شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
ماهر وسعاد (2 من 2)

ماهر وسعاد (2 من 2)

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الخميس 16 مارس 202310:51 ص

لأجل حظي السيء عاد ماهر عواد من مكالمته الطويلة مع زوجته سعاد حسني متعكر المزاج، وازدادت على وجهه وصوته آثار الإرهاق. تمنيت لو كانت علاقتنا أقوى لتسمح لي بسؤاله عن تفاصيل المكالمة التي شغلت باله، لأواسيه وأشد من أزره وأطمئن على السندريلا في غربتها، ولأن رصيدي لديه لم يكن يسمح، قررت أن أترك الرجل لهمومه وأستأذن في الانصراف، لكنه بكل ما في الدنيا من لطف ومودة أصر أن أبقى حتى يكمل حديثه عن السيناريو الذي شجعني بقوة على المضي قدماً في محاولة تنفيذه، وألا تحبطني أو تعطلني أي ملاحظات أتلقاها من أساتذتي أو أصدقائي، لأنه يؤمن أن الفن ليس فيه صح مطلق أو غلط مطلق، والمهم فيه أن تصدق حكايتك وتحبها، وعندها يمكن أن تجد من يشاركك في تصديقها ومحبتها، أما العيوب فلا يخلو منها أي عمل فني أو أدبي.

بالطبع من واجب الكاتب أن يسعى لإصلاح عيوب عمله بشكل يساهم في تطويره، لكن عليه ألا ينسى أن هناك عيوباً تشبه العيوب الخَلقية في الإنسان والتي تجعله مميزاً عن غيره، وقد تؤدي المبالغة في محاولة إصلاحها بحثاً عن الكمال إلى أن يفقد العمل الفني خصوصيته وتميزه، وأذكر أنني قلت له تعبيراً اتفق معي فيه، كنت قد سمعته من الصديق المخرج علي رجب تعلمه خلال دراسته في كلية الهندسة وهو أهمية أن نتذكر خلال الكتابة قانون وحدة الخطأ الذي يتعامل مع حقيقة وجود أخطاء بشرية بالضرورة في أي عمل أو مشروع بشري، وإدراكنا لذلك هو الذي سيجعلنا نقوم بتحجيم آثار هذا الخطأ بشكل منضبط وذكي.

تمنيت لو كانت علاقتنا أقوى لتسمح لي بسؤاله عن تفاصيل المكالمة التي شغلت باله، لأواسيه وأشد من أزره وأطمئن على السندريلا في غربتها.

تحدث الأستاذ ماهر عن أهمية العمل مع مخرج منذ التوصل إلى الفكرة أو القصة، وأهمية تكوين فريق عمل متناغم في المراحل التالية، بدلاً من الكتابة بشكل منفرد يمكن أن يصعّب مهمة إخراج العمل إلى النور بعد ذلك لأن السينما ستظل عملاً جماعياً مهما زادت أهمية المهارات الفردية للعاملين فيها، وقال إن ما أفاده في تعامله مع صديقه وشريك مشواره شريف عرفة أن كلاً منهما كان يفهم الآخر بشكل سريع وفعال، وأن شريف يتميز عنه بكونه شديد العملية، يعمل أكثر مما يتكلم، ولذلك كان تفكيره العملي يساعد ماهر على تطوير الكتابة بشكل يجعلها أقرب للتنفيذ خصوصاً في ظل الظروف الإنتاجية المزرية التي تمر بها السينما المصرية، وكان التعاون بينهما يبدأ منذ أن يتحمس شريف للفكرة التي يعرضها عليه ماهر، ويتابعه خلال مرحلة الكتابة بشكل مستمر، ويحثه على وضع جميع عناصر الفيلم في باله، بل ويتم إشراك بعض المتخصصين في هذه العناصر من موسيقى وأغاني وديكور وتصوير قبل مرحلة تنفيذ السيناريو، ولذلك خرجت أفلامهما وقد ظهرت عليها بصمة العمل الجماعي بشكل ملحوظ.

من الملاحظات المهمة التي لا أنساها من تلك الليلة الجميلة التي جمعتني بالأستاذ ماهر هو حديثه عن ضرورة الانضباط في التعامل مع الشخصيات والوقائع التي رآها وعايشها الكاتب في حياته، وقرر من تأثره بها أن ينقلها على الورق ليراها الكل على الشاشة، مشيراً إلى شخصية في السيناريو الذي كتبته كان في تجسيدها بعض المبالغة التي "شَوشَرَت" على باقي الشخصيات في بعض المشاهد، وحين قلت مدافعاً إن هذه الشخصية واقعية مئة في المئة ولا توجد أي مبالغة في كتابتها، نبهني إلى أن واقعية الشخصية في الحياة العادية ليس عذراً كافياً لنقلها كما هي على الورق، لأن قرار كتابتها يعني بالضرورة إعادة خلق لها تستدعي تشذيبها أو تهذيبها أو أحياناً إكسابها صفات وملامح إضافية، وأن هذا ما حدث له في عدة أفلام لم يجرؤ على تقديم شخصيات واقعية قابلها بنفس ملامحها وتفاصيلها، لأن المشاهد لن يصدقها وربما ظن أن الكاتب يستخف بعقليته، وأبرز مثل على ذلك نموذج سرور مجنون الكرة في فيلم (الدرجة الثالثة) الذي تعرف عليه ماهر خلال فترة لعبه الكرة في فريق الناشئين في نادي الزمالك.

لم يحدثني الأستاذ ماهر طويلاً عن علاقته بكرة القدم، لكنني قرأته بعد ذلك وهو يروي لمحمود مطر أن الكابتن عبد العزيز عبد الشافي الشهير بزيزو كان جاراً له في بولاق أبو العلا وكان يلعب معه في فريق ناشئين الزمالك، وكان يتنبأ لماهر بمستقبل كروي عظيم، وفي حين انتقل زيزو إلى الأهلي وأصبح من أبرز نجومه، انتقل ماهر إلى صفوف نادي الترسانة ـ الذي يشبه في سيرته ومساره شخصية ماهر ومساره ـ وفي فريق الشواكيش تدرب ماهر على يد الكابتن محمد رياض شقيق أسطورة الترسانة الكابتن مصطفى رياض، وحين طلب والد ماهر منه ترك الكرة والتفرغ للدراسة، استجاب لطلبه إرضاءً له ورغبة في الاهتمام أكثر بالسينما التي طردت محبتها حب الكرة من قلبه.

لم يحدثني الأستاذ ماهر طويلاً عن علاقته بكرة القدم، لكنني قرأته بعد ذلك وهو يروي لمحمود مطر أن الكابتن عبد العزيز عبد الشافي الشهير بزيزو كان جاراً له في بولاق أبو العلا وكان يلعب معه في فريق ناشئين الزمالك، وكان يتنبأ لماهر بمستقبل كروي عظيم

خلال حياته القصيرة والمكثفة في الملاعب تعرف ماهر على عالم مهاويس الكرة بشكل أفاده في فيلم (الدرجة الثالثة)، واستوحى من الواقع بعض مشاهد الفيلم مثل مشهد سرقة سرور للكأس والتجول به في الحارة، وهو ما سبق أن فعله مشجع زملكاوي كبير اسمه صلاح من أبناء حارة ماهر في بولاق أبو العلا، وحين رآه ماهر يسير في زفة من المشجعين ويحمل كأساً فاز به الزمالك، سأله مستغرباً كيف تركه مسؤولو النادي دون أن يبلغوا عنه البوليس، قال له لأن إدارة النادي تعلم أننا سنعيد الكأس بعد أن نحتفل به، لأننا كمشجعين سنحافظ عليه أكثر من حفاظهم عليه لأننا نحب النادي أكثر منهم، وقد استلهم ماهر الإجابة في بنائه للشخصية والفيلم، لكن صلاح كان يقوم في الواقع بأشياء أكثر عبثية تعبر عن هوسه بالكرة، لكن ماهر لم يستطع أن يقدمها في الفيلم كما هي، لكيلا يتهم بالمبالغة.

تصوّرت سعاد حسني أنها يمكن أن تكرر تجربة شريهان التي قهرت مرضها وعادت إلى الأعمال الاستعراضية التي كانت سعاد تعشق أداء نيللي وشريهان فيها.

لأجل حظك الحسن، لم أعد مضطراً لكتابة بعض ما قاله لي الأستاذ ماهر من الذاكرة عن لحظات التنوير والتي يجب أن تكون أهم ما أركز عليه في البناء الدرامي لأي فيلم أكتبه، لأنني وجدت مؤخراً نص الحوار النادر الذي أجرته معه مجلة (الفنون) ونشرته في عددها الصادر بتاريخ أيلول/ سبتمبر 1993 عقب حصوله على جائزة أحسن سيناريو عن فيلمه (الحب في الثلاجة) في مسابقة المهرجان القومي الثالث للأفلام الروائية، وحين قال له محرر المجلة إن فيلمه الخامس يؤكد على التيمة الرئيسية الموجودة في أفلامه السابقة (الأقزام قادمون ـ الدرجة الثالثة ـ سمع هس ـ يا مهلبية يا)، وهي مواجهة الفرد أو الفريق الضعيف لمن هم أكبر نفوذاً وقدرة على القهر، رد ماهر قائلاً إنه يوافق على ذلك جزئياً، لكنه يرى الأمر من منطق آخر أوسع لأن اهتمامه الرئيسي في أفلامه هو التأكيد على لحظات الاكتشاف أو لحظات التنوير التي يمكن أن تحدث للأبطال، فشهاب بطل (الأقزام قادمون) تتحقق له لحظة التنوير من خلال معايشته لعالم الأقزام الذي يتعرض أفراده للاستضعاف لكنهم متحابون ويفعلون ما يحلو لهم ويستطيعون العيش بسعادة لم يستطع أن يحققها وهو الذي يفترض أنه كامل سواء في منزله أو في عمله كمخرج إعلانات مشهور يقوم بالدعاية لسلع مزيفة لا يحبها.

أما في فيلم (الدرجة الثالثة) ـ كما يضيف ماهر عواد ـ تتحقق لحظة التنوير للبطل حين يتم إحضاره من قاع المجتمع ليجد نفسه في القمة ويصدق أنه أصبح شخصية هامة، ثم بمساعدة زوجته وأصدقائه يكتشف أن لهذا التغيير ثمناً يجب أن يدفعه، أما في (يا مهلبية يا) تتحقق لحظة التنوير لشلة الأبطال التي تتلاعب بالوطنية حين يستشهد أحد أفرادها، فيدركون أن المسألة ليست لهواً وأن هناك شخصاً أكبر منهم لعب بهم وهو الملك، وفي (الحب في الثلاجة) تأتي لحظة التنوير حين يدرك مهدي بطل الفيلم قرب النهاية أنه لا يجب أن يجلس وينتظر حتى تتغير الظروف بل يجب أن يحاول التغيير ويرفض الصمت على العفن الأخلاقي الذي يفرش طريق المجتمع، حتى لو لم ينتصر على ناشري العفن فعلى الأقل سيقوم بمرمغتهم في الوحل.

يترك ماهر عواد للآخرين مهمة تصنيف أعماله كما يرونها، لأنه أحياناً يفهم بعض الأجزاء في أفلامه حين يقرأ ويسمع آراء النقاد والمشاهدين فيها، لكنه في الوقت نفسه لا يتوقف عند ذلك أكثر من اللازم لأن هذا ليس عمله ولا همه الرئيسي

تأكيداً على ما قاله لي الأستاذ ماهر عن كيفية التعامل مع العيوب والأخطاء التي يجب أن يدركها الكاتب والفنان ويكون متصالحاً معها إن وجد أن تغييرها سيمسخ شخصية فيلمه أو يطمس ملامحها، وجدته في حواره المهم يتحدث عن ما يعتقد أنه ميزة وعيب في نفس الوقت في أفلامه، وهو أنه يهتم بشدة بتقديم شكل فني محدد وهو ما يبعده عن سينما المشاعر، ولذلك ـ كما قال ـ لا يشعر بعض المشاهدين أن أفلامه مع شريف عرفة وسعيد حامد عاشت بداخلهم كثيرا، لكنهم في الوقت نفسه لا يمكن أن يمنعوا أنفسهم من التفكير فيها، ولذلك فهو يعتمد على الشكل الكوميدي لأنه أقرب إلى تحريك الذهن معتبراً أن "الكوميديا دائما تفصلك، تجعلك تستدعي أو تربط علاقات وليس مشاعر، وعندما تربط علاقات فإنك تعمل ذهنك وإذا ما أعملت ذهنك بعدت عن العمل وعن الاندماج الكامل فيه ومن ثم فأنت تراه بصورة أدق وأوضح".

لا يجد ماهر عواد مشكلة في أن يقال له من بعض النقاد إن أفلامه برغم شكلها الفني المتميز ليس فيها شيء جديد من ناحية المضمون، معلقاً على ذلك بقوله: "ربما تكون هذه نقطة الضعف، ولكنني أدرك أنني بخبراتي المحدودة وسنوات عمري القليلة نسبياً لا يمكنني طرح أفكار أكثر حكمة مما تم طرحه أو أن أعرض مذهب فلسفي أو وجهة نظر مختلفة في الحياة، فكل هذا سبق طرحه وما أستطيع عمله الآن هو التركيز على الشكل ومحاولة صياغة مضمون تم تقديمه من قبل ولكن بطريقة مختلفة، وشكل مختلف يعيد الناس تفكيرهم من خلاله في هذا المضمون"، وحين قال لي مثل هذا الكلام في جلستنا لم يكن يحاول أن يعبر عن إصراره على التواضع في مواجهة مديحي المتدفق ومحبتي الغامرة، بل كان حريصاً على التعامل مع نفسه بواقعية والتأكيد على أنه ليس مجدداً لأن ما يقدمه سبق أن تم تقديمه في السينما العالمية في الأربعينات وتم تقديمه في السينما المصرية من قبل، لكنه يعيد تقديم هذا الشكل الاستعراضي بصورة مختلفة، ويحاول تقديم شكل السيناريو المركب الذي ترى فيه فيلماً داخل فيلم وتداخل زمنين معاً، دون أن يتصور أن ما يقدمه هو تجديد غير مسبوق.

كنت قد سمعت كثيراً في تلك الفترة عن قيام ماهر عواد بتقديم استشارات فنية لأصدقائه شريف عرفة وسعيد حامد ومحمد أمين في عدد من المشاريع الناجحة التي قدموها، وكنت أستغرب لماذا توقف ذلك التعاون عند حدود الاستشارة

يترك ماهر عواد للآخرين مهمة تصنيف أعماله كما يرونها، لأنه أحياناً يفهم بعض الأجزاء في أفلامه حين يقرأ ويسمع آراء النقاد والمشاهدين فيها، لكنه في الوقت نفسه لا يتوقف عند ذلك أكثر من اللازم لأن هذا ليس عمله ولا همه الرئيسي، متمسكاً بأدواته كسيناريست وهي الحساسية وقوة الملاحظة والتأمل المستمر للواقع العبثي الذي يسود العالم ومحاولة التعبير عنه دون أن يقع في فخ المبالغة، ولذلك لم يكن ينزعج حين يتلقى هجوماً على أفلامه، أو اتهاماً لها بعدم الجماهيرية، لأنه كان متصالحاً معها وفخوراً بما قدمه فيها، لكنه كان يتضايق حين يقول له زملاء أو نقاد أن عليه أن يكتب سيناريوهاته بالشكل التقليدي أو العادي.

يستغرب ماهر عواد هذا الموقف الذي يحاول فرض وصاية فنية عليه، ويتساءل قائلاً لمحرر مجلة (الفنون): "لماذا لا يكون هناك خط مختلف عن بقية الأفلام السائدة، لماذا لا يكون هناك فيلم مختلف عن الستين فيلماً الأخرى وإذا كان فيلمي يضايقهم هكذا، أليس لي الحق في أن أتضايق بدوري من أفلامهم، سأظل أقدم تجاربي سواء كانت جديدة أو مختلفة فلماذا تصادر رغباتي وأحلامي والسينما في حد ذاتها حلم. إذا كان الشكل الذي أكتب به جديداً فما الضرر في ذلك؟ ما الضرر في استقطاب شيء جديد أو مختلف، إذا كان يقول شيئاً حقيقيا فلكل شيء بداية وسأضرب لك مثلاً، لا توجد في مصر رياضة التزحلق على الجليد مثلاً ولكن بافتراض أن هناك اتجاه لاستقطاب هذه الرياضة فسيتحتم أن تكون لها خطوة بداية حيث يتم تعريف الناس بها وتهيئتهم لها، ثم تصبح معروفة ومألوفة لهم فيما بعد وما أفعله الآن ربما يتم تجويده وتحسينه على أيدي خريجي المعهد القادمين بعد عشر سنوات مثلاً، وربما يتجنبون الأخطاء التي فعلها ماهر عواد وسعيد حامد في هذا التجريب"، ومع الأسف، لم يحدث بعد ثلاثين عاماً ما تمناه ماهر عواد، لا له ولا لخريجي معهد السينما ولا للمشتغلين بها، وحتى الستين فيلماً التي كانت تنتج وقت إجراء الحوار تبدو الآن حلماً بعيد المنال، مما يجعل مهمة التنوع والاختلاف أصعب، وهو ما عانى منه الأستاذ ماهر في السنوات التي أعقبت لقائي معه.

كنت بعد عام من لقائنا قد بدأت التعاون مع النجم الكوميدي أشرف عبد الباقي على تنفيذ السيناريو الذي قرأه ماهر بعد أن قمت بتطويره، وبدأنا العمل مع المخرج الشاب محمد ياسين ليكون السيناريو أول فيلم من إخراجه وتأليفي. حين أبلغنا أشرف بعد أشهر من العمل أن المشروع سيتأجل حتى يقوم بتصوير فيلم (رشة جريئة) من تأليف الأستاذ ماهر وإخراج سعيد حامد، يشهد الله أنني لم أغضب، بل فرحت بشدة ليس فقط لأن الأستاذ ماهر عواد سيعود لينير استوديوهات السينما، بل لأن نجاحه الذي توقعته حين قرأت السيناريو سيكون في مصلحة فيلمنا التالي له، وزاد توقعي بذلك النجاح، حين حضرت تصوير عدد من مشاهد الفيلم التي لم يكن الأستاذ ماهر يحضر تصويرها، أذكر من بينها مثلاً مشهد تصوير المحاكاة الساخرة لأغنية فيلم (غزل البنات) الشهيرة، وشعرت أننا بصدد تجربة فنية ستعجب الجمهور وستكون فتح انطلاقة لباقي مشاريعه المجمدة، لكن توقعاتي أنا وكل من راهنوا على الفيلم خابت، حيث لم يحقق الفيلم إيرادات تساعده على البقاء طويلاً في دور العرض، أو تساعد أشرف عبد الباقي على الاستمرار في حلم تقديم البطولات السينمائية، ليتكرس الانطباع الخاطئ لدى المنتجين بأنه لا يصلح لما هو أبعد من مساحة صديق البطل أو البطل المشارك في أحسن الأحوال، ويتأجل حلم تنفيذ مشروعي الأول لعامين إضافيين.

لكن نتيجة (صاحب صاحبه) النهائية كانت كارثية، ليس فقط في شباك التذاكر الذي اكتسحه طوفان (اللمبي)، ولكن على المستوى الفني حيث خرج الفيلم مهلهلاً ومفككاً والأسوأ ثقيل الظل في أجزاء كثيرة منه، ليكون أكثر أعمال ماهر عواد بعداً عن روحه وعالمه وبصمته الخاصة

كنت في فترة اقترابي من أشرف عبد الباقي قد عرفت أن الأستاذ ماهر اضطر لإعادة كتابة سيناريو (رشة جريئة) لكي يكون الفيلم أقل تركيباً من الناحية الفنية وأكثر تماشياً مع ذوق الجمهور، وأنه سمح لأشرف بإضافة بعض الإفيهات والرتوش، ومع أن الفيلم لم يستفد من ذلك في دور السينما، لكنه أفاده حين حقق نجاحاً كبيراً بعد أن تم عرضه في التلفزيون وشاشات الفضائيات، وأصبح من أكثر الأفلام المحبوبة لمخرجه ومؤلفه وأبطاله، لكن تعثره في شباك التذاكر تحمل مسئوليته في الوسط السينمائي أشرف عبد الباقي والأستاذ ماهر الذي ترسخت سمعة كونه مؤلفاً طارداً للجمهور وصاحب دماغ خاصة في الأفلام لا يجب أن يغامر المنتجون بتنفيذها، أما سعيد حامد فقد نجا هذه المرة ليس فقط بقوة دفع نجاحاته السابقة في (صعيدي في الجامعة الأمريكية) و(همام في أمستردام)، بل لأنه حقق نجاحاً جماهيرياً في فيلم (شورت وفانلة وكاب) مع مدحت العدل وأحمد السقا، تضاعف في فيلم (جاءنا البيان التالي) مع محمد أمين ومحمد هنيدي، والذي أعاد هنيدي إلى صدارة الإيرادات بعد هزة قصيرة أعقبت فيلم (بلية ودماغه العالية) الذي أخرجه نادر جلال.

كنت قد سمعت كثيراً في تلك الفترة عن قيام ماهر عواد بتقديم استشارات فنية لأصدقائه شريف عرفة وسعيد حامد ومحمد أمين في عدد من المشاريع الناجحة التي قدموها، وكنت أستغرب لماذا توقف ذلك التعاون عند حدود الاستشارة، خصوصاً مع شريف عرفة الذي أصبح يحظى بنفوذ كبير في السوق السينمائي، يجعله إن أراد قادراً على تنفيذ مشاريعه المشتركة مع ماهر، لكن شريف عرفة بعد تعثر تجربة (ابن عز) مع علاء ولي الدين، قرر أن يغير جلده، ليس فقط من حيث الشكل السينمائي أو النوعية السينمائية، ولكن من حيث المضمون أيضاً، فبدلاً من تقديم أفلام متمردة ومشاغبة على المستوى السياسي والفكري كالتي قدمها مع ماهر عواد ووحيد حامد، والتي اشتبكت بقوة مع ظاهرة التجارة بالوطنية ووقائع قهر السلطة للمواطن، قرر شريف عرفة أن يستبدل المشاغبة والتمرد أو حتى "اللعب مع الكبار" ليلعب لمصلحة الكبار وأجهزتهم السيادية بدءاً من فيلم (مافيا)، الذي تخلى فيه عن منطق السخرية من الشعارات الوطنية التي "تنشد وتطنطن وتتباهى بمجدك يا وطنطن"، ليختار تقديم شعار لا يقل طنطنة بالوطنية من نوعية "زي ما هي حبها.. بحلوها ومرها"، ليكون ذلك إعلاناً للقطيعة الفنية الكاملة مع مشروعه السابق المشترك مع ماهر عواد، وإن بقيت العلاقة الإنسانية برغم ذلك الغياب الفني.

بعد أن فجعنا بخبر رحيل سعاد حسني في 21 حزيران/ يونيو 2001، لم أتمكن من العثور عليه للقيام بواجب العزاء، فاكتفيت بإرسال العزاء والمواساة مع أصدقاء مشتركين.

في المقابل، لم يتخل سعيد حامد عن حلمه بالتعاون مع ماهر عواد الذي ظل يدين له بالفضل ويحن إلى معاودة العمل معه، ولذلك استغل تحسن موقفه في السوق السينمائي، واستطاع هو وهنيدي إقناع المنتجين المتشككين في قدرات ماهر عواد على إنجاح فيلم كوميدي في شباك التذاكر، ليبدأ الاثنان في عام 2002 تنفيذ سيناريو جديد لماهر عواد هو (صاحب صاحبه) الذي جمع بين محمد هنيدي وأشرف عبد الباقي، ومنذ أن بدأ العمل في الفيلم تواترت الأخبار عن وجود تعديلات جوهرية أجريت على السيناريو، ليس فقط بتقديم إضافات تعكس اختلاف موازين القوة الجماهيرية بين بطله المكتسح هنيدي وشريكه المتعثر أشرف، ولكن بإطلاق يد هنيدي في الارتجال والإضافة، وهو ما لم يقاومه ماهر عواد المثخن بالجراح العاطفية بعد الرحيل الفاجع لحبيبته سعاد حسني، والأحزان السينمائية التي أثقلت قلبه بعد توقف عدد من المشروعات التي كان يراهن عليها، ومع أن الأخبار القادمة من التصوير لم تكن تبشر بخير، إلا أن الكل راهن على شعبية هنيدي الكاسحة، لكن النتيجة النهائية كانت كارثية، ليس فقط في شباك التذاكر الذي اكتسحه طوفان (اللمبي)، ولكن على المستوى الفني حيث خرج الفيلم مهلهلاً ومفككاً والأسوأ ثقيل الظل في أجزاء كثيرة منه، ليكون أكثر أعمال ماهر عواد بعداً عن روحه وعالمه وبصمته الخاصة.

كانت كل محاولاتي لتجديد اللقاء مع الأستاذ ماهر قد باءت بالفشل، ربما لأنني بعد لقائي الطويل به، أحبطت من تعثر محاولاتي السينمائية، وعدت للعمل الكئيب في الصحافة والإعداد التلفزيوني، فلم أبقِ على التواصل معه، وبعد أن فجعنا بخبر رحيل سعاد حسني في 21 حزيران/ يونيو 2001، لم أتمكن من العثور عليه للقيام بواجب العزاء، فاكتفيت بإرسال العزاء والمواساة مع أصدقاء مشتركين، لكنني في الوقت نفسه لم أحاول أن أعرض عليه من خلالهم الاشتراك ولو حتى بتسجيل صوتي في فيلم تسجيلي أنتجته قناة MBC أعده الصديق العزيز محمود سعد وكتبت له السيناريو، وشارك فيه كل من لهم علاقة بسعاد حسني إلا الأستاذ ماهر عواد الذي انتقل بعدها للإقامة في شقة بحي المعادي، وانتقل التواصل معه من منطقة الصعوبة إلى منطقة الاستحالة، وهو ما تأكدت منه حين جمعتني الظروف مع صديقه سعيد حامد، حين عملنا سوياً مع الفنانة القديرة عبلة كامل في فيلم (استفتاح) الذي اشتهر إعلامياً باسم (عودة الندلة)، لأكتفي خلال السنوات التالية وحتى الآن بإرسال السلامات والتحيات له مع بعض أصدقائه المقربين الذين يطمئنوني من حين لآخر على صحته، ويؤكدون لي حرصه على الابتعاد عن الصخب والأضواء، وينفون لي مع الأسف ما ينشر بشكل متكرر عن وجود مشاريع سينمائية له قيد التحضير والإنتاج.

ينفي ماهر أن علاقة سعاد بشقيقتها المطربة الكبيرة نجاة كانت متوترة، مؤكداً أن نجاة كانت "أقرب واحدة لسعاد..."

في حواره النادر والفريد مع محمود مطر يتحدث ماهر عواد عن الأيام التي سبقت رحيل السندريلا قائلاً: "علاج سعاد كان يسير بشكل جيد، كانت الأمور عادية، قبلها بشهور كانت سعاد قد أرسلت رسالة صوتية إلى مهرجان القاهرة السينمائي، لم يكن هناك شيء لافت للنظر، من ساعة ما سافرت وهي تتمتع بعلاقة طيبة جداً مع المصريين هناك في لندن وكلهم كانوا بيحبوها وعلى تواصل طيب معها مثل الدكتور عصام عبد الصمد، لا أتهم أحداً لأني لم أكن حاضراً، ما تعرفش إيه اللي حصل بالضبط، لو كانت سعاد اشتكت لي من شيء كنت قلت طبعا".

يؤكد ماهر عواد أن نادية يسري التي فارقت سعاد الحياة أسفل شقتها في لندن، كانت بالفعل صديقة لسعاد وكانت تربطهما علاقة قديمة وأنها كانت تقيم عند سعاد حين تزور مصر، وينفي أن علاقة سعاد بشقيقتها المطربة الكبيرة نجاة كانت متوترة، مؤكداً أن نجاة كانت "أقرب واحدة لسعاد، بعيداً عن إنهم إخوات كانوا أصحاب فوق الوصف، صحيح ما كانوش بيشوفوا بعض كتير وكل واحدة كانت في حتة لكن كان سرهم مع بعض من زمان"، ويقول إن أقرب ثلاث صديقات لسعاد هن نادية لطفي وإنعام سالوسة ومصممة الأزياء سوسن الصاوي ابنة خديجة أخت سعاد الكبرى وهي الابنة البكرية لأبيها محمد حسني البابا، وفي الشأن العائلي يقول إن سعاد طلبت منه أن يذهب لزيارة شقيقها الأكبر عز الدين في شقته بالهرم، وكانت تكلم شقيقتها كوثر باستمرار وتعطيه التليفون ليكلمها، ويؤكد أنها كانت خدومة جدا لأشقائها وكانت تعتبر نفسها مسؤولة عنهم بكل ما للكلمة من معنى.

يروي ماهر عواد لمحمود مطر أن سعاد كانت مهتمة بعد فشل (الدرجة الثالثة) أن تجرب حظها في المسرح وتلعب بطولة مسرحية استعراضية، خصوصاً بعد أن شاهدت فصلاً من مسرحية (شارع محمد علي) وانبهرت بأداء شريهان الصعب برغم أدائها لعدة عمليات جراحية في ظهرها، وهو ما كانت تتمناه سعاد بعد حل مشاكل ظهرها. كان المنتج الكبير سمير خفاجي قد عرض عليها في أواخر الثمانينات بطولة مسرحية استعراضية، ولأنها كانت تدرك صعوبة ذلك صحياً اقترحت عليه أن تقوم ببطولة المسرحية بالتبادل مع نادية لطفي، وعرضت على ماهر أن يكتب المسرحية فرفض مفضلاً التركيز على السينما، ورفض سمير خفاجي فكرة السندريلا التي كانت تثق في إمكانيات صديقتها نادية لطفي، وكانت تتحدث معها بشكل مستمر، وتعطي التليفون لماهر أحياناً فينصب كلام نادية على طلب واحد: "خلي بالك من سعاد"، وكانت سعاد حين تشعر بالضيق والملل، تستجيب لدعوة نادية وتذهب لقضاء بعض الأيام معها في شقتها بحي جاردن سيتي وتعود بكثير من الارتياح.

قبل سفرها للعلاج تضاعف اهتمام سعاد حسني بالمسرح، وأكثرت من التردد عليه فشاهدت مسرحيات (كعب عالي ـ كرنب زبادي)، وكانت لا تكف عن مشاهدة مسرحية (عش المجانين) التي تحتفظ بها على شريط فيديو

قبل سفرها للعلاج تضاعف اهتمام سعاد حسني بالمسرح، وأكثرت من التردد عليه فشاهدت مسرحيات (كعب عالي ـ كرنب زبادي)، وكانت لا تكف عن مشاهدة مسرحية (عش المجانين) التي تحتفظ بها على شريط فيديو، متمنية وهي تسخسخ من الضحك لو كانت قد أتيح لها فرصة التمثيل على المسرح مع محمد نجم وحسن عابدين، لكن حلم سعاد في العودة إلى الفن بكامل نجوميتها اصطدم بتوحش المرض، حيث زادت آلام ظهرها وأصبحت قاسية بشكل جعلها أحياناً تقول لماهر وهما يتناقشان في أمر ما وهما واقفان: "ممكن نقعد يا ماهر؟"، ومع ذلك كانت تتحامل أيضاً على نفسها فتعيد ترتيب أثاث الشقة وتقف في المطبخ طويلاً، محاولة تحدي آلام مرضها والتأكيد لنفسها على أنها قادرة على المشي.

تصوّرت سعاد حسني أنها يمكن أن تكرر تجربة شريهان التي قهرت مرضها وعادت إلى الأعمال الاستعراضية التي كانت سعاد تعشق أداء نيللي وشريهان فيها، وظنت أنها تستطيع تقديم الأعمال التي تحلم بها إذا تمكنت من إنقاص وزنها الزائد الذي كان يشكل عبئاً على حالة ظهرها الصحية، لكنها ـ كما يقول ماهر عواد لمحمود مطر ـ أغفلت أن شريهان كانت أصغر بعشرين عاماً مما ساعد على سرعة شفائها، ومع أن آلام الظهر أضيف إليها آلام الأسنان وأوجاع الاكتئاب، إلا أن سعاد ظلت تحاول استعادة لياقتها الكاملة لتعود إلى السينما في فيلم استعراضي مبهر، لكنها خسرت معركتها مع المرض والزمن والأحزان، ورحلت تاركة حبيبها ماهر في عزلته التي تزداد إحكاماً، ربما لأنه توصل في لحظة تنوير موجعة إلى أنه لن يستطيع مواصلة التمرد والمشاغبة مثل أبطاله، لأن عفن الواقع لن يترك له خياراً سوى النأي بنفسه عن الصخب والزيف، وذلك أضعف الإيمان.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard