شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
أن تعيش المساكنة وسط مجتمع عشائري...

أن تعيش المساكنة وسط مجتمع عشائري... "السرّية" وصفة الفرح لدى كُثر في شمال شرق سوريا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الاثنين 17 أبريل 202304:23 م

المجتمعات العشائرية كظاهر الأشياء، وربما الأشخاص أحياناً، إذ لا نرى منها سوى الجمال وقد يبهرنا بدايةً كل شيء فيها، لكن ما أن نغوص قليلاً في تفاصيلها، حتى نكتشف عيوبها التي لا تشبه ظاهرها؛ من إكرامهم ضيوفهم ونخوتهم مع الغريب قبل القريب، كأن نشاهد فيديو نُشر قبل نحو عامين على مواقع التواصل الاجتماعي لجريمة قتل مروعة لفتاة قاصر في شرق سوريا من قبل ذويها لرفضها الزواج بابن عمها ورغبتها في التمرد على العادات السائدة هناك، وأن تكون لها حرية اختيار شريك حياتها الذي أحبّت.

ذلك الفيديو الذي شاهده الملايين من الناس حول العالم، كان كفيلاً بإثبات الجانب المظلم في بعض المجتمعات التي يسودها الطابع العشائري حول العالم، ومنها بالتحديد، سوريا.

وعلى الرغم من تغيير قانون ما كان يُعرف بجريمة الشرف قبل الحرب لدى الحكومة السورية، وسنّ السلطات الموجودة في المنطقة بعد الحرب، قوانين تردع كل أشكال العنف ومنها العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يُقتل فيه الرجال والنساء على حد سواء، بدم بارد، بدافع الحفاظ على شرف القبيلة أو بحجة الثأر، لكنها لم تستطع إلى يومنا هذا إنهاءها بشكل كلي، أو على الأقل، الحد منها، في الكثير من المناطق.

المساكنة مصطلح ما زال مجهولاً بالنسبة إلى كثيرين، خاصةً أولئك الذين ما زالوا يتمسكون بالعشيرة

صوت العادات والتقاليد المفروضة على المنتمين إلى العشائر، أو أولئك القاطنين وسطها منذ مئات السنين، عادةً ما يعلو على جميع الأصوات، بما فيها صوتَي الدين والقانون، وبرغم كل التغيرات الإيجابية من خلال القضاء على بعض من تلك العادات إلى حد ما؛ كالإجبار على الزواج، أو حرية اختيار طبيعة العمل والملابس على حد سواء، لكن الأمر ما زال نسبياً بين قبيلة وقبيلة وعائلة وأخرى. وما لم يُسمح به على الإطلاق ويعاقَب من يخالفه بالموت من دون رحمة، هي ممارسة حياة جنسية خارج إطار الزواج، فكيف استطاع بعض من أفراد هذه العشائر/ القبائل اليوم، عيش تجربة المساكنة من دون نفي أو قتل؟

المساكنة وسيلة لممارسة الحب المرفوض!

المساكنة مصطلح ما زال مجهولاً بالنسبة إلى كثيرين، خاصةً أولئك الذين ما زالوا يتمسكون بقوقعتهم الصغيرة المتمثلة في العشيرة، لكن وبرغم جهل البعض به كمصطلح، فهم على دراية بعقوبة من تذهب إلى منزل أحدهم من دون زواج؛ فما بالكم بالعيش معه؟ هذا تحديداً ما جنّب جان وحبيبته، الإفصاح لأيٍّ كان عن حياتهما الخاصة، واختيارهما المساكنة كحل، في ظل رفض مجتمعي لزواجهما وعدم قدرتهما على تحدّي الواقع بسبب سطوة العشيرة، وعدم استقلاليته المادية حينها".

يقول الشاب العشريني لرصيف22: "كانت حبيبتي تعيش في السكن الجامعي، وأنا أقطن مع زملائي في شقة مؤجرة مشتركة، وكانت تزورني عندما يسافر زملائي ونجلس ساعات من دون أن يحدث بيننا أي شيء. كنا فقط نتحدث بحرية من دون نظرات الآخرين إلينا، إلى حين قررنا أن نستأجر منزلاً لنا نحن الاثنين وعشنا سنةً كاملةً مع بعضنا البعض في السرّ، وكان الجيران يعتقدون أننا متزوجان".

لم يعد مصطلح المساكنة في السنوات الأخيرة جديداً، خاصةً بعد انتشار هذه الظاهرة في العاصمة السورية دمشق، حيث أصبح الأمر متداولاً خاصةً بين صفوف طلاب الجامعات أو من اختار تلك المدينة ليستقر فيها ويستقل عن الضوابط والقيود المجتمعية التي تحيط به أو بها في مدنهم وقراهم البعيدة، ولطالما عُرفت المدن الكبيرة كملاذ آمن لمن يقطنها، ليمارس فيها حريته الشخصية من دون خوفٍ من العنف المجتمعي عليه أو خشيةٍ من النبذ أو حتى القتل، مثلما يحدث عادةً في المجتمعات التي يسودها الطابع الديني والقبائلي، تماماً كمجتمع جان وشريكته اللذين عاشا المساكنة لكن هذه المرة ليس بعيداً عنه، بل في وسطه وفي أنحاء شوارعه الضيقة.

جان المولود في الحسكة وشريكة حياته الآتية من الرقة، طالبان جامعيان من قوميتين مختلفتين، فهو كردي وهي عربية من شمال شرق سوريا. لم يكن صغر عمرهما حينها هو السبب الوحيد لعدم إقدامهما على الزواج، بل الاختلاف في القوميات الذي يمنعهما أو يعسّر تلك الخطوة إلى أجل ربما لن يأتي مهما حاولا، فكان خيار المساكنة أو العيش المشترك لممارسة حبهما على طريقتهما، من دون ذلك العقد الشرعي والقانوني، هو الخيار الأمثل.

"لماذا أُتعب نفسي وأُتعبها معي وطريقنا مسدود؟ أمي من سابع المستحيلات أن ترضى بزواجنا وأهلها لن يزوّجوها لشاب كردي، لكنني كنت أحبها إلى درجة الجنون، ولم أستطع تحمّل فكرة أنني لن أعيش معها وأستيقظ لأجدها بمحاذاتي. أحببتها إلى درجة أنني لم أطق فراقها. في الجامعة نحن طوال الوقت معاً، وخارجها نبقى لساعات طويلة نتمشى كالغرباء في الشوارع لكيلا يلاحظ أحد أننا مرتبطان. كنت أخاف عليها من ثرثرات الناس، وأتمنى أن أخفي حبي لها بيننا فقط، لأحميها من جلدهم لها بألسنتهم الطويل. لذلك كله قررنا أن نعيش معاً، بعيداً عن أعينهم، لكن لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق"؛ يقول جان.

كنت أخاف عليها من ثرثرات الناس، وأتمنى أن أخفي حبي لها بيننا فقط، لأحميها من جلدهم لها بألسنتهم الطويل. لذلك كله قررنا أن نعيش معاً، بعيداً عن أعينهم، لكن لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق

وهو يروي عن حياته مع حبيبته أسيل (اسم مستعار)، يبدو كأنه يحكي عن قصة حب مجنونة دامت لفترة وكأنها ستبقى معه طوال حياته. يقول: "عشنا سنةً كاملةً ولم نمارس الجنس بشكل كامل. لم أجرؤ على ذلك لأنني أعلم أنهم سيقتلونها إذا فقدت عذريتها. هي الآن متزوجة ولديها طفل وأنا أيضاً تزوجت وزوجتي حامل".

يبتسم وهو يتحدث عن كيف صادفها في الطريق قبل بضعة أشهر، في مدينتهما الحسكة. لم يتحدثا كونها كانت برفقة قريبتها. كانت نظراتهما هي التي تتحدث، وقد فهم من خلال بعض الإشارات ألا يقترب منها. بقيا من بعيد يتبادلان نظرات تقول الكثير. برأيه، "المساكنة كانت أجمل سنة في عمري، لكنه المجتمع، ولربما أنا كنت جباناً، وما زلت. أنت أوّل شخص يسمع بقصّتنا، فأنا لا أستطيع قول الحقيقة لأحد، لن يقتلوني كما يفعلون بالنساء، لكنني سأصبح منبوذاً ولا أحد سيقبل بتزويجي ابنته".

أن نتسلى... فنعيش المساكنة!

"التسلية، الاستمتاع، والمتعة، ما هي إلا كلمات تسوقنا إلى السعادة ولو للحظات، فلماذا نعدّ من يتخذ علاقةً عاطفيةً من باب التسلية كما يقال، بأنه شخص سيئ؟ ولماذا نحكم عليه ونضعه في قوقعة الرجل غير المسؤول أو الفتاة العاهرة؟ أليس ما نفعله من عمل ودراسة وعلاقات اجتماعية وأخرى عاطفية، وإنجاب أطفال أيضاً، من باب التسلية بشكل من الأشكال؟ لماذا نضع من يعيش في علاقة مساكنة مع شخص آخر، بحب أو من دونه، بأنه يتسلى وبأن ما يقوم به فعل شنيع؟ ألا يحق لهم أن يستمتعوا كما الآخرين؟".

هذا كان جواب تسنيم (اسم مستعار)، عندما حدثتني عمّا تعيشه الآن مع زميل لها في العمل في مجتمع عشائري أيضاً، لكن هذه المرة لم يكن اختيار هذا الشكل من الحياة والتحدي للعادات المفروضة، بدافع الحب أو عدم القدرة على الزواج، لأسباب قومية واقتصادية كما جان وحبيبته، بل كانت التسلية، والاستمتاع، ببساطة، هما الدافع.

تعتقد تسنيم الثلاثينية، وصديقها، المولودان واللذان يعيشان في الحسكة، أن مؤسسة الزواج فاشلة، وإن لم تنتهِ بالطلاق فإنها ستجبرهما على تحمّل ما لا يطاق خوفاً من جلد المجتمع الذي في غالبية الأحيان يعدّ المطلقة سيئة السمعة، والرجل المطلق يتعرض للّوم ويصبح أقل كفاءةً من العزب، ولعل نظرية السرّية في العلاقة هي أيضاً ما قد سمح لكليهما بالعيش بحرية وبسعادة.

لطالما عُرفت المدن الكبيرة كملاذ آمن لمن يقطنها، ليمارس فيها حريته الشخصية من دون خوفٍ من العنف المجتمعي عليه

يقول شريكها إبراهيم (اسم مستعار): "كل شيء في السرّ جميل، هم يمنعوننا من ممارسة حياتنا بحرية، إذاً سنعيشها بعيداً عنهم وعن معاييرهم. لهم الظاهر فقط. الكل هنا يفرّغون كبتهم الجنسي بشكل أو بآخر، مثل أن يتزوج أحدهم إحداهن إن استطاع حتى وإن لم يربطه بها شيء، فكم من حياة زوجية نظن أنها سعيدة من خلال الصور والمظاهر الفارغة التي تُفرض على من يعيش في مجتمعنا، أو أن يعيش لليلة واحدة مع إحداهن ولن يكررها غالباً، لأنه سيشعر بأنها فتاة رخيصة، إذ دخلت معه إلى شقة خلسةً ويخيل إليهما أن ضربات قلبهما تكاد تُسمع من جميع من في الحي".

برأيه، "الحب والزواج لا داعي لهما، والحرية في اختيار الحياة والشريك الذي نسكن معه هي طريق من طرق السعادة الحقيقية، البعيدة عن مراسم الزواج والشروط التعجيزية له من طلبات مادية كبيرة وأخرى متعلقة بالأعراف وغيرها. ببساطة علينا ألا نحصر العلاقات بالحب أو العقود، ونختار طريقة العيش التي نحب وفقط".

تعيش تسنيم وشريكها في شقة سكنية في بناء شبه خالٍ من سكانه الذين هجروه إلى بلادٍ الحرية فيها حق طبيعي. لم يتعرضا يوماً لكلام من المحيط، لاعتقاد من يراهما بأنهما شقيقان بسبب الشبه بينهما في الشكل أيضاً، ولأن سرّية العلاقة بينهما كانت وما زالت أشد ما يحرصان عليه، ليس من باب الخوف فقط، بل لاستمرارية العلاقة ونجاحها كما يذكر إبراهيم.

"لن تتحوّل إلى ظاهرة"

لا تعتقد الباحثة في علم النفس الاجتماعي مروى العلي، في حديثها إلى رصيف22، أن "وجود حالات فردية تعيش المساكنة في المجتمعات التي يسودها الطابع العشائري، يعني أنها ستتحول إلى ظاهرة كما في المدن الكبرى، أو تلك التي تعطي أفرادها حرية اختيار شكل الحياة".

تقول: "على الرغم من غنى المجتمعات العشائرية بباقة من الجوانب الإيجابية، وما لها من قيمة ثقافية عالية، إلا أنه يتوجب عليها الآن أن تواكب الحداثة، والتطور الذي حدث في العالم عموماً، خاصةً في العقد المنصرم. اليوم لدينا جيل عشائري جديد يحب انتماءه الذي يعطيه شعوراً بالفخر والأمان، لكن هذا الجيل يختلف في تفكيره عن السائد".

وتضيف: "الانفتاح على العالم، سواء عن طريق التكنولوجيا الحديثة أو من خلال اغتراب بعضهم أو فرد من ذويهم، جعل رؤيتهم تختلف بسبب معايشتهم حقوق الإنسان المحفوظة والحريات القصوى، هناك".

الحب والزواج لا داعي لهما، والحرية في اختيار الحياة والشريك الذي نسكن معه هي طريق من طرق السعادة الحقيقية، البعيدة عن مراسم الزواج والشروط التعجيزية له

تلاحظ العلي، التغيّر الإيجابي الذي طرأ على المجتمعات العشائرية مؤخراً، "فالوضع الحالي لم يعد كسابقه، إذا ما قورن بالوضع قبل عشر سنوات، حيث جرائم قتل النساء قلّت والقتل بدافع الثأر بات حالات تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، واليوم نرى نساء العشائر في كل مجالات العمل وأحياناً يتم توريثهن أيضاً، ونرى ملابس مواكبةً للعصر ومختلفةً عن تلك التراثية، برغم تعرّض مرتدياتها أحياناً للنقد، لكن لا يتم جلده/ ا نفسياً كالسابق، وبات التعليم أمراً مقبولاً في غالب الأحيان، وسفر الفتيات إلى مدن أخرى سواء للعمل أو الدراسة بات أمراً طبيعياً، وربما ساعد في تقبّله الوضع الاقتصادي السيئ الذي عمّ البلاد".

لكن، بالنسبة لها، "هذا لا يعني مطلقاً أن الأمر بات حتمياً، وأن كل هذا التغيير قد شمل الجميع، إذ ما زالت هناك حالات قتل وعنف أسري متمثلة في الضرب أو الإجبار على اتّباع ما يحلو للأهل، الذكور غالباً".

برأيها، "بقاء هذه الحالات من عنف وثأر وقمع يعود لسببين رئيسيين؛ أولهما القوانين غير الرادعة والتي من واجبها حماية أفراد المجتمع، والسبب الثاني هو عدم تضحية الفرد المنتمي إلى تلك المجتمعات بوجوده بينها رغبةً في ممارسة طبيعته البشرية وحبه للجموع، فهو اجتماعي بطبعه وصراعه للبقاء في الحياة وخوفه من الموت أمران فطريان منذ بدء الخليقة، كأن لا يُقتل كما يحدث مع من تمارس الجنس من دون عقد زواج".

وعليه، "لا أتوقع أن المساكنة على سبيل المثال لا الحصر، ستكون مقبولةً في المجتمعات العشائرية في القريب العاجل"، تختم العلي. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

خُلقنا لنعيش أحراراً

هل تحوّلت حياتنا من مساحةٍ نعيش فيها براحتنا، بعيداً عن أعين المتطفلين والمُنَصّبين أوصياء علينا، إلى قالبٍ اجتماعي يزجّ بنا في مسرحية العيش المُفبرك؟

يبدو أنّنا بحاجةٍ ماسّة إلى انقلاب عاطفي وفكري في مجتمعنا! حان الوقت ليعيش الناس بحريّةٍ أكبر، فكيف يمكننا مساعدتهم في رصيف22، في استكشاف طرائق جديدة للحياة تعكس حقيقتهم من دون قيود المجتمع؟

Website by WhiteBeard