شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
قرية المناشف وليلتي فيها

قرية المناشف وليلتي فيها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

الأربعاء 5 أبريل 202302:02 م

دخلتها ليلاً للمبيت، لأستكمل رحلتي صباحاً نحو بلوشستان، لكن شوارعها المبلّطة وأزقتها الضيقة الملتوية بين منازلها المبنية على تل، وإضاءة بيوتها وهي كالمدارج شيئاً فوق شيء، أبرزت لوحة فنية من قرى إيران الشهيرة، حفّزت فيّ الفضول لأنني حططتُ الرحال في موقع أثري وبيئي جميل من دون أن أعرف.

لم أجد في مدينة بيرجند، شمال شرق إيران، "هوستيل" أو غرفة غير مشغولة، والفنادق كانت باهظة الأسعار. وبعد بحث في موقع إيراني مخصص للنُزل البيئية الريفية، تعرفت على واحد منها، وكانت كلفة الليلة الواحدة فيه لكل سائح مع وجبة فطور، دولارين.

كان العنوان في قرية خُرَاشاد على بعد 20 كلم من بيرجند. قطعت المسافة مع صديقيّ أمير وسعيد، ورابعنا كلبنا "سكاي"، حتى وصلنا إلى منزل مكوّن من طابقين، تحيط به الغرف وتتوسطه النافورة؛ إنه طين وطابور وخشب، مع ماء قناة عذب، وأثاث على طراز قديم.

استوقفتنا حرارة الترحيب في ليلة ربيعية جميلة من الشقيقتين إلهة ومليحة، اللتين حوّلتا منزل جدهما الرائع إلى نُزل للسياح. إلهة هي الأخت الكبرى والعزبة، تكشف ملامحها أنها في الـ36 من عمرها، وقد جاءتها فكرة تحويل منزل جدّها إلى مبيت للسياح، من رحلاتها وجولاتها حول البلاد وبعض الدول المجاورة. وبرغم أنها موظفة حكومية في مدينة بيرجند، إلا أنها تفضّل السكن في القرية في بيت والدها الذي يبعد قليلاً عن مكان إقامتنا.

تُلقَّب القرية، بقرية النخبة الإيرانية، لأن معظم أبنائها أصبحوا من الشخصيات العلمية على صعيد البلاد، ويعود ذلك إلى تأسيس مدرسة فيها قبل مئة عام، وهي ضمن القرى الأولى التي حرصت على احتضان مدرسة لأبنائها

أما مليحة، الأخت الصغرى، فهي متزوجة ولها طفل، ولم تزُر أماكن كثيرةً على غرار شقيقتها، ولا تفضّل العيش في القرية لكنها مرغمة على ذلك بحكم زواجها من أحد أبناء القرية.

نظرتان متصادمتان

كنا نحن المهووسين بالقرية والسماع عنها، نقع بين نظرتين متصادمتين حول أهمية العيش في القرية، فإلهة تبرز لنا الجانب الجميل من القرية بعد تجربتها الطويلة من الأسفار والعيش في المدينة، ومليحة تؤكد على مساوئ الحياة فيها.

تعاطفنا مع حديث إلهة، حينما كانت تخبرنا عن القرية والسياحة فيها التي تدرّ ثمارها على معظم السكان، وزيارة السياح الأجانب، والذكريات الجميلة مع السياح عند الحجر الصحي في عهد كورونا. وقبل أن تتركنا الشقيقتان في المنزل، أخبرتنا عن سوق الجمعة في ساحة القرية، وهو سوق يجتمع فيه الأهالي لبيع بضائعهم ومصنوعاتهم اليدوية.

نزلنا في الصباح لنتجول في خُراشاد، ويعني اسمها باللغة الفارسية القديمة، "مكان شروق الشمس"، وهي قرية ليست صغيرةً وعدد سكانها نحو ألف نسمة، تجول في شوارعها سيارات السياح الذين يتوافدون لقضاء عطلة آخر الأسبوع في فللها الواقعة في أعلى نقطة من التل. تحمّسنا كثيراً للوصول إلى موقع السوق، فدخلنا ساحة مستطيلة الشكل أمام جامع القرية، حيث يفرش الأرض رجال في العقد الخامس من العمر، يبيعون الحبوب والأعشاب الطبية، وسلّالاً من حصير وأعواد الأشجار وبعض المحاصيل الزراعية الخاصة بتلك البيئة.

وعبر ممر بطول مئة متر، وصلنا إلى ساحة دائرية الشكل في حدود خمسمئة متر مربع، تحيط بها محال بواجهات قديمة ومناضد مليئة بالمنتوجات الملونة، ولكن ما شدّ انتباهنا هي الموسيقى التقليدية والرقص المحلي وسط سوق الجمعة.

الرقصة المحلية

يقف رجلان بزيّ تراثي يتكون من عمامة وقميص طويل بلون أبيض، وسترة وسروال عريض أسود، فيقرع أحدهما على الطبل، وينفخ الآخر في البُوق، ليخلقا معاً عزفاً يطرب الجميع، وفي الساحة أربعة رجال يرقصون رقصتهم الشعبية المليئة بالتفاصيل والحركات المختلفة، في عرض فني استقطب الجميع لفترة نصف ساعة.

تُعرف خُراشاد بمهنة "تو بافي"، وتعني حياكة المناشف والملابس بشكل تقليدي.

لم يكن الرقص في كل جمعة، بل في أيام جمعة خاصة من السنة التي تصادف الأعياد الدينية أو الوطنية. جلّ سكان القرية كانوا هنا، يرحّبون بالضيوف، ويوزعون القهوة الصباحية مع الحلويات، أما النساء والأطفال فيبيعون الألبان والكشك والحمضيات والمخللات والحلويات وعرق الأعشاب. وكالعادة الآش، ذلك الحساء الإيراني الشهير الذي تختلف نكهته من مكان إلى آخر، حاضر في سوق الجمعة.

كما أن هناك أناساً بأعداد كبيرة أتوا من المدن المجاورة لشراء ما يحتاجونه من بضائع عضوية من القرية، في ظل أجواء ريفية بسيطة مع طقس ربيعي ورذاذ المطر والبسمة التي لا تفارق صغيرهم ولا كبيرهم.

مهنة "تو بافي"

ثمة غرف ومناضد في الساحة تبيع مناشف قماشيةً من القطن والحرير والصوف، إذ تُعرف خُراشاد بمهنة "تو بافي"، وتعني حياكة المناشف والملابس بشكل تقليدي.

الجميل أن من يرتادون السوق بإمكانهم مشاهدة هذه الورش التي تعمل على الحياكة بأدوات تقليدية، والتي يصل عددها إلى نحو 70 ورشةً، وهو عمل نسائي بحت احتفظن به على مر الزمان حتى وصل إلى اليوم الذي اعترفت به منظمة اليونسكو.

ضمّت اليونسكو قرية خُراشاد، إلى القرى العالمية في المهن اليدوية سنة 2018، بعدما سجلتها إيران كقرية وطنية تراثية في مجال حياكة المناشف، وهي تصدّر المناشف إلى دول كسويسرا وألمانيا وفرنسا وغيرها.

وبعد تسجيل تراث القرية دولياً، حرصت إدارتها على رفع تمثال كبير في مدخل القرية، لامرأة تحيك المناشف بأدوات تقليدية، كما رفعت على جدرانها لوحةً لامرأة أخرى تعمل في "تو بافي". وبرغم جهوزية القرية وتوفير كل ما يحتاجه السائح فيها، إلا أنها تعاني من فقر الدعاية والترويج، لذا لم يعرف عنها كثيرون.

موجة هجرة عكسية

هي واحدة من الأمثلة النادرة في المناطق الريفية الإيرانية، كونها لم تشهد هجرة سكانها نحو المدن، بل إنها تستقبل سنوياً سكاناً جدداً يحلّون عليها ضيوفاً دائمين أو موسمين، معظمهم من السكان القدماء الذين تركوها في الماضي، كـ"إلهة" التي دشّنت مع أختها مشروعاً اقتصادياً.

يبدو الأمر كما لو أنك حفرت جزءاً من الجبل، ووضعت فيه عشرات القطع من خشب أشجار التين والكرز والجوز والزيتون والصنوبر من ضواحي القرية؛ هكذا كان محل النجّار الذي وضع على منضدته تحفاً فنيةً كان قد صاغها من الخشب

وتُلقَّب القرية، بقرية النخبة الإيرانية، لأن معظم أبنائها أصبحوا من الشخصيات العلمية على صعيد البلاد، ويعود ذلك إلى تأسيس مدرسة فيها قبل مئة عام، وهي ضمن القرى الأولى التي حرصت على احتضان مدرسة لأبنائها.

قضينا نصف نهار فيها، ثم خرجنا على أمل العودة إليها. وبعد خمسة أيام عدنا مجدداً بقصد التمتع بأجوائها التي لا تُملّ، فكان نصيبنا فيها ليلةً أخرى، ولكن لم تكن في يوم جمعة، وفي غياب السوق الشعبي، حرصنا على أن نتجول في محل نجّار القرية.

يبدو الأمر كما لو أنك حفرت جزءاً من الجبل، ووضعت فيه عشرات القطع من خشب أشجار التين والكرز والجوز والزيتون والصنوبر من ضواحي القرية؛ هكذا كان محل النجّار الذي وضع على منضدته تحفاً فنيةً كان قد صاغها من الخشب.

وبرغم أننا نسينا أن نشتري في المرة الأولى من سوق الجمعة، لكثرة انشغالنا وتمتعنا بالموسيقى التراثية والحديث مع الأهالي، إلا أننا حرصنا على شراء مناشف ومصنوعات خشبية كهدايا تذكارية تذكّرنا بتلك القرية التي انطبعت في مخيلتنا حتى أننا وعدنا أنفسنا بأن نزورها كلما سنحت لنا الفرصة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard