شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
السير على سطح القمر لمشاهدة سرّة الأرض... تشابَهار وأسرار جاذبية بَلوش إيران

السير على سطح القمر لمشاهدة سرّة الأرض... تشابَهار وأسرار جاذبية بَلوش إيران

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

الأربعاء 22 مارس 202301:12 م

في بداية وصولي إلى ميناء تشابهار، بوابة إيران على المحيط الهندي، نزلت مع أصدقائي إلى السوق الشعبي لنستكشف أحوال السكان المحليين أولاً. "بَلوك" اسم البازار ويعني "الجدّة" باللغة البلوشية، إذ كانت الجدّات يفرشن الأرض ببضائعهن وإنتاجاتهن اليدوية. إنها أجواء تشبه أجواء الهند وباكستان؛ لغة مختلفة وزي بلوشي يرتديه الصغير والكبير، والنساء والرجال، وبضائع يُؤتى بعضها من هناك، والنارجيلات الملونة والمطرزة التي تملأ الشوارع.

ما يميز هذا السوق، وجود أكل الشوارع بأشكال مختلفة، فقد تذوقنا في تلك الليلة نحو 10 أنواع من الأكلات الخفيفة على الطريقة البلوشية، وكان ما زال أمامنا الكثير عند وجبة الفطور، ناهيك عن الأكلات الخاصة والفخمة في المطاعم.


يقع ميناء تشابهار في محافظة سيستان وبلوتشستان جنوب شرق إيران، وفي آخر نقطة على خريطتها التي تشبه القطة، كما أنها أبعد نقطة من العاصمة طهران (2،000 كلم). سكان الميناء هم من القومية البلوشية، وعلى المذهب السنّي، إذ يقطن بلوش إيران في محافظات سيستان وبلوشستان، وخراسان، وكرمان.

تشابهار، غنية بكل ما يسحر العين، فبطبيعتها الخلّابة وسحر معالمها تجعلك تعيش أجمل لحظات حياتك

يتمتع الميناء الذي يمتد على مساحة تتخطى الـ17 ألف كلم مربع، في موقع جغرافي فريد يمتاز بـ300 كلم من الحدود المائية مع خليج عمان، كما يشبه كثيراً الموقع الجغرافي لميناء ميامي في شبه جزيرة فلوريدا الأمريكية، ولديه مناخ ميامي الجوّي نفسه.

في يد العمانيين

يحدثنا التاريخ بأن الدولة المركزية الإيرانية قد أجّرت ميناء تشابهار، لسلطنة عمان، في القرن التاسع عشر، وبعد أن فرض العمانيون سيطرتهم عليه، رفضوا إعادته إلى الإيرانيين بدعم بريطاني كان يرى في وجود العرب في هذا الموقع الجغرافي المهم على المحيط الهندي، مصلحةً له.

وبعد صراع ونزاع مكثف، استعادت الدولة القاجارية في عهد الملك ناصر الدين شاه القاجاري، ميناء تشابهار في سنة 1872.

تبعد تشابهار عن ميناء مسقط الذي يقع أمامها جغرافياً، 151 ميلاً بحرياً، وعن ميناء دبي الذي يقع قبالة جنوب تشابهار، 364 ميلاً بحرياً، وعن ميناء كراتشي في باكستان الذي يقع على الجهة الشرقية، 360 ميلاً بحرياً، وعن ميناء مومباي 768 ميلاً بحرياً.

وفي سياق ذكر الهند، فقد استثمرت نيودلهي في ميناء شابهار قبل أعوام، كونه أقرب طريق إلى دول آسيا الوسطى؛ أفغانستان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان، للوصول إلى المياه الدولية. لكن الاستثمار لم يدُم كثيراً في ظل العقوبات الأمنية والاقتصادية التي تعيشها إيران. وما زالت الأخيرة مستمرةً في مباحثاتها مع الجانب الهندي لاستكمال المشروع الاستثماري.

مواصفات البلوش

ما أثار إعجابي في رحلتي إلى بوابة إيران على المحيط الهندي، هو تمسك السكان بهويتهم وثقافتهم البلوشية، فالزي البلوشي المطرز يدوياً ترتديه حتى المراهقات برغم ثمنه الباهظ، والزي البلوشي "الرجّالي" الذي يشبه أزياء شبه القارة الهندية يرتديه حتى عمال البلدية هناك.

إنهم يعدّون السائح ضيفاً، فحينما نزلنا في بيت تراثي بلوشي على طريق تشابهار، كنا قد استأجرنا فيه شقةً للنوم، لم يسمح لنا صاحب المنزل بإعداد وجبة العشاء، وقاسمنا عشاء أسرته بطيب كرمه ورحابة صدره.

تشابهار، غنية بكل ما يسحر العين، فبطبيعتها الخلّابة وسحر معالمها تجعلك تعيش أجمل لحظات حياتك.

في اليوم التالي، ذهبنا غرباً إلى شواطئ قرية دَرَك، وهي رمال ونخيل ومياه. مشهد فريد لا تجده في أي ساحل من سواحل البلاد، وهذا ما عزز شعبية دَرَك لدى الإيرانيين.

جبل الطين

بعد قضاء نصف يوم هناك، توجهنا إلى جبل الطين. يطلق عليه الأهالي "سرّة الارض"، فهي عين تُخرج طيناً بدل الماء باستمرار، وتبعد عن مياه البحر نحو 7 كلم. جفاف الطين جعل من العين جبلاً يعلو نحو خمسين متراً. لا يفوت سائحاً ذلك المنظر الخلاب والغريب، إذ يتسنّى للزوّار خلق تماثيل أو صنائع يدوية كما يشتهون من عجينة طين خرجت من فوّهة الأرض للتو.

تنتشر على الجهة الغربية من الميناء، مزارع الفواكه الاستوائية؛ الموز والجوافة والببایا والمنجا واللیمون والزفيزف، وهي لا تتوافر في مدن أخرى.

المثير للإعجاب هو كثرة الجوامع ذات العمارة الرائعة في الأحياء السكنية والقرى التي دخلناها، فحتى القرى التي لا يتجاوز عدد منازلها أصابع اليد الواحدة، تحتضن جامعاً كبيراً بمآذن طويلة بيضاء.

كان القرار في اليوم الثالث التوجه نحو الجهة الشرقية من الميناء. البداية كانت عند رصيف ميناء بِريس الرملي؛ كثرة القوارب والبوارج الخشبية والملونة التي كانت ترسو هناك، تستقطب كل سائح، خاصةً عند وقوفك على أعلى الجبل ليكون بريس المطل على المحيط تحت أقدامك.

الجبال المرّيخية

استوقفتنا مناظر الجبال المرّيخية مرتين في هذا الطريق. إنها لوحة فنية طبيعية فائقة الجمال، والجِمال المزينة تسير بك في رحلة بين هذه الجبال التي تمنحك شعور المشي على سطح القمر. هي مذهلة للغاية، وكأنها لقطة من فيلم سينمائي هوليوودي كما قال صديقي سعيد، ومثلما يقول أي زائر يحطّ رحالها هنا.

مزيج من الغرابة والجمال وزاوية مختلفة قلّ نظيرها في أي مكان آخر في البلاد. التقاطنا الصور لم يشفِ صدورنا، فالحديث مع بائعي الهدايا التذكارية البلوشية في الأكواخ السياحية هناك شدّ انتباهنا. بعدها خرجنا لنستمتع بجولة اليوم بعد أن اشترينا أوشحةً بلوشيةً لنلفّها على وجوهنا من العواصف الرملية.

لم يُحسّن قرار الحكومة تحويل ميناء تشابهار إلى منطقة حرة، الأوضاع الاقتصادية للسكان، فالفقر منتشر في كل مكان، وهذا ما زاد من استياء الأهالي وعدم ثقتهم بالحكومة

وفي آخر نقطة في قاع الأراضي الإيرانية يمكن أن نزورها، ركبنا قارباً وتجولنا في خليج كِواتر المصغر وشاهدنا الدلافين الجميلة، وبعدها غابة حرا الرائعة. خلف الغابة مباشرةً حدود دولة باكستان.

فن البلوش

خلال عودتنا، قررنا أن نزور البحيرة الوردية التي فاتنا طريقها في الصباح. نزلنا ظهراً حين لم يكن أحد هناك. إنها بحيرة ملح وردية، وفي السوق الشعبي المكون من الخشب والقصب وأوراق النخيل على ضفة البحيرة، وجدنا أكياس ملح البحيرة إلى جانب المنتوجات اليدوية البحرية. كثرة المصنوعات اليدوية في تشابهار، تتفوق عما في باقي المدن الإيرانية، فالبلوش يتفننون في صناعة التحف الفنية من مواد محلية كالطين والخشب والثروات البحرية وصوف الماعز.

تُعدّ القومية البلوشية من أفقر القوميات الموجودة في إيران، وأكثرها حرماناً، ويمكن مشاهدة ذلك بوضوح وسط جمال الأرض والموقع الجغرافي الذي يقطنونه.

في نهاية المطاف، قررنا أن نزور الأسواق الحديثة التي دشّنتها منطقة تشابهار الحرة، وتقع في معزل عن المدينة وأحيائها السكنية على تل يطل على البحر، ولها بوابة خاصة، وتكثر فيها المولات والمتاجر والمطاعم والفنادق، وهي نظيفة وخضراء وكأنها منطقة "المستعمرين".

لم يُحسّن قرار الحكومة تحويل ميناء تشابهار إلى منطقة حرة، الأوضاع الاقتصادية للسكان، فالفقر منتشر في كل مكان، وهذا ما زاد من استياء الأهالي وعدم ثقتهم بالحكومة.

لم تنتهِ الأماكن السياحية الخلابة بعد؛ فتشابهار غنية بثرواتها الطبيعية والبيئية، ولكن تعاني من ضعف شديد في البنى التحتية، وقد أثر ذلك سلباً على تهافت السياح عليها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard