شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الكتابة على جدران المراحيض العامّة... فيسبوك الوحيدين

الكتابة على جدران المراحيض العامّة... فيسبوك الوحيدين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحريات العامة

الخميس 6 أبريل 202307:36 ص

أرسلتني المعلّمة في الصف الثالث الابتدائي لأحضر قلم تخطيط عريض من معلّمة ثانية، ومع الحرية المتاحة قررت الدخول إلى تواليت المدرسة الذي لم يكن في فترات الاستراحة ممكناً استعماله.

وها أنذا وحيد في مرحاض مع قلم تخطيط أزرق، احترت ماذا أكتب على الجدار مع كمّ الحرية وفقدان الرقابة، وبعد تفكير استغرق أكثر من فترة التبوّل المعتادة كتبت: "البعث طريقنا"... كانت نبوءة عظيمة أعتزّ بها حتى الآن، أن هذا الحزب سيقود البلاد إلى مكان مماثل.

*****

"بحبك يارورو"... مع قلب مكسور ينزف وسهم يخترقه، قوّة الحب أعظم من الموت"... سهم طويل يشير إلى ردّ على هذه الجملة: "قوّة المخابرات الجوية أكبر"... "جاهز للنــ... ك، وعندي شقة فاضية... 09284604144"،  "... "راجعين ياهوى راجعين"، "يسوع سيخلصني..." سهم طويل أيضاً يشير إلى ردّ: "...سيدنا عمر أقوى"...

هذه عينة من صورة واحدة أرسلها لي أحد الأصدقاء من جدار لأحد مراحيض جامعة تشرين في اللاذقية، وفيها، كما يمكن أن نرى، "فيسبوك المراحيض السوري"، و"تطلّعات" الشبيبة السورية التي تسفح ماء أصلابها في المراحيض العمومية، كما أرسلت ابنتي روزماري صورة لتواليت مدرستها الثانوية، هنا في فرنسا، مع تشابه وحيد يتعلّق بإعلان المثلية، حيث كتب الشاب السوري I am gay بالإنكليزية وهناك عشرات الردود التي تتنمّر على الإعلان وتشتمه، بينما كتب الفرنسي أيضاً الإعلان المشابه بالإنكليزية (يبدو أن التصريح بالمثلية أسهل بالإنكليزية) لكن مع فارق الكثير من الدعم، وكلمات "وأنا أيضاً".

أدبيات الجدران القذرة

تصنّف الكتابات الجرافيكية لثلاث أقسام، الكتابة السياحية، التي تدلّل على حضور الشخص فقط، كاسمه أو تاريخ اليوم أو "خلبوص كان هنا"، والكتابة المتحضّرة التي تقوم بها بعض الجهات، على جدران محطات الميترو وجدران الأبنية، والكتابة على جدران المراحيض العامة والتي أطلق عليها اسم "لاتريناليا" من اللاتينية، والتي تعني نوعاً من العلامات أو الآثار المنقوشة على جدران المراحيض، بما في ذلك المقاطع الشعرية والآراء الخاصة.

ولا تظن أن هذه الظاهرة حديثة وتتعلّق فقط بحيز الحرية الذي يجد نفسه، شبابنا المكبوت، واقعاً في إساره، منعاً أو إتاحة، فإن هذه الظاهرة قديمة قدم روما، فقد نشرت مجلة  The Psychological Record مقالاً يتحدث عن اكتشافات علماء الآثار لكتابات ونقوش موجودة على جدران المراحيض الرومانية، وكانت هذه الممارسة شائعة لدرجة أن السلطات الرومانية وضعت صوراً للآلهة على جدران المراحيض حتى يشعر الفنانون والشعراء أنهم يدنّسون مكاناً مقدساً، لكن كل هذه الإجراءات لم تمنع المكبوتين من الاستمرار بفعل لك.

يمكننا هنا أن نقدم محاكاة ساخرة للإجراءات التي ينبغي أن تقوم بها السلطات السورية لحصر هذه الممارسات، كأن تضع ضابطاً يقوم بمراقبة الجدران بعد كل "تغوّط" والقبض على الفاعل.

كانت الكتابة على جدران المراحيض شائعة لدرجة أن السلطات الرومانية وضعت صوراً للآلهة حتى يشعر الفنانون والشعراء أنهم يدنّسون مكاناً مقدساً، لكن كل هذه الإجراءات لم تمنع المكبوتين من الاستمرار بفعل لك

شعر فالت من الرقابة

صاغ ألان دونديس، أستاذ الأنثربولوجيا في جامعة كاليفورنيا، مصطلح "لاتريناليا" لأول مرة عام 1966، لتمييزه عن باقي النقوش التي يخلّفها الإنسان وراءه، وقال: "بصفتي خبيراً في التحليل النفسي، فإن هدفي المهني هو فهم الهراء وإيجاد سبب عقلاني لما هو غير عقلاني"، وأي هراء أكثر جدية من الأفكار التي تنتاب المرء في "بيت الخلاء" هذا؟

إن عملاً غير ذي جدوى، وغير مفهوم الدوافع بدقة، مثل الكتابة على جدار مرحاض، أو حفر الأسماء الأولى على جذع شجرة بلوط، يمكن أن يفهم منه الرغبة بترك أثر دال على الوجود أو الحضور، ويمكن أيضاً، إذا تتبعنا فرويد في علم النفس، أن نرى فيه "إبداعاً شرجياً" حول هواجس الرجال، وتلك الرغبة الشديدة بمخاطبة أحد ما، في مستقبل ما.

الكتابة بشكل عام، والكتابة على جدران أشد الأماكن حميمية وعزلة معاً، هي شكل من أشكال النضال ضد المحو.

غالباً ما تكون المراحيض أحادية الجنس، وبالتالي يُستبعد منها هدف دعوة النساء أو التقرّب منهن، فالجمهور المعني بالكتابة "الأدبية" أو التصريح بمشاعر حائرة، هو جمهور الجنس الواحد، وغالباً ما تكون مراحيض النساء أكثر نظافة من مثيلاتها عند الرجال، ويندر أن تجد كتابة مماثلة، تتعلّق برغبات تتعلّق بالجنس الآخر أو دعوة له، إذن نستطيع استبعاد الرغبة الحقيقية بالتلامس والحصول على مضاجعة، إذ ينحصر الأمر بارتماء في رسالة صريحة لكنها غير موجّهة لأحد معين، وبالتالي للجميع. هي أشبه بنداء استغاثة إن صحّ التعبير، أو بحثاً عن انتباه.

ودونديس نفسه قال عن "أدب المراحيض" هذا: "إنه سيرة ذاتية لشعب"، فالرغبة بترك أثر في العالم، أو التعبير عن الوجود، هنا والآن، واحدة، سواء في صناعة الحروب الطويلة، المسرحيات التراجيدية الضخمة والسمفونيات ذات الألف حركة، و... الكتابة على جدران التواليتات، وإذا انسقنا مع دونديس الفرويدي، فنستطيع الإشارة أيضاً إلى نوع من "الإبداع الشرجي" الناتج عن سؤال الذكور: ماذا يوجد هناك؟

في مقارنة أجرتها عالمة الاجتماع باميلا ليونغ، وهي أستاذة في جامعة سالم في ماساشوستس، بين تواليتات النساء وتواليتات الرجال، خلصت إلى أن أغلب الرسوم الغرافيكية والكتابات في تواليتات النساء تكون إيجابية الطابع وداعمة لقضية الكاتبة، على عكس مثيلاتها عند الرجال التي تغلب عليها السخرية والإهانة، إضافة لإظهار كَمّ كبير من التأكيدات الفجّة على الفحولة فيها، والأمر الذي أثار استغرابها هو الرسوم المضحكة للقضيب الذكري، الأمر الذي لم تجد له تفسيراً على الإطلاق: أنت لا تعرف حتى كيف ترسم عضوك الذكري بحيث يكون مختلفاً عن ثمرة باذنجان.

التواليت في الرأس

القراءة في التواليت ليست مجرّد فعل يقوم به المخبولون أو من ليس لديهم وقت أو المرضى النفسيون المصابون بالإمساك، بل هو فعل يؤدّى بكامل الجدية والانتباه اللازمين، كما ينصح الروائي العظيم هنري ميللر، خصوصاً في اختياراته لمقاطع معينة من محاورات أفلاطون ورائعة جيمس جويس "يوليسيس"، بالطبع لم يكن يقصد الأمر حرفياً، إنما كانت مدخلاً للحديث الجدي في مكان آخر عن أزمة أميركا في الستينيات، لكنه يقول إن المراحيض مصمّمة لتجد نفسك وإذا لم تستطع إيجادها في مرحاض، فلن تفعل أبداً.

غالباً ما تكون المراحيض أحادية الجنس، وبالتالي يُستبعد منها هدف دعوة النساء أو التقرّب منهن، فالجمهور المعني بالكتابة "الأدبية" أو التصريح بمشاعر حائرة، هو جمهور الجنس الواحد، وغالباً ما تكون مراحيض النساء أكثر نظافة من مثيلاتها عند الرجال

يعتبر البريطانيون في مسح أجري عام 2010 أن اختراع التواليت مع الفلاش الذي يدفق المياه، تاسع أعظم اختراع في تاريخ البشرية، متفوقاً بذلك على العديد من المنتجات الأخرى، وهذا ما يخبرنا عن أهمية مراقبة الفضلات وهي تتدفق بعيداً عنا، إضافة للبعد الخاص والعام في الآن نفسه الذي يتمتع به المكان، بعيداً عن الجانب الجنساني، فالمراحيض تمنح مساحة مشتركة وذاتية، لطبيعة استخدامها الفردي عندما تستقبل شخصاً واحداً في كل مرة، ما يجعلها خشبة مسرح معدّة لجمهور من شخص واحد، لا يلبث أن يتحول أيضاً إلى مؤد مشارك في إنتاج النصّ بكل الحرية المطلقة التي تمنحها الخصوصية هذه والجهل، سواء بإظهار الآراء العنصرية، المتحيزة جنسياً والميسوجينية أو حتى الأسرار المخزية، دون الخشية من الوصم أو العقوبات.

إن المراحيض مصمّمة لتجد نفسك وإذا لم تستطع إيجادها في مرحاض، فلن تفعل أبداً.

يذهب الموظفون وطلاب المدارس للتواليت ليتهرّبوا من العمل وساعاته الطويلة ومن الاختبارات المفاجئة، للتفكّر بالغد أو لالتقاط الأنفاس بعد صدمة، فيصبح المكان نوعاً من المهد، الحضن الذي لا يطالبك بأكثر مما تستطيع، وتصبح الجدران واحدة من شبكات التواصل الاجتماعي بشروط خاصة، يمكن الردّ فيها على بعض التعليقات السابقة أو كتابة بعض الآراء أو التعليقات، باستخدام الأسهم التي يُستعاض بها عن أسلوب الرد المخصص.

وليست كل النقاشات سطحية أو جنسية أو حتى تقع في القسم الذاتي من المشاركين، فبعضها، كما رأينا في التواليتات العامة العربية على سبيل المثال، تقدم رسائل سياسية وفلسفية أحياناً. في عام 2016، في جامعة توليباك في باريس، تم القبض على طالب فلسفة والتحقيق معه بسبب كتابته جملة: "أفتح زجاجة بيرة في كل مرة يغلقون فيها نعش شرطي"، التي اعتبرت دعوة للقتل، وبالتأكيد عدد الذين ألقي القبض عليهم في سوريا بسبب من كتابة مماثلة عدد غير معروف.

لكن لماذا نهتم، كمستخدمين للمراحيض العامة، بالردّ على رأي أو مقولة أعجبتنا أو لم تعجبنا؟ خصوصاً أن الكاتب لم يقدم أي سؤال ينبغي لنا الإجابة عليه، اكتفى بقوله، مسح مؤخرته ومضى.

الكتابة على جدران المراحيض أداء مسرحي، لا غاية له، نوع من العروض الذي لا هدف منه ولا طائل خلفه، في عالم لا يني يتحدث عن الأهداف والطموحات كل لحظة، إنه مواجهة الأعزل للعالم والله، سواء آمن به أم لم يفعل

الكتابة بشكل عام، والكتابة على جدران أشد الأماكن حميمية وعزلة معاً، هي شكل من أشكال النضال ضد المحو، إنها مسألة قياس الذات مقابل الآخرين، تشبه رصاصة نحو السماء، لا تتطلب إجابات ولا ردود ولا فتح نقاش، إذ إن الجدران هنا ليس مساحة للحوار، وليس الهدف إقناع الآخر بوجهة نظر ما أو إعطائه فكرة عن وسع معرفتنا، هو نضال بالضبط ضد هذه الآلية التي تحكم الحوار بين البشر، كما نشاهدها في المناظرات الحية والنقاشات على فيسبوك وكلوب هاوس.

الكتابة على جدران المراحيض أداء مسرحي، لا غاية له، نوع من العروض الذي لا هدف منه ولا طائل خلفه، في عالم لا يني يتحدث عن الأهداف والطموحات كل لحظة، إنه مواجهة الأعزل للعالم والله، سواء آمن به أم لم يفعل.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard