شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
مكتبة تتآكل... رحلة كتابَيْ

مكتبة تتآكل... رحلة كتابَيْ "مام جلال" من الجبل إلى الهور

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتطرف

الأربعاء 15 مارس 202310:14 ص

في بيتنا مكتبة خشبية صغيرة تساقطت كتبها على مر السنين مثل شجرة قديمة، حتى تكاد تفقد صفة المكتبة، لكنها رغم ذلك كله، مرآة صغيرة صافية تختزل تحوّلات البلاد الثقافية والاجتماعية، منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم.

تبدأ القصة مع أبي الشاب الملتزم دينياً، والذي يقطن في منطقة نائية في محافظة ذي قار، جنوبي العراق، والتحق بالجيش إلزامياً، آخر سنوات حرب الثماني سنوات (1980-1988)، ولم تنته خدمته مع نهاية الحرب، ففي العام نفسه (1988) التحق الشاب مثله مثل آلاف المجندين إلزامياً في المناطق الشمالية، بعد أن قصف نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، تلك المناطق بالأسلحة الكيميائية، خلال حملته التي سماها "الأنفال".

كان والدي من بين المكلفين باقتحام مقر جلال طالباني الذي كان يقود كفاحاً مسلحاً استمر لسنوات للمطالبة بـ"حقوق الأكراد"، قبل أن يتفرغ له نظام صدام في ذلك العام. هناك، صعد الجنود باستخدام البغال للوصول إلى مقر "مام جلال" على أحد جبال دوكان القصية.

يقول أبي إنهم وجدوا المقر أكبر مما يتصورونه، وكان محفوراً عميقاً داخل الجبل، وفيه مخزن للطحين يكفي قطاعات عسكرية كاملة، فضلاً عن مسكن لطالباني، ما إنْ دخل الجنود إليه حتى نهبوه تماماً، وفي غمرة النهب، كانت الكتب تتساقط على الأرض، في طريقها إلى أن تكون وقوداً يتدفأ عليه الجنود، كما تقتضي العادة في الحرب*، فاستأذن والدي ضابطه لأخذ كتابين من بين عشرات الكتب العربية والكردية، فأذن له الضابط مستخفاً بالطلب، وبالشيء المنهوب أيضاً.

بحربته العسكرية، قص أبي الجلد الأسود الذي يغلف أحد الكتابين، محاولاً إخفاء اسم المؤلف، من العتبة الأولى والعتبة الجانبية، ومزق الصفحات الأولى للغرض ذاته، ولفّ الكتابين في فراشه العسكري، وخبأهما جيداً. كان يعلم أن الكتاب الأسود كفيلٌ بأن يرسله إلى مقصلة الإعدام. وحينما تحركت القطعات العسكرية من الشمال باتجاه مجنون في البصرة، جنوبي العراق، ترجل أبي خلال إجازته الممنوحة له في منطقة الفجر، شمالي ذي قار، ومن هناك توجّه إلى قريته البعيدة الواقعة في جنوب المحافظة.

بعدها بسنوات، شارك أبي في الانتفاضة الشعبانية (1991)، ليجلب إلى عائلته لعنة تهمة الانتساب إلى حزب الدعوة المحظور آنذاك، وبعد فشل الانتفاضة، تعرض بيت الطين القريب من الهور، إلى حملات تفتيش مستمرة، من قبل "جلاوزة" لا يرحمون، فاحتارت جدتي بكتب والدي القليلة، وأغلبها كتبٌ دينية شيعية، تفتح شهية البعثية على تضييعهم. مرة، وضعت الكتب في "بلم" (قارب صغير) ودفعته باتجاه الهور، قبل المداهمة، ومرة أخرى في تنور الطين. كان لا بد من إيجاد حل نهائي لهذا القلق المستمر، لذلك عمدت إلى دفن الكتب في التراب لمدة طويلة، الأمر الذي ترك أثره على أغلفة الكتب، وصفحاتها الأولى.

"ما إنْ دخل الجنود إلى مقر جلال طالباني حتى نهبوه تماماً، وفي غمرة النهب، استأذن والدي ضابطه لأخذ كتابين من بين عشرات الكتب فأذن له، فأخذهما، وبحربته العسكرية قص الجلد الأسود الذي يغلف أحدهما، محاولاً إخفاء اسم المؤلف"

لخالي الهارب وقتها إلى رفحاء، مكتبة صغيرة أيضاً، دُفِنَت حتى لم يبقِ لها الوحل بقية.

وفي العام 1996، انتقلنا إلى منزلٍ قريب من مدينة الناصرية، ومن ثم انتقلنا إلى مركز المدينة. كل هذا محاولات منا للتواري عن عيون البعثيين، وبالفعل تحقق لنا ذلك في بيتنا الذي سكنا فيه عام 2000، هناك حيث ابتاع أبي أول مكتبة خشبية ضمت كتبه لأول مرة دون أن يداهمها أحد.

في تلك الأعوام، أذكر أننا كنا ننظّم حملات تنظيف فصلية، لنزيح الغبار عن الكتب، ونضع ذات الأغلفة الجديدة في وسط المكتبة، والكتب كبيرة الحجم في أعلى المكتبة، بينما أنزلنا الكتب الصغيرة ولا سيما المتهرئة بفعل الدفن والتهريب، إلى الخانة الخشبية أسفلها. كان طابع المكتبة تاريخياً، وهو اختصاص أبي الثاني، كما تضم بعض الكتب الأدبية التي قرأها في شبابه.

لاحقاً، وفي العام 2003، تبيّن لنا سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان/ أبريل. كانت المخاوف متضاربة، من البعث ومن مناهضيه. لسنا وحدنا مَن قدمنا الكتب التي وزعها البعث، والصفحات التي تحتوي اسم وصور ومقولات الرئيس الدكتاتور، قرباناً إلى أفواه التنور.

ارتفعت نيرانٌ عالية من أعلى منزل جارتنا المعلمة، التي كانت تنتمي هي وزوجها إلى حزب البعث، وتطايرت الأوراق المحترقة في السماء. كنا جميعاً نعلم أنها كتب لها صلة بالنظام السابق. لم تكن الوحيدة التي فعلت ذلك، أذكر أن صور صدام الممزقة كانت في كل مكان وقتها. الكل يتوقع مداهمات ينفذها مناهضو النظام "الجائر"**. تجرأ أبي على أن يمزق صورة صدام من مصحفٍ ذي غلافٍ جلدي أحمر وزعه النظام إبان الحملة الإيمانية.

"في السنوات اللاحقة، تغيرت هوية المكتبة كثيراً. كانت الكتب الدينية الجديدة تزيح التاريخية تدريجياً، وكتيبات المنفلوطي وجبران وقباني تزيحها كتب الرثاء ‘الحسيني’، حتى لم يعد لها مكان، وأقصيت إلى الخزانة الخشبية"

خلال السنوات التالية، اجتاحت حملة دينية مفاصل البيت كله، واتضحت معالمها في صور الأئمة وعلماء الشيعة المعلقة على جدرانه، والمنع الذي طال الأغاني بأشكالها كافة. المكتبة اهتزت بالتغيير أيضاً، دخلت الكتب الدينية بقوة، كانت أحجامها مختلفة، وأغلفتها جديدة، لذلك سرعان ما احتلت واجهة المكتبة، بارزةً عن غيرها من الكتب الأدبية والكتب التاريخية، وكان مصير الكتب القديمة إلى الخزانة الخشبية.

وقتها، علمنا بقصة كتابيْ جلال طالباني، أحدهما ذو غلافٍ جلدي أسود بدا عليه التقادم، يحمل ندبة واضحة أخفت اسم مؤلفه من الجانبين، مخلوع الغلاف دون أن ينفصل، على صفحاته الصفراء بقع داكنة، كأنه شيخ عجوز، أتعبَته الرحلة الطويلة من الجبل إلى الهور: "تحرير الوسيلة" لروح الله الخميني، كتاب الإعدام الذي خبأه أبي في فراشه، ونقله مئات الكيلومترات، في ذروة العداء بين صدام والخميني. والكتاب الآخر غلافه ورقي، أحمر اللون، لا أذكر عنوانه، لكنه شيء عن تاريخ العراق، في أعلى صفحته الأولى مكتوب: "جلال طالباني، السليمانية"، وسنة اقتناء الكتاب، مع إمضائه.

في السنوات اللاحقة، تغيرت هوية المكتبة كثيراً. كانت الكتب الدينية الجديدة تزيح التاريخية تدريجياً، وكتيبات المنفلوطي وجبران وقباني تزيحها كتب الرثاء "الحسيني"، حتى لم يعد لها مكان، وأقصيت إلى الخزانة الخشبية.

حينما انتقلنا في العام 2016 إلى بيتنا الجديد، ابتاع أبي مكتبة بواجهة زجاجية، كانت أصغر من السابقة، وخزانتها الخشبية أصغر أيضاً، لم تتسع للكثير من الكتب، لذلك تبرّع بعدد كبير من كتبه، وتخلص من الأخرى، دون أن يعير اهتماماً لإمضاءاته التي تركها على الكتب، في أعوام الثمانينيات والتسعينيات، من أماكن مختلفة من البلاد.

في أعلى المكتبة، لا يزال كتاب الخميني يمكث بوقار، بجانب كتب دينية شيعية، في مكتبة رفوفها أقصت التاريخ والأدب والرواية. أما كتاب طالباني الثاني (الذي لا أذكر عنوانه) فلا أحد يعلم في أي عامٍ من أعوام ما بعد 2003، قد فُقِد، ولا أحد يتذكر عنوانه.

* مشاهد حرق الكتب خلال الحرب تكررت كثيراً، ولعلّ آخرها كان خلال حرب تحرير صلاح الدين من تنظيم داعش. هناك، في جامعة تكريت، استخدم أفراد جهاز أمني كتب مكتبة الجامعة التي حرروها بصعوبة، وقاداً يتدفأون عليه.

** لم تحدث مداهمات عشوائية كما توقع الكثير، لكن حملات الاغتيال العشوائي للحزبيين البعثيين المعروفين وقتها، عززت هذه المخاوف.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard