياتهم الناقصة

أساليب أخرى فاعلة

لم يقتصر إحياء الفلسطينيين لذكرى النكبة على المسيرات والمهرجانات والفعاليات الثقافية، بل امتدت أساليبهم لتصل إلى مناطق عميقة في الذاكرة، ولعل أبرز هذه الأساليب التي تعكّر صفو اليأس، هي المبادرات التي يتم إطلاقها لزيارة المناطق المهجّرة داخل الأراضي المحتلة، والتي غالباً ما يتم اختيار موعد الزيارة على أن يكون متوافقاً مع اليوم الذي سقطت فيه المنطقة المراد زيارتها، كما أن هذا النوع من الإحياء يلقى رواجاً كبيراً، لاسيما عندما يقوم من تبقى على قيد الحياة من المهجّرين بالعودة إلى الأماكن التي ولدوا فيها وعاشوا فيها أيام طفولتهم.

بالإضافة إلى ذلك، تطلق في كل عام مبادرات عديدة من قبل الأحزاب الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو الداخل المحتل أو مخيمات الشتات، لإحياء ذكرى النكبة عبر الأمسيات الشعرية والندوات التثقيفية والتعريفية والأعمال الفنية، فضلاً عن مشاريع العمل التي تستهدف الأطفال والأشبال لتعريفهم على بلادهم البعيدة، كما أن جزءاً من هذه الفعاليات والمبادرات باتت تركز على منح الفلسطينيين تذكرة عودة خيالية إلى البلاد، وتشمل كتابة القصص والمسرحيات والمؤتمرات والندوات وغيرها.

تكمن أهمية الطرق التي يعتمد عليها الفلسطينيون في إحياء ذكرى النكبة، على إبقاء سلسلة الأمل ممتدة على مدى السنوات الطويلة الماضية والآتية

جدوى مستمرة

تكمن أهمية الطرق التي يعتمد عليها الفلسطينيون في إحياء ذكرى النكبة، على إبقاء سلسلة الأمل ممتدة على مدى السنوات الطويلة الماضية والآتية، ويمكن القول إنّ الأساليب التي تم اتباعها أثبتت نجاحها، لاسيما مع مشاركة الملايين في ذكرى الإحياء كلّ عام، وظهور أشكال جديدة بشكل مستمر، فضلاً عن تحوّل مظاهر الإحياء إلى ممارسات عملية تنعكس على الأجيال القادمة، ويمكن إدراكها في السلوك الوطني بسهولة، ما يعني أنها تمتلك تأثيراً حقيقياً ومباشراً، وهذا يستدعي الوقوف أمامها وتأملها وتحليلها على الدوام، ليدرك التاريخ والعالم معنى أن يحمل إنسان ما – أي إنسان – وطناً كاملاً لـ 75 عاماً على التوالي.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard