شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
نظام سياسي "غامض" يحكم منذ قرون... ما هو المخزن المغربي؟

نظام سياسي "غامض" يحكم منذ قرون... ما هو المخزن المغربي؟

سياسة

السبت 11 مارس 202303:56 م

يمتد لقرون طويلة، ويتّسم بالتنظيم والصرامة، كما يُعدّ "السلطان" قديماً، و"الملك" حالياً، محرّكه الأساسي، لكن ليس الوحيد، فالعديد من العناصر تتحكم في سيرورته، ويستمد منها السلطان قوته واستمراريته. إنه نظام "المخزن" في المغرب، الذي ارتبط قديماً بالحروب التي كان يقودها السعديّون ضد الممالك الإسبانية، والبرتغالية، وكذا العثمانية، قبل أن يتطور مع الأحداث السياسية التي رافقت المملكة المغربية، ويقف أمام العديد من "الهزّات" التي هدّدت وجوده، ليصبح بذلك من الأنظمة السياسية "القليلة" عبر العالم التي سايرت الحداثة وانصهرت معها.

في كتابه "مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب"، يسعى الكاتب محمد جادور، إلى إبراز مفهوم نظام "المخزن" عبر التاريخ، تحديداً في فترتي حكم اثنين من "أقوى" سلاطين المغرب في التاريخ، وهما السلطانان، أحمد المنصور الذهبي (الدولة السعدية/ القرن 16)، ومولاي إسماعيل (الدولة العلوية/ القرن 17-18). كلاهما اتسمت فترة حكمه بالاستقرار، ثم بتوالي أزمات "خانقة" أعقبت وفاته، لذا فالبحث من جهة عن مفهوم المخزن، ومن جهة أخرى عن طبيعته الحالية، يتحقق من خلال النبش في أسباب الاستقرار، والأزمات التي شهدتها فترتا حكم السلطانين معاً.

"ثعبان البحر غير القابل للحجز"

يبدأ تحديد مفهوم نظام المخزن، حسب الكاتب، في زمن الخلافة العباسية، في القرن "الثامن ميلادي/ القرن الثاني الهجري"، وذلك للدلالة على الخزنة الحديدية التي كان يتم وضع المداخيل المالية المحصّلة من الضرائب فيها، قبل أن يبعثها والي إفريقيا إلى الخليفة العباسي، ويتكلف بمهمة الحراسة من كانوا يسمّون آنذاك بـ"عبيد المخزن" في بلاد الأندلس. لكن ومنذ انفصال بلاد المغرب عن المشرق، اتسع مفهوم "المخزن" ليصل إلى ما هو إداري، بدءاً مع عهد المرابطين والموحدين، وترد في كتابات تعود إلى عهديهما كلمة "المخزن" كثيراً. منذ ذاك الوقت أصبح مفهوم المخزن يحيل على رجال الدولة.

في كتابه "مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب"، يسعى الكاتب محمد جادور، إلى إبراز مفهوم نظام "المخزن" عبر التاريخ، تحديداً في فترتي حكم اثنين من "أقوى" سلاطين المغرب في التاريخ

في الوقت الذي ارتبط فيه مصطلح المخزن بالدولة، فإن الغموض الذي طاله، كان أساساً بسبب "الصمت المطبق" للوثائق والمصادر المغربية، والتي لم تحدّد بدقة مفهومه، وهو ما دفع السكان لإطلاق تأويلات عنه، وهنالك من وصفه بـ"ثعبان البحر غير القابل للحجز". لكنه لطالما ارتبط في العديد من الوثائق التاريخية بالجيش، والحروب، وجمع الضرائب، وكذا بنظام إداري مبني أساساً على "العرف القانوني" في تنظيمه، ويأتي فيه السلطان على رأس القمة، ويكون في خدمته "الباشاوات" و"القيّاد".

اختزل السكان مفهوم المخزن في حضور السلطان، ودوام حكمه، وعدّوه مصدراً للأمن والاستقرار، خاصةً أن عهدَي المنصور الذهبي ومولاي إسماعيل، ارتبطا بانتصارات قوية على الممالك الأجنبية، وكذا بتحقيق توسعات تاريخية، وهنا الحديث عن معركة "وادي المخازن"، أو كما تشتهر باسم معركة "الملوك الثلاثة"، التي سطع فيها اسم أحمد المنصور. أمّا مولاي إسماعيل، فقد اشتهر بجيش "عبيد البخاري"، الذي نجح في نشر "هيبته"، وأثار "الخوف" في قلوب معارضيه، وهو ما جعل أمر غيابهما عن أنظار السكان، تحت أي علة من العلل، يفضي إلى "الارتباك" وتزايد "البلبلة".

اختزل السكان مفهوم المخزن في حضور السلطان، ودوام حكمه، وعدّوه مصدراً للأمن والاستقرار

من خلال هذا الترابط الشعبي، اكتسب المخزن قوته الوجودية، إذ سعى السلطانان المنصور، وإسماعيل، في كل مرة، إلى الحرص على جولات في المدن، وتسجيل حضورهما بجانب السكان، وأيضاً لدرء الشائعات التي كانت غالباً ما تحوم حول الوفاة، أو المرض، وتوجيه رسالة "رمزية" إلى الثوار والمعارضين، بأن الشعب إلى "جانبهم"، وذلك وفق "طقوس" محددة، تحولت في ما بعد إلى "تقليد متوارث" للسلاطين القادمين.

"الخوف"... محدد العلاقة بين المخزن والقبائل

إن علاقة السكان بالسلطان، الذي يُعدّ رأس المؤسسة المخزنية، تتمحور أساساً حول "الخوف" منه، فالكاتب يرى، أن أهالي منطقة "سوس" (وسط المغرب)، كانوا يهرعون إلى الفرار من المنطقة عند اقتراب طلعات السلطان المنصور الذهبي، في وقت تسعى فيه القبائل التي تختار البقاء واستقباله، إلى إخفاء ثرواتها النفيسة، لكنها غالباً ما لا تنجح في ذلك، بسبب "خُدَّام المخزن" الذين يجمعون الضرائب عن طريق التفتيش، وهو ما يخلق مفارقةً واضحةً في علاقة السكان بالمخزن، إذ بقدر ما يخلق وجوده وبقاؤه من استقرار وأمن كبيرين، يخلق موضوع جمعه الضرائب بالقوة، خوفاً وقلقاً عند القبائل، ما أسّس لهاجس "عدم الثقة" بين قادة القبائل والمخزن، فزعيم زاوية "تسافت" الواقعة حالياً في إقليم الحوز، في مراكش (وسط المغرب)، لم يثق بمعاهدة الصلح التي وقعها مع "باشا" مراكش، إلا بعدما وصلته رسمياً رسالة من السلطان.

"المخزن" نظام سياسي جاء انطلاقاً من غياب قاعدة مضبوطة للحكم، ونتج عنه انتقال غير سلس للسلطة، بسبب تعدد الأمراء واختلاف طموحاتهم، غير أن الأحداث السياسية جعلته ناضجاً وقوياً

جيش "رهيب"

ما زاد من تعميق الخوف لدى السكان من "المخزن"، بحسب الكاتب، هي العروض العسكرية التي كان يقيمها، فكلما حل الباشا في أي قبيلة، يتم إطلاق النيران لتقديم التحية له، والولاء للسلطان، وهو ما ينتج ذعراً لدى السكان، ويرسّخ عظمة السلطان وجبروته في مخيلتهم. كما كانت العروض تستهدف المعارضين لبث الخوف في دواخلهم. فقبل أن يلجأ جيش المخزن إلى الحرب ضدهم، يعمد السلطان إلى إنجاح هذه العروض لتحقيق مكاسب عسكرية من دون أي خسائر. غير أن السلطان لم يكن هدفه بث الخوف في قلوب المعارضين فقط، بل أيضاً في قلوب الموالين له. فتعدد قصص الغدر والخيانة، جعلت السلطانين المنصور الذهبي ومولاي إسماعيل، يحذران من المقربين إليهما قبل خصومهما، ويبقيان على مسافة كافية منهم، وأحياناً يحتقرانهم. فالمولى إسماعيل كان يعمد إلى "إبقاء" خدّامه المخزنيين سائرين في الوحل، أو حفاةً بجانب فرسه، كما لجأ أحد أعوان المنصور الذهبي إلى خنق ابنه أمامه، لأنه تجرّأ على الدخول إلى حرمه.

يعتمد نظام "المخزن" في تعامله، على "السرّية" و"الحذر" الشديدين، فالسلطانان المنصور وإسماعيل، اعتمدا في فترة حكمهما على كتمان أسرارهما على أعوانهما

ويعتمد نظام "المخزن" في تعامله، على "السرّية" و"الحذر" الشديدين، فالسلطانان المنصور وإسماعيل، اعتمدا في فترة حكمهما على كتمان أسرارهما على أعوانهما، وكذا على رعاياهما، خاصةً القبائل. فأحمد المنصور حرص على نصح ولي عهده بأن يتخذ كاتباً يتقن الإنشاء، والحفاظ على الأسرار، كما غضب كثيراً عندما علم بقيام الشيخ "المامون"، أحد أعوانه، باستخدام قبيلة "أولاد طلحة"، الذين كانوا يُنعتون بالمكر والخداع، وأمره بعدم إشراكهم في اجتماعاته وأحاديثه. يأتي هاجس السرّية لدى السلطانين، من توجسهما من احتمال سقوط حكمهما بين أيدٍ غريبة، وكذا حرصهما على تغييب المعلومات الحساسة عن الأعداء الخارجيين. غير أن المولى إسماعيل، كان لا يظهر مدى حذره من الغرباء، وكان يخفي امتعاضه وعدم ثقته ببعض القبائل، وذلك تجنّباً لحملهم السلاح ضده.

الزوايا... الدين لبسط النفوذ

يُعدّ الدين أحد أهم معالم حضور المخزن، فقد شكل وسيلةً مثلى لاكتساب الشرعية بين القبائل، وكذا وسيلةً قويةً للحفاظ على العرش في أوقات الحروب، والأزمات، فتوطيد العلاقة مع "الزوايا" كان من أهم مشاريع السلطانين المنصور، وإسماعيل، إذ شكلت الزوايا الدينية وما لها من تأثير على المجتمع آنذاك، "منفذاً" لتبرير سياستهما، وقراراتهما، كما أعطى السلطانان، مكانةً مهمةً للعلماء، كونهم "ورثة الأنبياء" و"حماة الشريعة"، ولقدرتهم على حشد الأتباع، والتأثير فيهم، الأمر الذي فرض التعامل معهم باحترام وحذر كبيرين.

اعتمد السلطانان "سياسةً تراتبيةً" في التعامل مع علماء الدين. فالمقرّبون منهم كانوا يحظون بالتقدير الكبير، والعيش الرغيد، وهو ما شكل طبقةً غنيةً منهم تحظى بحماية السلطان، في مقابل دعمهم لسياسته، واختياراته، والدعوة له، وكذا جمع الأتباع حوله، وتفسير سياساته، وقراراته، وتبريرها نيابةً عنه. لكن هذا التمييز وهذه التراتبية بين العلماء، لم ينعكسا سلباً على غير المقربين أو البعيدين عن دار المخزن، كما يقول الكاتب. هؤلاء حصلوا على التقدير نفسه تحت سلطة السلطانين، اللذين سعيا بطرائق كثيرة لاستقطابهم. وكان السلطانان معاً، على دراية بمكانة كل عالم، وكانا يتابعانهم بشكل مستمر.

لكن الثقة التي جمعت المولى إسماعيل مع العلماء، اتسمت بالتردّد. فالدعم الذي قدّمه هؤلاء لعدوه التاريخي أحمد بن محرز، كسر خاطره، وجعله يحذر منهم، إلا أنه لم يختلف في كرمه معهم عن أحمد المنصور، فكان يعبّر عن احترامه لهم، ولم يفاضل بينهم، لكنه شدد في رسائله إليهم على ضرورة تخلّيهم عن مواقفهم المعارِضة، والانسياق لمشروعه السلطاني، الذي كان يهدف من خلاله إلى حماية أراضي المغرب من الغزو الأجنبي. كما عمد أحمد المنصور إلى إشراكهم في مخططه لغزو "بلاد السودان" (غرب إفريقيا)، وجلب الذهب، لتحقيق تأييد شعبي خاصةً في أوساط العلماء.

يلخص الكاتب مفهوم "المخزن"، في كونه نظاماً سياسياً جاء انطلاقاً من غياب قاعدة مضبوطة للحكم، ونتج عنه انتقال غير سلس للسلطة، بسبب تعدد الأمراء واختلاف طموحاتهم، غير أن الأحداث السياسية جعلته ناضجاً وقوياً عبر تحالفاته العسكرية، فحقبتا أحمد المنصور، ومولاي إسماعيل، مهّدتا لتحول المخزن إلى نظام "منظم" يصعب التأثير عليه، كما أن العامل الديني يُعدّ من أهم أسس قيامه، وأول ضمانات استمراريته ووجوده.

Website by WhiteBeard