جائزة سنوية للابتسامة ونوادر أخرى ميّزت هذه القرية الإيرانية

الخميس 4 أغسطس 202206:48 م

يدلّنا التمثال الأبيض للحمض النووي (‏DNA‏)، وعليه عش ‏الطيور والقلم، على قرية بنمط عيش مميز يختلف تماماً عن قرى إيران، ‏واذا أردنا الدخول إلى قرية ديزباد في قلب سلسلة جبال بينالود، شمال ‏شرقي البلاد، فعلينا أن نمتثل لقوانينها التي تزين الطريق بلوحات ‏عريضة.‏

‏"أهالي ديزباد لا يحبون البندقية والفأس"، "عشب الجبال الجاف = ‏مستودع البارود"، "لا للصيد، لا لضرب الفأس على الأشجار، حافظوا ‏على نظافة البيئة والأرض"؛ لوحات باللغة الفارسية تزين مدخل هذه القرية التي تعتبر إحدى القرى ‏التابعة لمدينة نيشابور في محافظة خُراسان رضوي. ‏

التمثال الذي ‏وُضع في مدخل القرية هو علامة على أن مبدأ الحفاظ على البيئة موجود ‏في الحمض النووي للسكان، وينتقل من جيل إلى جيل، ويبقى سارياً في دمائهم في المستقبل

عند الوصول إلى القرية، تظهر أمامنا منازل مدرجة على منحدر جبل، مكسوة بالأشجار الباسقة ‏والزهور وبساتين الفواكه، ولا تخلو شجرة من أعشاش الطيور، أما أحواض ‏المياه المبنية أمام عيون الماء، فلا تخلو من قطعة خشب، لتفادي ‏غرق الطيور عند الشرب. ‏

قانون إنشاء بيت للعصافير في كل بيت من بيوت القرية

يقوم سكان ديزباد برعاية العصافير لفوائدها الكبيرة، إذ يعتقدون أن صوت ‏العصافير يجلب لهم البهجة، وروثُها يجعل الأرض أكثر خصوبة، كما أن ‏وجود الروث يحدّ من استخدام الأسمدة الكيميائية في البساتين ويحارب ‏الآفات الزراعية، لذلك يقوم الأهالي برعاية الطيور إلى درجة أنه قد تحول إلى قانون ‏صادق عليه مجلس القرية التابع للبلدية، ينص ‏على اختصاص جزء صغير من المنزل للعصافير عند حدوث عملية ‏تجديد مبنى البيوت.‏

يقول رئيس مجلس القرية السابق محمود كُردي، إن التمثال الذي ‏وُضع في مدخل القرية هو علامة على أن الحفاظ على البيئة هو ‏في الحمض النووي للسكان، وينتقل من جيل إلى جيل، وسوف يبقى سارياً ‏في دمائهم في المستقبل، كما أنه نابع من حضارة هذه المنطقة التي كانت ‏تهتم بالحيوانات والأرض منذ قديم الزمن، إذ يعود تاريخ القرية إلى القرن ‏السابع الميلادي، وكانت تشتهر قديماً باسم "قصر الریح" و"چِهِل أشکوب". ‏

قرر أهالي هذه القرية في عام 1933 أن يدخلوا أطفالَهم المدارسَ، ولكن رفضت ‏وزارة التعليم طلب الأهالي في تدشين مدرسة لهم بسبب التكاليف الباهظة ‏في حين كانت كثير من المدن آنذاك تنتظر إنشاء المدارس. لم يتراجع سكان ‏ديزباد عن هدفهم فمستقبل أطفالهم وبناء جيل متعلم وواعد كان أملاً كبيراً لديهم، فقاموا ببناء مدرسة، ثم أرسلوا طلباً آخر للوزارة ينص على استعداد القرية ‏لاستضافة معلم على نفقتهم الخاصة، لينالوا الموافقة هذه المرة. وبذلك تأسست أول مدرسة في القرية، والتي حملت اسم ‏‏الشاعر والرحالة الإيراني "ناصر خُسرو".‏


ديزباد ضمن القرى النادرة في محو الأمية

استمرت جهود أهالي القرية في التعليم، وفي عام 1971 تم القضاء على الأمية، وأصبح كل سكّان القرية متعلمين، وزار القرية ممثلي اليونسكو لتسجيل هذه ‏القرية كإحدى القرى النادرة عالمياً في قدرتها على محو الأمية في القرن الـ20، ‏وحصل هذا بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس أول مدرسة فيها، وفقاً لتصريحات حسين ‏خافي، أحد مسؤولي القرية.‏

وقال محمود كردي: "لدينا اليوم 250 معلماً متقاعداً، وعشرات الأساتذة ‏والمهندسين والأطباء والأدباء الذين درسوا في جامعات البلاد والعالم"، ‏وفي ذلك دلالة على مدى التأثير الذي تركه قرار تأسيس المدرسة قبل ‏نحو 90 عاماً.‏

وإلى جانب الطبيعة الخلابة التي تتمتع بها ديزباد، تجلب البيئة النظيفة ‏للمكان أنظار السياح، حيث يقوم القرويون بتنظيف بيئتهم باستمرار كما ‏يتم فرز النفايات، وتكون ديزباد بذلك أول قرية تقوم بهذا التصرف المتحضر.‏

وترتفع القرية ألفي متر من سطح البحر مما يجعل درجة الحرارة فيها 10 درجات أقلّ مقارنة بالمدن المجاورة لها، وتعتبر ديزباد موقعاً سياحياً خلاباً بالنسبة للسياح في ‏موسم الصيف، بما فيها من بساتين لاستراحة المسافرين ومطاعم ‏وأماكن للإقامة ومرافق عامة عديدة. ‏

يشكو مسؤول القرية من بعض تصرفات المسافرين الذين لا يهتمون ‏بنظافة المكان، بالرغم من وجود عدد كبير من سلال المهملات ودورات المياه واللوحات الإرشادية التي ‏تدل على رعاية النظافة. ورغم كرم ضيافة السكان وابتسامتهم التي لا ‏تفارق وجوههم واحترامهم الدائم للضيف إلا أنهم لا يسمحون بمخالفة ‏قوانينهم الخاصة كجمع النفايات وعدم الصيد وعدم إيصال الأذي ‏بالأشجار والنباتات.‏

لهذه القرية ميزات عديدة مكنتها من ‏التحول إلى وجهة سياحية جمعت بين البساطة والحداثة

وتنتج ديزباد منتجات عضوية كالكرز والجوز والتفاح والمشمش والخوخ ‏عبر رعاية أراضيها الخصبة ووجود عيون الماء النابعة من جبال بينالود، ‏والاستفادة من التكنولوجيا وعدم استخدام الأسمدة الكيميائية. ‏

وكانت أوكرانيا والمالديف ودول آسيا الوسطى ودول الخليج من أهم الدول التي ‏تستورد منتجات ديزباد الزراعية قبل العقوبات الأمريكية وجائحة ‏كورونا، وفقاً لقول أهالي القرية.‏

الجائزة السنوية للابتسامة الجميلة

البهجة والابتسامة والمشاعر الطيبة والمرح لا تفارق أهالي القرية لذلك ينظم ‏مجلس القرية جائزة سنوية لأفضل ابتسامة يختار فيها السكان ‏رجلاً وامرأة في كل عام. كل هذا في سبيل الارتقاء بجودة الحياة البسيطة ‏المحلية، كما يشرح لنا أحد أهالي القرية.‏

وصنفت مؤسسة البيئة الإيرانية عام 2013، قريةَ ديزباد وأراضيها ‏الواسعة، ضمن المناطق المحمية، حيث يمنع فيها الصيد وقطع الأشجار منعاً باتاً، فعلى هذا القرار شكل السكان وحدة الحماية الشعبية للحفاظ ‏على البيئة والأعشاب الطبية والحيوانات في الجبال القريبة، وذلك عبر ‏أدوار مقسمة عليهم، وقد خصصوا ميزانية على نفقتهم الخاصة، كما ‏لديهم تنسيق تام مع أفراد المؤسسة للحد من أي صيد قد يتم عبر الانتهازيين، ‏كما ذكر لنا محمود كُردي.‏

وفي سبيل حماية النباتات المحلية القيمة، وبالتعاون مع الحكومة تم ‏اختصاص 7 هكتارات في جبال بينالود، تم فيها زراعة 8 الآف شجرة ‏ونبتة لتشكل ديزباد بذلك البنك الجيني للنباتات المحلية، كما قال لنا رئيس ‏مجلس القرية السابق، وأضاف: "يتم سقي الأشجار والنباتات عبر الأمطار ‏ومن خلال تخزينها في حوض ماء بكمية 400 ألف ليتر"، كما أعلن عن ‏استضافة القرية للجولات البحثية لهواة الطبيعة والبيئة.‏

يشيد الباحث الشهير في مجال حفظ البيئة الدكتور محمد درويش بنشاط ‏سكان ديزباد، ويعتبر ما يقومون به نموذجاً من تصرف الإنسان الصديق للبيئة، ويذكر أنه يعرّف بفعالياتهم عبر محاضراته في عموم البلاد كي تتسنى الفرصة ‏للجميع أن يتعلموا من هذا الرمز الحي الذي استطاع أن يخلق لنفسه بيئة ‏نظيفة وسليمة دون تدخل الحكومة.‏

عشرون عاماً من التوثيق الإلكتروني ‏

يؤكد رئيس مجلس القرية الجديد علي رضا ميرشاهي، بقاء ديزباد قرية ‏الأوائل دائماً عبر العمل الدؤوب، ولما لها من مميزات عديدة مكنتها من ‏التحول إلى وجهة سياحية جمعت بين البساطة والحداثة.‏

البهجة والابتسامة والمشاعر الطيبة والمرح لا تفارق سكّان القرية، لذلك ينظم ‏مجلس القرية جائزة سنوية لأفضل ابتسامة يختار فيها السكان ‏رجلاً وإمرأة في كل عام

وللقرية موقع إلكتروني ينشط منذ 20 عاماً للإعلان عن فعاليات القرية ‏التي تأخذ أبعاداً مختلفة رياضية واجتماعية ‏وثقافية ودينية وزراعية وسياحية، وخلال فصول السنة الأربعة، كما تم نشر كتاب عن القرية باسم ‏‏"ديزباد وطن ماست" (يعني: ديزباد وطنُنا)، ويضم الكتاب جميع المعلومات ‏واللقاءات والأخبار والصور المتعلقة بالقرية والتي نشرها الموقع الإلكتروني للقرية طوال العقدين الأخيرين. ‏

وبعد زيارتها التفقدية للقرية واجتماعها بسكّان القرية صرحت رئيسة لجنة ‏البيئة في البرلمان الإيراني سمية رفيعي: "ديزباد نموذج للتنمية ‏المستمرة للقرى على الصعيد الوطني والدولي، حيث أنها جلبت ‏مشاركات الأهالي وفعّلت الاقتصاد فيها".‏

يبلغ عدد سكان القرية ألف نسمة، معظمهم من الأجيال المتعلمة ‏والمثقفة، ونتيجة تلك المدرسة التي بنتها أيادي آبائهم؛ يقطن جُلّهم ‏اليوم مدينتي نيشابور ومشهد لكنهم يرتادون على القرية في موسمي ‏الربيع والصيف من كل عام. ‏

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard