شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
لا سلام على طعام... اليمنيون يقولون إن الكبسة حضرمية، والسعوديون يرفضون

لا سلام على طعام... اليمنيون يقولون إن الكبسة حضرمية، والسعوديون يرفضون

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع

الأحد 26 مارس 202305:02 م

تعد الكبسة من الوجبات المفضلة في السفرة الرمضانية اليمنية وبالتحديد في المناطق الجنوبية، حيث تتفنن ربات البيوت بإتقانها وتقديمها، تقول أم محمد لرصيف22 بأن أطفالها ينتظرون وجبة الكبسة ليأكلونها بشراهة، فهي المفضلة لديهم على السفرة الرمضانية، حيث يفضلونها بالدجاج مع البطاطا المسلوقة. 

ولا تختلف أم محمد وأطفالها في هذه القصة عن أية عائلة يمنية تقليدية تنتظر رمضان ليزيد الجوع من لذة أطباقها التقليدية وعلى رأسها الكبسة والزربيان، لكن ما قد تختلف معه هي وغيرها من اليمنيات واليمنيين بشدة هو أن هذه الأطباق ليست يمنية.  

الأطباق المهاجرة 

المطاعم الشعبية اليمنية لا تختلف عن المنازل فيما تضعه أمام الصائمين في رمضان، إذ تقدم الكبسة والزربيان بشكل يومي لكثرة الإقبال عليها، سواء في اليمن أو في خارجه، حيث تعتبر المطاعم ملاذاً لليمنيين المغتربين لتذوق الطعم الأقرب إلى ذائقتهم وعاداتهم الرمضانية. ويتميز الزربيان عن الكبسة العادية بطريقة تبخير الأرز، حيث يتم إطفاء جمرة بقليل من الزيت في نهاية الطبخة لتعطي طعماً مميزاً يشبه الشواء على الفحم. أما الكبسة فتتميز بإضافة الصلصة للوصفة وبكمية بهارات أقل.

اشتهرت اليمن عموماً، وحضرموت خصوصاً بطبخاتها الشهية، والتي أثرت وتأثرت بالهجرات الحضرمية فانتقلت إلى جنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والهند.

تُحضّر الكبسة إما من اللحم أو السمك أو الدجاج،  والأفضل أن تكون باللحم، ويشترط لاكتمال طعمها الرائع أن تطبخ بالأرز البسمتي 

لاحقاً انتقلت هذه الأطباق مع الهجرات المتأخرة إلى الخليج العربي؛ فنقل اليمنيون  ثقافة الطعام والوجبات والكثير من العادات حيثما حلّوا في البلاد، من أشهر الوجبات التي انتقلت وحازت على شهرة عربية الكبسة والزربيان، المعروفتان في الخليج العربي على أنهما سعوديتان. وهو ما يرفضه اليمنيون ويصر عليه السعوديون.

الكبسة الحضرمية

الشيف عوض العامري يشرح لرصيف22 كيفية إعداد الكبسة الحضرمية الأصلية، وهو مقدم برامج الطبخ في قناة حضرموت، يقول: "تحضر الكبسة إما من اللحم أو السمك أو الدجاج،  والأفضل أن تكون باللحم، وتتكون بالإضافة إليه من البطاطا والبصل والبندورة، وصلصة البندورة، والأرز البسمتي"، وتالياً طريقتها بحسب العامري: 

طريقة التحضير:

نطبخ اللحم حتى ينضج ويوضع جانباً.

ننقع الأزر البسمتي في الماء لمدة ربع ساعة.

نضع الزيت على القدر ويقلى فيه البصل المقطع حتى يصفر لونه.

يخلط الثوم في الخلاط مع قليل ماء.

تقطع الطماطم والبطاطا لقطع صغيرة، وتوضع المقادير مع بعضها على النار، ثم نضيف معجون الطماطم إليها.

نضيف البهارات من كمون وفلفل أسود، وقرفة مطحونة، وهيل مطحون، وكزبرة مجففة، وملح.

بعدها يوضع اللحم على الخليط مع قليل من المرق لمدة ربع ساعة حتى ينضج ويتجانس.

نسلق الأرز في مرق اللحم المتبقي مع إضافة  القليل من الملح عند نضوج الأرز، ثم يضاف إلى خليط اللحم.

بعد 15 دقيقة من الطهي على النار الهادئة والتبخير تقدم ساخنة، وتزين باللوز والزبيب وصفار الزعفران.

يتميز الزربيان عن الكبسة بطريقة تبخير الأرز، حيث يتم إطفاء جمرة بقليل من الزيت في نهاية الطبخة لتعطي طعماً مميزاً يشبه الشواء على الفحم

مع من يشهد الأرز؟ 

اكتسبت الكبسة شهرة إقليمية، فهي الأكلة الأكثر شعبية في الخليج عموماً، وانتقلت إلى عدد من الدول العربية باعتبارها وجبة خليجية  سعودية، بينما يحاجج اليمنيون أن الطبق وحضرمي، وهو الذي لا غنى عنه في كثير من المناسبات، مثل الختان، والعقيقة، والولائم الكبيرة، ودور العزاء.

قبل الدخول في المحاججات لا بد من الإجابة على سؤال كيف  دخل الأرز ضمن قائمة أطعمة وأقوات المائدة الحضرمية؛ والشائع أن الأرز ظهر في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، ولكن  هناك نصوص تاريخية قوية تدل على ظهوره في منتصف القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، جاء ذلك  في كتاب "رسالة المعاونة" التي ألفها الإمام عبدالله الحداد سنة 1069هجري/ 1659 ميلادي، كما ذكر الأرز في "تثبيت الفؤاد" للعلامة أحمد الإحسائي وورد فيه قصة فيها للأرز، وكيف أن بعض سلاطين حضرموت كان يعافه ويقدمه علفاً لخيله. 

يقول اليمنيون إن الأرز ذُكر في تاريخهم كعلف للحيوانات، أما السعوديون فيقولون إن الأرز زُرع في الأحساء قديماً

بينما يقول عضو جمعية الثقافة والفنون في نجران ناصر الصقور أن الأرز زرع قديماً في الأحساء، لذا فالكبسة وجبة سعودية بلا شك، كما زرع الأرز أيضاً في العراق وانتقل منها إلى السعودية عبر الرعاة والقبائل، لكن تطورت الوجبة مع النهضة التي شهدتها المملكة، ومع ظهور النفط في الشرق حيث نقلها الموظفون في حقول النفط إلى المنازل مع بعض المواد الغذائية كالشاي، والسكر، وأصبح الأرز من مظاهر الرفاهية.

يقول: "مع تطور المجتمع السعودي استبدل الخبز بالأرز وقدم مع اللحم والمرق، وهنا عرفت الكبسة بشكلها الحالي، ولا أرجح أن تكون الكبسة قد استقدمها الحضارم لأنها كانت موجودة من قبل دخول التجار من حضرموت الذين قدموا بالأساس إلى المناطق الغربية من المملكة بالوقت الذي انتشرت الكبسة في المناطق الشرقية".

ويختم الصقور حديثه لرصيف22:  "في كل الأحوال تشترك المملكة في عاداتها وتقاليدها مع الدول المجاورة من العراق والأردن واليمن لا سمنا في الأطباق التراثية،  فمثلاً تشترك جيزان وعسير ونجران".

المهم أنها لذيذة

في أي بلدين متجاورين تتفجر بين الحين والآخر موجة اتهامات حول التراث المادي واللامادي، والأطباق الشهيرة عادةً ما تكون موضوعاً شهياً للخلاف. ويرجح رئيس مؤسسة الرناد للتنمية الثقافية أحمد باحماله أن الحضارم هم أول من طبخ الكبسة، فبدأت من المجتمعات البدوية  لسهولتها، يقول: "كان ذلك  قبل القرن الرابع عشر الهجري، لكن ظلت الوجبة تتطور، ثم نقلها أبناء حضرموت عبر الهجرات إلى الخليج وجنوب شرق آسيا والهند وغيرها من البلاد".

لكن الكاتب أحمد عرفان بارجاء، فقد ذكر في كتابه "المطبخ التريمي" الكبسة ومكوناتها، ثم نوّه إلى أنها تقدم في المناسبات والأعراس والمطاعم في اليمن والخليج وشتى بقاع العالم. 

في أي بلدين متجاورين تتفجر بين الحين والآخر موجة اتهامات حول التراث المادي واللامادي، والأطباق الشهيرة عادةً ما تكون موضوعاً شهياً للخلاف

في الوقت الذي تقول فيه الشعوب الخليجية أن أصول الكبسة والزربيان تعود لها، ويرى اليمنيون العكس، يرى الباحث المهتم في الشؤون الثقافية في حضرموت عمر با سلمة أن الأجدى هو استبدال جدل البحث  بخلق حالة ترابط بين الشعوب، يقول: "ما نراه في كل مكان اليوم من وجبات سريعة مثل البيتزا والهامبرغر والشاورما هي وجبات غربية لكنها انتشرت في كل مكان، هذا التبادل الثقافي العالمي ضروري، وعلى غراره من الطبيعي بل ومن الواجب أن تخلق الوجبات اليمنية التي هاجرت مع المغترب اليمني ترابطاً ثقافياً مع دول الخليج".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard