شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
​​ليل ورباط حذاء… قِطَعٌ من 75 عاماً

​​ليل ورباط حذاء… قِطَعٌ من 75 عاماً

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 15 مايو 202310:34 ص

تندرج هذه المادة ضمن ملف "75 عاماً من النكبة... الحلم وسط المأساة"

دون أن أدري، قرفصت واحتضنت رأسي بعد أن سمعت الصوت، وهيّأت نفسي للحدث الذي يليه: لحظة الانفجار، لكنها لم تأت. ثم تذكرت: أنا خارج غزة، وهذا الصوت المرتفع ليس لطائرة حربية بل طائرة مدنية، لن تلقي طناً أو أكثر من المتفجرات كعادتها الكريمة.

كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها صوت طائرة مدنية، لكنها لم تكن كافية ليتحول الصوت إلى شيء مألوف بالنسبة لي. يأخذ الأمر مني بضع ثوان في كل مرة كي أتذكر أني لست في غزة، وأنها ليست طائرة حربية، وأنها لم تأت لِتَقصف.

مع ذلك، أفكر في الوضعية التي يتخذها جسدي دون دراية في كل مرة، محاولاً الاحتماء. لماذا صارت هذه الحركة اللا إرادية جزءاً مني؟ هل لهذه الحركة جدوى أصلاً؟ ولماذا أنا فقط من تحطمت هدأة رأسه في غمضة عين، بينما الآخرون يمشون كأن لا شيء يخترق آذانهم؟

ليل طويل

تتذكر جدتي يوم رأت والدتها مريم طريق اللجوء للمرة الأخيرة. كانت ليلة معتمة، لا ضياء فيها، سوى ما تسقطه فوهات البنادق من خيوط نارية بين الحين والآخر. جمعت مريم وزوجها سعيد أبناءهم، بعد أن حاصرت العصابات الصهيونية قرية سمسم التي تقع على بعد 15 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من غزة، وعبروا مع المئات الآخرين من سكان القرى المجاورة الطريق ذاته الذي يوصلهم إلى غزة. قطع الأهالي هذه الطريق خمس مرات، قبل هذه الليلة.

دون أن أدري، قرفصت واحتضنت رأسي بعد أن سمعت الصوت، وهيّأت نفسي للحدث الذي يليه: لحظة الانفجار، لكنها لم تأت. ثم تذكرت: أنا خارج غزة، وهذا الصوت المرتفع ليس لطائرة حربية بل طائرة مدنية، لن تلقي طناً أو أكثر من المتفجرات كعادتها الكريمة

على مدار عام وأكثر، حاصرت العصابات الصهيونية المسلحة جيداً، قرية سمسم والقرى المجاورة لأكثر من خمس مرات، في فترات مختلفة. لم تكن النكبة الفلسطينية حدثاً خاطفاً بل استمرت لنحو عامين، استخدمت خلالها العصابات الصهيونية الاستراتيجية ذاتها مع قريتي سمسم. كانت تهجم فجراً على القرى وتترك لفوهات البنادق والمدافع مهمة تحديد مصير أهالي القرى: راوغت أجساد البعض الرصاص وأكملوا رحلتهم في الهروب، وآخرين كانوا أقل حظاً فقتلوا.

كانت العصابات الصهيونية تحدّد وقت الهجوم فجراً بغية مضاعفة الرعب. تحاصر القرى، وتوكل مهمة إيقاظ الناس لبنادقها ورشاشاتها ومدافعها التي تدوي في الآذان، فتتحرّك أقدام الناس في هلع وتيه. يمزقون عتمة الشوارع بحثاً عن حيّز أمن، وبعضهم غرقت أقدامهم في الدم قبل أن يصلوا.

قبل الليلة الأخيرة - الليلة الخامسة، قطعت جدتي وعائلتها هذه الطريق الواصلة إلى غزة أربع مرات. كانوا يقضون يوماً أو يومين أو أسبوعاً ثم يعودون إلى قريتهم وبيوتهم، بعد أن تنسحب العصابات الصهيونية. "لكن هذه الليلة مختلفة"، كانت تقول جدتي بنبرتها الهادئة التي تعكس ألماً عميقاً في نفسها.

لم يكن سكان قرية سمسم والقرى المجاورة يدرون أن هذه الليلة آخر ليلة تبصر فيها أعينهم ملامح قريتهم التي ستهدمها العصابات لاحقاً فوق بعضها، وأن الطريق الذي تقطعه أرجلهم الآن، سيمسي طريقاً آخر لا تألفه أقدامهم، لذا تركوا أغراضهم في بيوتهم فجر يوم 15 مايو/أيار من عام 1948، ومشوا مُوعودين بعودة قريبة.

كانت جدتي تتذكر تلك الليلة كأنها حدثت يوم أمس. على الأرض طاردت الآليات والجنود الناس، ومن السماء كانت الطائرات الحربية تلقي براميل متفجرة. ليس بعيداً عن قريتها، سمعت مريم هدير الطائرات الحربية، فرفعت يديها فوق رأسها محاولة الاحتماء، لكنها فقدت بصرها، وقتل ابنها وأصيب آخر، وأصيبت ابنتها عزيزة - جدتي - في رأسها، بعد أن أسقطت الطائرة برميلاً متفجراً قربهم. أكملت مريم ما تبقى من حياتها عاجزة عن الرؤية. أجفان مغلقة ومشوهة لا تبصر غير ليل طويل لا ينتهي، كليلة التهجير الأخيرة.

لم يكن سكان قرية سمسم والقرى المجاورة يدرون أن هذه الليلة آخر ليلة تبصر فيها أعينهم ملامح قريتهم التي ستهدمها العصابات الصهيونية لاحقاً فوق بعضها

كانت جدتي تخبرني أن عائلتها كانت محظوظة بما يكفي لأنها واجهت مصيرها مجتمعة، ففي غضون عدوانية الهجمات، كانت بعض العائلات تنسى أبناءها، أو يؤخذون منهم عنوة بعد أن يجري حصارهم في حيز ما، بغية إبعاد الشباب المؤهلين لتشكيل خطر أمني على العصابات، وآخرون كان يتوهون في زحام الأقدام الراكضة، كعمتي فتحية التي تاهت عن والدتها آنذاك، وظنّ الجميع أنها قتلت، إلى أن تجمعوا في غزة، أرض اللجوء الجديدة.

تحولت ساعات الفجر لكابوس رافق جدتي لسنوات طويلة، كانت تدحرج جسدها وتنهض مرعوبة، وتضع يديها على رأسها محاولة الاحتماء من شيء داهم، كأنها تخشى أن يتكرّر الأمر. الحركة ذاتها، فعلها ابن عمتي الشاب فخر، قبل أن يُستهدف عصر يوم من أيام حرب 2014، بصاروخ من طائرة إسرائيلية، ويقتل.

تحولت ساعات الفجر لكابوس رافق جدتي لسنوات طويلة، كانت تدحرج جسدها وتنهض مرعوبة، وتضع يديها على رأسها محاولة الاحتماء من شيء داهم، كأنها تخشى أن يتكرّر الأمر. الحركة ذاتها، فعلها ابن عمتي الشاب فخر، قبل أن يُستهدف عصر يوم من أيام حرب 2014، بصاروخ من طائرة إسرائيلية، ويقتل

أتذكر اللحظة التي نظرت فيها إلى جسد فخر، ورأيت يديه المشوهتين، كأنه حاول أن يحتمي بهما. الحركة نفسها التي أجدني في كل مرة أفعلها دون أن أدري، وأتحسّس بعدها جسدي لأتأكد أني على قيد الحياة. حتى الآن، بدا أن الحظ فقط من لعب لعبته معي، ففخر وعائلة جدتي فعلت الحركة نفسها. كلهم حاولوا الاحتماء، لكن أحداً لم ينجُ، ومن نجى لم تكن نجاة كاملة وحقيقية.

بدا أن هذه الوضعية قد تحولت إلى جرسّ يرن في أذني ويذكرني أنها جزء من هويتي الفلسطينية المرتابة دائماً، القلقة من شيء قد يحدث. كأنها زَرعُ النكبة الذي نبت فينا.

رباط حذاء: انعكاس النكبة فيّ

يتدافع المسافرون للخروج من باب الطائرة فور وصولهم إلى المطار، يمشي بعضهم على عجل، وآخرون يهرولون بغية الوصول إلى مكاتب الختم والتأشيرات، ثم الخروج سريعاً من المطار. وأنا بينهم، أتحسّس رباط حذائي، وأتركهم يجتازوني بسهولة. أنظر إلى أقدام المسافرين، يرتدي معظمهم حذاء رياضياً مثليّ. يهرولون في المطار دون أن يخطر على بال أحدٍ منهم أن هناك من يُسائل رباط حذائه. أتدارى في ممرات المطار، بغية تأخير الوقت قدر الإمكان، وعبثاً أنجح. يمسكني رجل الأمن في المطار، يطلب جواز سفري، ويأمرني بالإسراع إلى المكتب. تظهر الشاشات المتدلية من السطح، مواعيد الرحلات الجوية في المطار، تلتقط عيني ما يثير حنقها: "القاهرة - تل أبيب".

يتفحص الموظف الجواز، وأنا أبحث حولي محاولاً تخمين المكتب الذي يطبع تذكرة الطيران للمسافرين من القاهرة إلى تل أبيب. ينتهي الموظف، يطبع عبارة "ترحيل" على الصفحة. يأمرني بلهجته الحازمة، بينما يحتفظ بجواز سفري: "إوقف هناك!". كنت أول فلسطيني من غزة يصل مطار القاهرة تلك الليلة.

يتفحص الموظف الجواز، وأنا أبحث حولي محاولاً تخمين المكتب الذي يطبع تذكرة الطيران للمسافرين من القاهرة إلى تل أبيب. ينتهي الموظف، يطبع عبارة "ترحيل" على الصفحة. يأمرني بلهجته الحازمة، بينما يحتفظ بجواز سفري: "إوقف هناك!". كنت أول فلسطيني من غزة يصل مطار القاهرة تلك الليلة

تأكلني الذكريات والمقاربات وأنا أنتظر في الحيز المخصص. تتحرّك الأقدام بسرعة متبجحة بقدر الراحة التي يوفرها الحذاء الرياضي. "ليتني مثلهم" أقول في نفسي. ينادي عليّ رجل الأمن. يدخلني في ممر جانبي، ثم يأمرني بخلع حذائي وحزام الخصر، وأن أضع هاتفي في شنطة. الأرض باردة، أسأل رجل الأمن لو بإمكاني أن أدخل بحذائي، يرد بحزم: "لا! لو عايز تشيل الرباط ممكن".

يفتح باب غرفة الحجز. فتنتفض الوجوه والأجساد المتمدّدة على الأسرة. أدخل حافياً، والعيون تحدق فيّ. يظهر صوت من بينهم: "غزاوي؟"، أجيبه: "آه.. انتو غزاوية؟"... كلنا غزاوية.

ظل عنوان الرحلة الجوية من القاهرة إلى تل أبيب يتردّد في مخيلتي كأن الرؤوس التي أنظر إليها في غرفة الحجز شاشات تعرض الرحلة. أسند ظهري إلى حائط الغرفة وأتذكر أحاديث جدتي حين كانت العصابات الصهيونية تدفع الناس إلى منطقة مكشوفة، لتحديد من يجب ترحيله. الأمر ذاته أعيشه الآن. بعد نحو 10 ساعات في غرفة الحجز، نخرج. نصطف كأننا في طابور مدرسي، وعلى مقربة منا يجادل شاب فلسطيني من غزة رجل الأمن ويسأله السماح بدخول مصر مع زوجته الأجنبية التي تحمل طفلهما، لكن عبثاً ينجح. يُسمح لزوجته وطفله بالدخول، ويرفض هو كما كل الشباب.

تختلط في ذاكرتي الأصوات: قبل نحو 75 عاماً من يا ترى وضع في الموقف ذاته؟ أسمع صوت الطائرات، يهتز بدني. يسمح لنا باستعادة أحذيتنا وأغراضنا. أرتدي حذائي، وأمرن قدمي. نمشي واحداً بعد الآخر إلى باص الترحيل الذي سينقلنا إلى غزة. أبحث في شاشات المطار عن الرحلة ولا أجدها. ربما طارت الآن، أو حطت في مطار إسرائيلي. أنظر مجدداً إلى رباط حذائي، أسمع صوتاً من الطابور: "كل هذا عشان إحنا فلسطينية... آه لو ما انتكبنا بس!".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard