شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
أُعجب ابن بطوطة والفرنسيون بمدينة تُستر الإيرانية... ما السبب؟

أُعجب ابن بطوطة والفرنسيون بمدينة تُستر الإيرانية... ما السبب؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب نحن والبيئة

الأحد 13 نوفمبر 202212:48 م

"وصلت مدينة تُستَر... يحيط بها النهر المعروف بالأزرق، وهو عجيب في نهاية من الصفاء شديد البرودة في أيام الحر، ولم أر كزرقته إلا نهر بلخشان... وعلى جانبي النهر البساتين والدواليب. والنهر عميق... والفواكه بتُستر كثيرة، والخيرات متيسرة"؛ هكذا وصف الرّحالة وعالم الاجتماع ابن بطوطة مدينة تُستَر (أو "شوشتَر" كما تشتهر حالياً في إيران) الواقعة جنوب غربي إيران في عشرينيات القرن الـ13 الميلادي، وصف ما زال دالّاً على هذه المدينة إلى يومنا هذا. تقع هذه المدينة على مسافة 85 كم من شمال محافظة خوزَستان (المعروفة غالباً بالأهواز)، ومسافة 15 كم من مدينة شوش (سوس) الأثریة.

جمال المدينة وأراضيها الخصبة وخيراتها المتعددة، إلى جانب تدفق آلاف السياح سنوياً لرؤية معالمها السياحية العالميّة، يشير إلى عراقة تستر، وثقافتها الزراعية والصناعية، وبيئتها الخصبة التي صنعها الأهالي منذ القدم.

تقع تستر في بداية تدفق نهر كارون، والذي يجري من عيون ماء سلسلة جبال زاجرس، فأراد الإيرانيون أن يعمّروا الأرض عبر هذا النهر الذي كان يُعدّ من أطول أنهار البلاد، وقد عملوا على إنشاء قنوات ضخمة لتحويل المياه إلى هذه المجموعة التي تعرف اليوم بالنظام الهيدروليكي المائي.

أنهى الإيرانيون في القرن الثالث الميلادي صناعة مجموعة الهياكل المائية، وهي نظام هيدروليكيّ قديم يتألف من جسور وقنوات وأحواض ودواليب وأنفاق مياه وسدود وطواحين وشلالات، تعمل مترابطة لتحقيق أقصى استفادة من المياه

وقد أنهى الإيرانيون في القرن الثالث الميلادي وبعد عشرات السنوات من العمل الدؤوب، صناعةَ مجموعة الهياكل المائية، وهي نظام هيدروليكيّ قديم تبلغ مساحتها 50 ألف مترمربع، تتألف من جسور وقنوات وأحواض ودواليب وأنفاق مياه وسدود وطواحين وشلالات مترابطة بعضها ببعض، لتحقيق أقصى استفادة من المياه.


وتأتي هذه الاستفادة من المياه، لرّي الأراضي الزراعية وبساتين المدينة التي قدرة نحو 400 مليون مترمربع، إضافة إلى تحريك عجلة 50 طاحونة، وتأمين جزء من مياه شرب المدينة.

وكانت تؤمّن هذه المطاحن، الدقيقَ والأرز والحبوبَ للكثير من المدن المجاورة لتُستَر.

عيلاميون وسومريون ونبطيون وروم

ساهم، بمرور الوقت، كلٌّ من مهندسي الإمبراطورية العيلامية والسومرية والنبطية والرومّية إلى جانب الساسانية والإخمينية، في بناء هذا المشروع الصناعي الكبير في تستر، وقد كان مشروعاً بنائياً متناسقاً مع البيئة أو ما يعرف اليوم بالعمارة العضوية، فمواد البناء تشكلت من الصخور والطين والجير، مع فكرة هندسية معقدة وجميلة، تدفقت خلال القرون الأولى بعد الميلاد.

استطاع سكان مدينة تستر من العرب والفرس عبر هذا النظام المائي، والذي يُعدّ مثالاً على إبداع الإنسان، أن يزرعوا الأرض، ويغرسوا أنواعاً مختلفة من النباتات والأشجار، وينتجوا المحاصيل الزراعية. ويمثل هذا العمل الهندسي ثقافةً فنية تعود إلى قرابة 18 قرناً، والتي كانت وما زالت تعمل في خدمة التنمية المستدامة للمجتمع البشري وفقاً لبيئته الحضرية والطبيعية.

أكبر عمل صناعي قبل الثورة الصناعية

عندما زارت الرحالة وعالمة الآثار الفرنسية الشهيرة جين ديولافوا، مدينة تستر في نهايات القرن التاسع عشر، برفقة زوجها المهندس مارسيل دیولافوا، وصفت هذا النظام المائي بأنه أعظم مجمّع صناعي للمياه قبل الثورة الصناعية، واعتبرته من الروائع الفنية والهندسية الفريدة عالمياً.

في عام 1941، وبعد الثورة الصناعية التي دخلت إيران، بادرت الحكومة الإيرانية بإنشاء ثاني محطة إيرانية لتوليد الكهرباء على هذه الهياكل المائية، كما شرعت الدولة بوضع أجهزة مضخّات وأنابيب ضخمة لضخّ المياه إلى الأحياء السكنية البعيدة، وفي ذلك دلالة على فائدة هذا العمل الهندسي ونشاطه حتى بعد مرور قرون.

عندما زارت عالمة الآثار الفرنسية جين ديولافوا، مدينةَ تستر في نهاية القرن الـ19، وصفت النظام المائي في المدينة بأنه أعظم مجمّع صناعي للمياه قبل الثورة الصناعية، واعتبرته من الروائع الفنية والهندسية الفريدة عالمياً 

بقي نظام الري المتكافئ في مدينة تستر يعمل حتى يومنا هذا حيث يوفر الجزءُ السليم منه، مياهَ الشرب والزراعة للمدينة، بل وتخلق حركةَ المياه فيه منظراً خلاباً يقصده مئات السياح، مما دفع بمنظمة اليونسكو أن تصنفه ضمن قائمتها العالمية في حزيران/يونيو 2009.

"تحفة من الإبداع الخلاق"، عبارة وصفت بها منظمة اليونسكو النظام المائي في تُستر عندما أرادت أن تدرج هذه الهياكل المائية ضمن التراث العالمي، وقد صنفتها كعاشر أثر إيراني عالمي.

لوحة فنية على الأرض

ونظراً إلى أن سطح المدينة يرتفع 20 متراً على موقع النظام الهيدروليكي المائي، باتت تلقّب تُستَر بالمدينة التي تجري من تحتها الأنهار، حيث يبرز جمالها من خلال الشلالات التي تتدفق من المنحدرات الصخرية تحت منازل السكان، لتصنع لوحة فنية تسرّ الناظرين.

"كأنك تشاهد من الأعلى لوحة فنية رسمت على الأرض بإتقان"؛ هكذا يقول مهدي رعنايي لرصيف22 وهو يلتقط صوراً تذكاريةً من فوق الجسر المشرف على الهياكل المائية. أما رفيقه أمير شَهْباز فيحدثنا: "التعرف على هذا الموقع يبعث فينا روحَ الفخر بوطننا وهويتنا الإيرانية التي استطاعت قبل 1800 سنة من خلق مثل هذه التحفة".

الفخر الوطني الذي يصفه هذا الإيراني هو شعور نجده جلياً على وجوه معظم من قطعوا المسافات الطويلة لرؤية هذه "التحفة" كما يصفونها. ابتسامات عريضة وعيون متفتحة تلتقط المَشاهد يميناً وشمالاً، وكلمات متشابهة نسمعها في كلّ ركن وزاوية: "يا إلهي، ما أجمل هذا!"، "واو!"، "يالَه من مكان مذهل!".

وتأتي زيارة الهياكل المائية في شوشتر، في مقدمة جدول السياحة الذي يتبعه السياح والزوار من داخل وخارج إيران، أثناء زيارتهم للأهواز.

"تحفة من الإبداع الخلاق"، عبارة وصفت بها منظمة اليونسكو الهياكل المائية في تُستر، والتي صُنفت كعاشر أثر إيراني عالمي 

وقد دخل هذا المشروع الهندسي الفريد كتبَ وزارة التعليم كي تتعرف الأجيال على تراثها الفني، كما أُلِّفت عشراتُ الرسائل الجامعية والدراسات الأكاديمية المتخصصة حوله، وقد تم توثيقه عبر السينما الإيرانية وكاميرات تصوير الأوروبيين والإيرانيين.

أما التلوث المائي والجفاف الذي حلّ بإيران ومنطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة بات مصدرَ خطرٍ على الهياكل المائية التي قاومت المخاطر خلال قرون عديدة، فتسارعت وتيرة التدمير وقلت جمالية الشلالات نتيجة شحّ المياه، وهذا ما حذّر منه الكثيرُ من الخبراء والمهتمين.

ويدير المشروعَ الهندسي للحفاظ على هذه الهياكل مركزُ تراث شوشتر التابع لوزارة السياحة والتراث الإيراني، بيد أن الأمر يتطلب اهتماماً أكبر من الحكومة كي يبقى القسم غير المدمَّر منه يعمل بفاعلية أكثر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard