شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"نحدّ من إهدار الطعام ونحافظ على البيئة"... مصريّات يحترفن الطبخ المُستدام

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الثلاثاء 25 أبريل 202303:31 م

خلال سنوات قليلة، نجحت شيماء المقدم، ذات الثمانية والثلاثين عاماً، في احتراف الطهو المستدام وإعداد الأطعمة الصحية والصديقة للبيئة بطرق مبتكرة ومذاق لذيذ، لتجعل منه مشروعها الذي أطلقته عام 2018 وأسمته مطعم "أبريكوت فوود".

وتُعِد شيماء أطباقاً ووجبات نباتية مستدامة، تستعين في طهوها بمكونات بسيطة صحية، مستبدلة العناصر الغذائية الحيوانية بأخرى نباتية، والألبان الحيوانية بلبن اللوز والشوفان وغيرها من الألبان النباتية، وتقدم وصفات طعام جديدة تتنوع بين الحلويات ووجبات إفطار وغداء وعشاء وأخرى خفيفة "سناك"، مثل بسكويت الشوفان بالتمر، والأرز بالمكسرات مع الفاصوليا الحمراء بالفلفل، وكباب الفطر مع البطاطس، وشاورما الفطر، وفتة الفطر بالخل والثوم، وغيرها.

يستلهم الطهاة البيئيون أفكارهم من البيئة لصنع أطباق مبتكرة شهية وصحية وأكثر استدامة.

وبذلك تعتبر نفسها بأنها من "الطهاة البيئيين في مصر"، وهم طهاة يسعون لإضافة لمستهم إلى المطبخ المعاصر، مستلهمين أفكارهم من البيئة لصنع أطباق مبتكرة شهية وصحية وأكثر استدامة، عبر التفكير بمكونات جديدة لا تحظى عادة بالاهتمام ضمن قائمة مكونات الأطباق المعروفة.

وأخيراً اتجهت العديدات في مصر لطهو الأكلات الشعبية الصديقة للبيئة، واستخدام جميع أجزاء الحيوان أو الطائر في صنع أطعمة مستدامة، وإعادة تدوير الأطعمة المتبقية لصنع وجبات جديدة، والإقلال من استهلاك اللحوم والإكثار من تناول الخضر والفواكه والبقوليات.

صنع أكلات مستدامة

من هؤلاء رضوى، وهي مصممة أزياء لها من العمر 27 عاماً، تقول لرصيف22 إنها منذ عام تقريباً تسعى لاتباع ممارسات الطهو التي تراعي منشأ الخضر والفواكه والحبوب، وطرق زراعتها وعمليات الحصاد والمعالجة والتعبئة والشحن، حتى تصل إلى مطبخها ومن ثم إلى مائدة أسرتها.

وتضيف: "أشتري الخضار والفواكه الموسمية الطازجة ولا سيما العضوية منها، أما بالنسبة للحوم فلا أشتري الدجاج الأبيض الصغير السن (الكتاكيت) المحقون بالهرمونات بل الدجاج البلدي، ولا أشتري لحم البتلو أو الحيوان الصغير".

وتسعى رضوى للاستفادة من مختلف أجزاء الحيوان منعاً للهدر، فتستخدم الدهون والشحوم كبديل للسمن، وبجانب اللحم الأحمر تصنع أكلات من أحشاء الذبيحة مثل الكرش والطحال والرئتين (الفشة) والكبد والكلاوي ولحم الرأس والمخ واللسان، وحتى الذيل (العكاوي) والعيون (الجوهرة) ونخاع العظام وحوافر وكواحل العجول (الكوارع)، كما أنها لا تشتري لحوم الحيوانات البرية كالغزلان والنعام، ولا المخلوقات البحرية المهددة بالانقراض مثل خيار البحر، ولا الأسماك الصغيرة (الباساريا) ولا بيوض الأسماك (البطارخ والكافيار).

تسعى هنا لمكافحة هدر الطعام وتقليل حجم النفايات، فالطعام الفائض يُحفظ في الثلاجة لحين تسخينه وأكله في وقت لاحق، أو يُقدم لأحد المشردين كوجبة ساخنة، وبقايا الخبز والخضر المطهوة ترسلها لأمها التي تطعمها لطيورها الداجنة كالدجاج والبط والتي تربيها فوق سطح منزلها

وتتابع: "أحاول في مطبخي الحد من المنتجات الضارة بالبيئة، فلا أستعمل المواد البلاستيكية التي تُستخدم لمرة واحدة، بل استبدلها بالمواد القابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير، كأطباق الزجاج أو الكرتون المقوى، وبالنسبة للمنظفات فاستخدم الطبيعية والعضوية منها مثل الصودا والخل وقشور الموالح".

فصل المخلفات وتقليل النفايات

تسعى هنا، وهي ربة منزل ثلاثينية، لمكافحة هدر الطعام وتقليل حجم النفايات، فالطعام الفائض يُحفظ في الثلاجة لحين تسخينه وأكله في وقت لاحق، أو يُقدم لأحد المشردين كوجبة ساخنة، وبقايا الخبز والخضر المطهوة ترسلها لأمها التي تطعمها لطيورها الداجنة كالدجاج والبط والتي تربيها فوق سطح منزلها، أما عظام وجلود الدجاج والسمك فيطعمونها للحيوانات الضالة في الشارع.

وتستبدل هنا مناديل المطبخ بالورق الأبيض المتبقي من الكراسات المدرسية لأطفالها، بدلاً من إلقائها في النفايات للحد من قطع الأشجار، وتستبدل أكياس القمامة السوداء بأكياس مشترياتها من البقالية أو السوبر ماركت، وتستخدم أكياس العطارة والبقالة بعد غسلها وتجفيفها في حفظ الأكل في الثلاجة، للتوفير وتقليل النفايات البلاستيكية غير القابلة للتحلل، أما العلب الزجاجية فتستخدمها في المطبخ لحفظ التوابل والأكل، أو تبيعها هي والزجاجات والعلب البلاستيكية ليعاد تدويرها.

تُكثر أماني من الأغذية الخضراء في وصفات الطعام.

المزيد من الأغذية الخضراء

بدورها تُكثر أماني (40 عاماً) من الأغذية الخضراء في وصفات الطعام، قائلة لرصيف22: "أضيف للكفتة بجانب اللحم المفروم كمية من البصل والطماطم والبقدونس والفلفل والجزر المفرومين، وأضيف الكثير من البصل والبطاطس لقطع الدجاج أو الكبد والقوانص وكلى اللحم، وأكثر من البصل والفلفل والثوم في طبق الكبد، وبدلاً من فيليه الدجاج المقلي وشرائح البفتيك والكبد البانيه، أطهو فاهيتا الدجاج أو شيش طاووق، وأُكثر من البصل والفلفل الملون والطماطم، أو الشاورما مضافاً الطماطم والبصل، أو وجبة الكبد الإسكندراني مع الكثير الفلفل الأخضر والليمون والثوم، أو أقطع فيليه الدجاج لقطع صغيرة وأضيفه إلى المعكرونة بالباشميل أو الغلاش بالجبن، وأستخدم في كل تلك الوجبات نصف كمية اللحوم التي كنت أستخدمها عادة".

وتحرص أماني على عدم إهدار الطعام، فلا تلقي مثلاً بالبيض الذي انكسرت قشرته الخارجية في سلة المهملات، بل تستخدم محتواه في قلي الفيليه وعمل العجة بالخضار والدقيق أو الخبز، أما الخضار الذي بدأ يذبل كالخيار والجزر والفلفل والليمون والقرنبيط والكرنب والبصل، فإنها تحوله إلى مخللات، وكذلك الفواكه وبعض الخضر كالجزر، فتصنع منها مربيات قبل أن تفسد، وتصنع الصلصة من الطماطم التي بدأت بالذبول، مضيفة: "كميات الخضر البسيطة التي أشتريها وتبقى دون طهو، إما أحفظها في الثلاجة أو أصنع منها أكلات أخرى، كما تعلمت صنع منظفات ومعطرات من قشر الليمون والبرتقال واليوسفي".

ما المقصود بالطبخ المُستدام؟

يرتبط فن الطبخ المستدام بالحد من سوء التغذية وخفض هدر الغذاء، ودعم النظم المستدامة لتوزيع الأغذية وتحضيرها، مما يؤدي لتحسين الأمن الغذائي والتغذية، والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وخفض الضغط على الموارد من الأراضي والمياه وزيادة الإنتاجية وتحقيق النمو الاقتصادي.

الحد من النفايات يبدأ من السوق مع الحرص على الشراء على قدر احتياجاتنا، والتفكير في حجم المخلفات الناتجة عن مشترياتنا، ثم من المطبخ بأن نحرص على طهو الطعام على قدر احتياجنا، وندير الموارد، ثم نفصل المخلفات بهدف إعادة تدويرها

ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، فإن فن الطبخ المستدام يعني المطبخ الذي يأخذ في الاعتبار من أين تأتي المكونات، وكيف تزرع الأغذية، وكيف تصل إلى أسواقنا، وفي نهاية المطاف إلى أطباقنا.

كيف نجعل مطبخنا أكثر مراعاةً للبيئة؟

تجيبنا عن هذا السؤال الدكتورة سوسن العوضي، خبيرة علوم البيئة وتغير المناخ، وتشدد لرصيف22 على أهمية مكافحة هدر الطعام على المستويين البيئي والاقتصادي، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية وأزمة الموارد الغذائية العالمية، مُبينة أن الحد من النفايات يبدأ من السوق مع الحرص على الشراء على قدر احتياجاتنا، والتفكير في حجم المخلفات الناتجة عن مشترياتنا، ثم من المطبخ بأن نحرص على طهو الطعام على قدر احتياجنا، وندير الموارد، ثم نفصل المخلفات بهدف إعادة تدويرها، مشيرة لإمكانية شراء الأغذية التي شارفت صلاحيتها الانتهاء.

وتدعو العوضي إلى العودة للعادات الريفية القديمة للأمهات اللواتي لم يكنّ يهدرن الطعام، بل يخصصن يوماً بالأسبوع لأكل بقايا الطعام في الثلاجة، وإعادة تدويرها في صناعة أصناف جديدة، وما يفيض يُقدّمنه للطيور الداجنة، بجانب إعادة تدوير الثياب والمفروشات، واستخدام المخلفات الزراعية في صناعة أدوات للزراعة، وصناعة الفخار من الطمي، وهي العادات التي تغيرت مع أسلوب الحياة الجديد. وتضيف: "أعرف ربات منازل يقدمن الطعام الزائد لعمال النظافة وحُراس العقارات، أو يستخدمن بقايا الطعام كسماد زراعي وطعام للحيوانات والطيور".

كما تلفت إلى أهمية الإكثار من الغذاء الأخضر والإقلال من اللحوم التي تتسبب صناعتها في الكثير من الانبعاثات الكربونية وغاز الميثان.

ويرى الدكتور محمد فتحي سالم، أستاذ الزراعة الحيوية المستدامة بمعهد البحوث الوراثية بجامعة السادات والمستشار السابق لمنظمة الفاو بمصر، أن نمط الاستهلاك يمكن بكل تأكيد أن يساهم في تحقيق الأمن الغذائي أو العكس، لافتاً إلى كون مصر تستهلك ثلاثة أضعاف المعدل العالمي لاستهلاك القمح، وهو ما يسبب مشكلات سوء التغذية، بسبب الاعتماد على الخبز والطعام المطبوخ مقارنة بالفاكهة والخضر الطازجة، مضيفاً أن الأزمة الاقتصادية أجبرت كثيراً من المصريين اليوم على الحد من هدر الطعام.

ويعتبر سالم أن نمط غذاء المصريين وأساليب الطهو حتى أربعينيات القرن الماضي كانت أكثر استدامة، لكونها اعتمدت على الأغذية الطازجة الخالية من المبيدات، واستخدام الأواني الفخارية بدلاً من المعدنية، وقلة استخدام زيوت القلي، والاعتماد على الأكلات الشعبية كتناول القمح في الفطور ووجبات الفريك والعاشوراء والعدس، وأصناف الخبز المتنوعة التي كانت خالية من الجلوتين، ويضاف إليها الزعتر أو حبة البركة أو الحلبة، أما اليوم فطغى النمط الاستهلاكي السريع في المدن والريف على السواء.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard